الجواب عنه مثل ما مر فإن فعله ﷺ يؤيد كلًا الوقتين فإن من الأخبار ما يشير إلى أن النبي ﷺ كان يصلي الظهر في أول وقته، ومنها ما يشير إلى غير ذلك فرأينا قوله ﷺ أبردوا (١) في الظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم) يستثنى ظهر الصيف مطلقًا فقلنا باستحباب تعجيل صلاة الظهر في جميع الأزمان إلا وقتًا استثناه النبي ﷺ وهو وقت شدة الحر أو يقال لم نتعرض بفعله لاحتمال أن يكون ذلك العارض وعملنا على الذي أمرنا بالامتثال به.
[من سأل الناس وله ما يغنيه] هذا القدر ليس فيه بأس وإنما هو فيما بينه في تفصيل مقدار ما يغنيه فبينه حكيم بن جبير بخمسين درهمًا وليس هذا القدر من المال فاضلًا من قوت يومه لمن كثر عياله فيكون بالمال هو المروي في غير هذه الرواية إلا أن هذا منظور فيه إلى بعض الأفراد بخلاف ما اشتهر فتكلموا فيه من أجل ذلك لكن الصحيح أنه متابع في ذلك فلذلك تراهم لم يروا بحديثه بأسًا وإلى هذا أشار الترمذي بقوله حديث حسن إذ لو كان اعتبر كلام القوم في حكيم
_________________
(١) قال الغيئ اختلفوا في كيفية هذا الأمر فحكى القاضي عياض وغيره أن بعضهم ذهب إلى أن الأمر للوجوب، وفي التوضيح اختلف الفقهاء في الإبراد بالصلاة فمنهم من لم يره وتأول الحديث على إيقاعهما في برد الوقت وهو أوله والجمهور من الصحابة والتابعين وغيرهم على القول به ثم اختلفوا فقيل عزيمة وقيل واجب وقيل رخصة، انتهى، وقال ابن قدامة لا نعلم في تعجيل الظهر في غير الحر والغيم خلافًا، وأما في شدة الحر فكلام الخرقي يقتضي استحباب الإبراد بها على كل حال فهو ظاهر كلام أحمد وهو قول إسحاق وأصحاب الرأي وابن المنذر لظاهر قول النبي ﷺ إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة الحديث.
[ ١ / ٢٠١ ]
ابن جبير لم يحسن الرواية فكأنه لم ير تضعيف شعبة شيئًا يعتد به.
[قال محمد وقد روى عن حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير] كما روى (١) عن حكيم بن جبير عن إبراهيم.
[قوله فإن شدة الحر من فيح جهنم (٢)] هذا وإن كان مما يستشكل الظاهر لكنه ليس مما يستبعد إذ كما أنا نرى في عالم المحسوسات من الأشياء ما لا يدرك إلا بعد تدقيق النظر كذلك ههنا يمكن أن يجعل الله تعالى بين الشمس والنار التي في جهنم تعلقًا يبلغ به حره إليها والأمر حينئذ لا يبنى إلا على بعد الشمس وقربها من الديار وأما إذا لم توجد العلة في يوم أو في بلد فهل يستحب تأخيره للصلاة فالمسألة مختلفة فيها فمن بنى الأمر على العلة لم يقل بالتأخير حينئذ ومن عمم (٣) الحكم قال به.
[قوله والشمس في حجرتها لم يظهر الفتى من حجرتها] أي من صحن دارها أراد (٤) بذلك تعجيل صلاة العصر جدًا فإن الصحن لم يكن طويلًا قلنا فالجدران
_________________
(١) ومال ابن العربي إلى أن الترمذي أشار بذلك إلى الاضطراب في الحديث وأشار البيهقي إلى الاضطراب في الحديث بوجه آخر.
(٢) استشكل بأن الصلاة مظنة وجود الرحمة ففعلها مظنة طرد العذاب فكيف أمر بتركها وأجيب بأن التعليل إذا جاء من الشارع وجب قبولها وإن لم يفهم وقيل بغير ذلك من الأجوبة التي ذكرت في الأوجز.
(٣) قلت: والمرجح عند الحنفية التعميم ففي الأوجز عن الدارالمختار وغيره تأخير ظهر الصيف مطلقًا بلا اشتراط شدة حر وحرارة بلد وقصد جماعة وما في الجوهرة وغيره من اشتراك ذلك منظور فيه قال الشامي الشروط الثلاثة مذهب الشافعية صرحوا بها في كتبهم، قلت: وهو مختار القاضي من الحنابلة ومذهب المالكية على ما نقله الزرقاني ندب الإبراد في جميع السنة ويزاد لشدة الحر.
