هذا بظاهره إثبات (١) لما ذهب إليه الحنفية كما أن أول الأحاديث لإثبات مذهب مالك مع ما فيه إشارة إلى ما نقلنا أولًا من مذهب عائشة رضي الله تعالى عنها وذلك لأن الرواية مطلقة عن قيد التغير والماء ماء ما لم يذهب مائية وإن غلب عليه النجس وصفًا وأوسط الروايات مسوق لإثبات ما اختاره الشافعي ووجه إثبات مذهب الأحناف بهذه الرواية أن
_________________
(١) قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث مما استدل به أصحاب أبي حنيفة على تنجيس الماء الدائم وإن كان أكثر من القلتين فإن الصيغة صيغة عموم وأصحاب الشافعي يخصون هذا العموم ويحملون النهي على ما دون القلتين ولأحمد طريقة أخرى وهي الفرق بين بول الآدمي وما في معناه من العذرة المائعة وغير ذلك من النجاسات فأما بول الآدمي وما في معناه فينجس الماء وإن كان أكثر من القلتين، وأما غيره من النجاسات فتعتبر فيه القلتان فالحديث المذكور لا بد من إخراجه عن ظاهره بالتخصيص أو التقييد لأن الاتفاق واقع على أن الماء المستبحر الكثير جدًا لا تؤثر فيه النجاسة، والاتفاق واقع على أن الماء إذا غيرته النجاسة امتنع استعماله، فمالك حمل النهي على الكراهة لاعتقاده أن الماء لا ينجس إلا بالتغير ولأصحاب أبي حنيفة أن يقولوا خرج عنه المستبحر الكثير جدًا بالإجماع فيبقى ما عداه على حكم النص فيدخل تحته ما زاد على القلتين، ويقول أصحاب الشافعي خرج الكثير المستبحر بالإجماع والقلتان فما زاد بالحديث فيبقى ما نقص عن القلتين داخلًا تحت مقتضى الحديث، ويقول من نصر قول أحمد خرج ما ذكرتموه إلا أن ما زاد على القلتين مقتضى حديث القلتين فيه عام في الأنجاس فيخص ببول الآدمي.
[ ١ / ٩٧ ]
النهي مطلق عن قيد القلة والكثرة ثم وصف الماء بكونه راكدًا ولا يصدق الركود على ما أعطى له حكم الجاري إذ لا ركود بعد كونه جاريًا لما بينهما من المنافاة الظاهرة ثم قوله ﵊ ثم يتوضأ منه، وفي بعضها ثم يغتسل منه يبين أن المراد بذلك الماء ما هو أزيد من القلتين بل فوق القلال فإن الغسل في ماء القلتين أو التوضئ منه من دون أخذ الماء على حدة مستبعدة عادة والنهي أصله التحريم كما أن الأمر أصله الوجوب لا سيما وقد أكد بنون التأكيد وعمم الحكم بذكر الاغتسال من الجنابة إزالة الحدث والخبث، فعلم من مجموع ذلك أن البول في الماء الذي ليس جاريًا ولا في الحكم الجاري محرم كالغسل فيه وإن كان فوق القلتين ويفسد الماء ببوله فيه وإن لم يتغير شيء من أوصافه الثلاثة وهذا لأن تغير هذا المقدار من الماء الذي يغتسل فيه ويتوضأ عادة ببول رجل أو باغتساله فيه مشكل فهذه الرواية ظاهرة على مذهب الإمام فإن المبتلي به يعده نجسًا بعد قليل من الزمان إن كان هذا الماء كثيرًا وإن كان قليلًا لا يبلغ قدر الغدير العظيم فتنجسه عنده ظاهر، وأما مالك والشافعي رحمهما الله تعالى فمحمل الحديث عندهما الكراهة التنهزيهية أو هو محمول على ما إذا كان الماء أقل من القلتين أو يتغير بذلك شيء من أوصافه الثلاثة وأنت تعلم ما فيه، فالأول عدول عن الأصل وهو التحريم من غير ضرورة إليه، والثاني عدول عن الظاهر الذي ينبغي التعويل عليه والله تعالى أعلم.