الختان موضع الختنة من الرجل والمرأة، وهو من الرجل (٢) ما إذا قطع ظهرت الحشفة لا محالة وقد زيد في
_________________
(١) قلت: وعلى هذا فلا يرد على المصنف ما أورده بعضهم أن الشيخ من ألفاظ التعديل، وأجاب عنه أبو الطيب بأن المراد منه معناه اللغوي أي الكبير وبسط الكلام عليه القارئ: فقال ظاهره يقتضي أن قوله شيخ للجرح وهو مخالف لما عليه عامة أصحاب الجرح والتعديل إلا أنهم قالوا بقربه من ألفاظ الجرح فيحمل على الجرح بقرينة مقارنة وهو قوله ليس بذاك أو يقال لا بد من كون الرجل ثقة من شيئين العدالة والضبط فيجوز أن يعدل باعتبار صفة ويجرح بأخرى، انتهى مختصرًا، والجملة أن الحديث ضعفه الترمذي وغيره لكنه مؤيد بما حكاه الشوكاني عن الدارقطني في العلل إنما يروي هذا عن مالك بن دينار عن الحسن مرسلًا ورواه سعيد بن منصور عن هشيم عن يونس عن الحسن قال: نبئت أن رسول الله ﷺ فذكره ورواه أبان العطار عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة من قوله، انتهى، قلت: فهذه كلها تقوية لحديث الباب، ويؤيده أيضًا حديث علي أخرجه أحمد وأبو داؤد مرفوعًا من ترك موضع شعرة من جنابة لم يصبها الماء فعل الله به كذا وكذا من النار، وصحح إسناده الحافظ، وقال ابن العربي صح من حديث عائشة في صفة غسله ﷺ يتوضأ وضوءه للصلاة ثم يدخل يده في الإناء فيخلل شعره، حتى إذا رأى أنه قد أصاب البشرة وأنقى البشرة أفرغ على رأسه ثلاثًا فإذا بقيت فضلة صبها عليه.
(٢) ومن المرأة قطع جلدة في أعلى الفرج على ثقب البول كعرف الديك يقال له في اللغة الخفاض وأطلق الختانان تغليبًا مجازًا.
[ ١ / ١٤٢ ]
بعض الروايات كلمة «وغابت الحشفة» وعلى كل تقدير فالسبب فيه إقامة الداعي مقام المدعو والسبب مقام المسبب فالتقاء الختانين لما كان في غالب أمرهم يتسبب إلى خروج المني وهو نفسه يتغيب عن البصر. والزمان زمان التلذاذ واضطراب، فلعله لا يحس بخروجه لذهوله عن مثل هذه الأمور في أمثال تلك الحالات أقيم هذا مقام ذاك تيسيرًا على (١) العباد واحتياطًا في العبادات، وربما يتوهم أن الرواية التي اكتفى فيها بلفظ الالتقاء تخالف ما ورد فيها لفظ المجاوزة فإن الأولى منهما توجب الغسل حيث لا توجبه الثانية، وذلك لأن الالتقاء لا يتوقف على المجاوزة والمجاوزة لا تتصور بدونه، ولعل الجواب أن رواية المجاوزة لا تدافع رواية الالتقاء بل هي ساكتة عن وجوب الغسل بنفس الالتقاء، ورواية الالتقاء تؤكد رواية المجاوزة إذ هي لا تتحقق دونه ولما لم تكن مدافعة بين الأسباب لم تحمل على المقيد بالمجاوزة فكان وجوب الغسل بالمجاوزة ثابتًا بالروايتين معًا والوجوب بالالتقاء ثابتًا بإحداهما، فلا خلاف بين مفهوميتها ولا شقاق والروايتان توجبان الغسل بالمجاوزة على الاتفاق، ومما ينبغي أن يعلم أن دخول الحشفة لازم على التقديرين لما قدمنا أن قطع موضع الختان يبرز الحشفة فالتقاء الختانين لا يتصور (٢) من دون دخولها، وبذلك يعلم أن الغسل لا يجب بإدخال
_________________
(١) وكانت المسألة خلافية بين الصحابة حتى تحتم عمر ﵁ بعد مشاورة الصحابة وسؤال الأزواج المطهرات إيجاب الغسل بمجاوزة الختان الختان، وقال: لا أوتي بأحد فعله ولم يغتسل إلا أنهكته، فأنعقد الإجماع بعد ذلك، وما خالف فيه إلا داؤد ولم يلتفتوا إلى خلافه كذا في الأوجز، واختلفوا في مسلك البخاري إلى أي المذهبين مال فقيل وقيل ومحله تقرير البخاري، وكذلك ما حكى فيه الحافظ من خلاف بعض التابعين لم يعبأوا به ولذا حكى فيه الإجماع جمع من الشراح.
(٢) أي عادة فلو وضع أحد ختانه على خفاضها بحيث تلاقي ولم يولجه فيها فلا غسل إجماعًا صرح بذلك جمع من الشراح.
[ ١ / ١٤٣ ]
بعضها لعدم موجب الغسل فبقى المرء على طهره كما هو الأصل وليس ذلك استدلالًا بالعدم، ثم لا يبعد القول بأن إيراد المؤلف رواية المجاوزة بعد عقد الباب بلفظ الالتقاء إشارة إلى ما ذكرنا من اتفاق مدلوليهما ويشهد له رواية المجاورة بالراء المهملة.
[إنما الماء من الماء في الاحتلام (١)] هذا يحتمل معنيين أحدهما أنه وإن كان معمولًا به في أول الإسلام إلا أنه لم يبق حكمه اليوم إلا في الاحتلام، فإن المحتلم إذا رأى ما يريبه ثم لم ير بللا لم يوجب ذلك غسلًا فإن الماء من الماء لا غير، والثاني أنه لم يرد به في الحديث إلا ذاك قبلًا وبعدًا غير أن الناس حملوه على النوم واليقظة معًا ثم لما تبين مراده ﷺ اقتصر على النوم للعلم بأن ذلك مراده ﷺ إلا أن هذا التأويل الأخير يرده صريح روايات الصحاح فإن فيها تنصيصًا على أنه ﷺ قررهم على ما فهموه من التعميم وهذا في غير رواية، ومع هذا فباب التأويل مفتوح بعد بسعته كما لا يخفى على من ألقى السمع وهو شهيد إلا أن التأويل بعضه قريب وبعضه بعيد.