(٤) استدل بذلك على التعجيل وقال الطحاوي لا دلالة فيه على التعجيل لاحتمال أن الحجرة كانت قصيرة الجدار فلم تكن تحتجب عنها إلا بقرب غروبها فيدل على التأخير لا على التعجيل، وفي البدائع كانت حيطان حجرتها قصيرة فتبقى الشمس طالعة فيها إلى أن تتغير الشمس، كذا في الأوجز، وفي شرح أبي الطيب عن النووي أن الحجرة ضيقة العرصة قصيرة بحيث يكون طول جدارها أقل من مساحة العرصة وعن ابن سيد الناس معنى قوله لم يظهر من حجرتها أي لم يصعد السطح قال فعلي هذا تكون العصر واقعة بعد المثل بشيء كثير بل بعد المثلين لأنه قال لم يصعد السطح فعلم أنه طلع على الجدار الشرقي وقت تقرر أن الجدار الغربي كان أقصر من العرصة انتهى.
[ ١ / ٢٠٢ ]
كذلك فلا يثبت المرام، وصورة المسجد والحجرة مع صحتها أن قبلة المدينة إلى الجنوب فالشرق شمالهم والغرب يمينهم ويجنب المسجد إلى جانب الشرق باب دار عائشة التي سماها حجرة فهذا الصحن هو الذي سماه في الحديث حجرة عائشة فتفكر.
[قوله إنه] أي العلاء.
[دخل على أنس بن مالك] وقد كان كبر فلا يخرج من بينه وكان يصلي فيه بجميع أهل بيته.
[في داره بالبصرة] أي دار أنس.
[حين أنصرف] أي العلاء من المسجد بعد الفراغ من الظهر.
[وداره] أي دار أنس بجنب المسجد والظاهر أن أهل المسجد كانوا صلوا (١) الظهر في آخر وقتها بعد تمام الإبراد فإن العلاء بعد أداء الفريضة لعله اشتغل بشيء من السنن والأذكار أو بالنوافل ومع ذلك فليس فيه تصريح أن أنسًا إنما صلى بفور دخول علاء عليه بل الظاهر من دأب الزيادة أنه قال ذلك بعد
_________________
(١) قلت: ولا يبعد أن يكون أهل المسجد قائلين بالمثلين فصلوا الظهر بعد المثل وأنس يكون قائلًا بالمثل فصلى إذ ذاك العصر.
[ ١ / ٢٠٣ ]
ما جلس يسيرًا وتحدث معه فلا يتوهم وقوع الصلاتين في وقت واحد.
[فقال قوموا فصلوا] هذا لأنهم ضلوا العصر على أول وقتها وفعل أنس وإن كان يدل على أفضلية الوقت الأول إلا أن الدليل الذي بينه بقوله تلك صلاة المنافق إلخ إنما يدل على كراهية التأخير الذي يؤدي إلى الاصفرار ولم نقل بذلك والجواب عما ورد في ذلك أن الروايات مختلفة فصرنا إلى كثرة الثواب فيم يحصل فرأينا أن النوافل لا يجوز بعد صلاة العصر ففي تقديم العصر وتعجيلها تقليل النوافل وبعد العصر كانوا لا يشتغلون إلا بالأعمال الدنيوية من البيع والشراء وغير ذلك ففيه أيضًا تكثير الوقت الذي يكون ضائعًا فقلنا بتأخيرها.
[قوله حتى قال بعض أهل العلم ليس لصلاة المغرب إلا وقت واحد] أي الوقت المستحب الذي تصير الصلاة بعده مكروهة وأما من لم يقل بذلك فقال إن تأخيره ذلك مكروه، وأما الصلاة فغير مكروهة إذ لا كراهة في الوقت.
[أنا أعلم] قد يظن الرجل إذا علم واجتهد في التفتيش بشيء والناس لم يبحثوا عنه في أعلم الناس لما أنه كان تعاهد ذلك ما لم يتعاهدوا.
[لأمرتهم] أمر إيجاب بدعاء ذلك من الله تعالى فلا يرد (١) أن النبي ﵇ إنما كان مأمورًا ومقتديًا فكيف يوجب ويعين الوقت.
[ثلث الليل ونصفه] إما تقريبي أو الابتداء بعد الثلث يستلزم الانتهاء إلى النصف.
[النوم قبل العشاء يكره] لمن يظن فوات الجماعة وأما من لا فلا.