وهذا وإن لم (٢) يذكره المؤلف ههنا إلا أنه مصرح (٣) به في تلك الرواية وبه تتم إيراده في هذا الباب والمنفى في قوله
_________________
(١) أي عند الجمهور وبه قلنا وتوضيح مسالك الفقهاء في ذلك كما في الأجور أن الظاهرية وابن حبيب من المالكية قالوا بوجوبه والجمهور والأئمة الأربعة باستحبابه وما نقل ابن العربي عن مالك والشافعي أنه لا يجوز له أن ينام قبل أن يتوضأ أنكر عليه، قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا أوجبه إلا طائفة من أهل الظاهر وسائر الفقهاء لا يوجبونه وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، قال العيني: وذهب طائفة إلى أن الوضوء المأمور به الجنب هو غسل الأذى منه وغسل ذكره ويديه وهو التنظيف وذلك يسمى عند العرب وضوءًا قالوا وابن عمر لا يتوضأ عند النوم الوضوء الكامل كما في الموطأ وهو روى الحديث وعلم مخرجه.
(٢) يعني ذكر المصافحة فإن الرواية التي ذكرها المصنف في هذا الباب ليس فيها ذكر للمصافحة.
(٣) ففي رواية للبخاري فأخذ بيدي فمشيت معه حتى قعد فانسللت فأتيت، الحديث.
[ ١ / ١٥٢ ]
لا ينجس نجاسة لا يجوز معها مخالطة الناس ومصافحتهم والتكلم معهم والخروج في الأسواق وغير ذلك من المقاصد كما يظنه كثيرًا من العوام وليس المنفى النجاسة مطلقًا أعم من الحقيقي والحكمي كيف والنجاسة التي حرمت عليه قراءة القرآن ومس المصحف ودخول المسجد غير منكرة ثم إن النبي ﷺ وإن كان قد أخذ بيده جنبًا ليمشي معه لكنه رضي الله تعالى عنه لما علم أنه ﵊ سيرضى بفعلي الذي أفعله لعلمه بأن النبي ﵇ يحب التطهر ويأمرنا به لا سيما حين نلقي أحد صلحاءنا ذهب من غير استئذان منه ﷺ ولم يعد هذا عصيانًا منه ومخالفة لأمره ﵊ ويستنبط من القصة وألفاظها مسائل.
منها جواز مصافحة الجنب الذي عقد الباب لأجله.
ومنها أن النجاسة لا تؤثر تلويثًا في غيره ولا تنجيسًا ما لم يكن ثمة نجس حقيقي وإلا لما أمكن أن يعطي أبو هريرة له ﷺ يده النجسة.
ومنها (١) جواز خروج الجنب لحوائجه في الأسواق والمشاهد إذ لو لم يجز لأنكر النبي ﷺ عليه خروجه من بيته جنبًا حين علم به.
ومنها جواز تأخير الغسل ما لم تحضر الصلاة.
ومنها جواز ترك الامتثال لأمر أحد من الأكابر إذا علم أنه وإن كان أمر بما أمر به صريحًا غير أنه لا يسخط على مخالفته ويرتضيه فإن الظاهر أنه ﵊ قصد مصاحبته له حين أخذ بيده لكنه لما علم رضاه في خلافه لم يبال بمخالفة هذا الأمر لعلمه أن هذه المخالفة لكونه خلافًا إلى خير لا يعد عصيانًا ولا يوجب سخطه ﵊ ولذا لم ينكر عليه انخناسه وسؤاله بقوله أين كنت يدل على ما قلنا من كونه معه ومصاحبته ومماشاته.
_________________
(١) ولذا بوب البخاري في صحيحه على حديث الباب وغيره باب الجنب يخرج ويمشي في السوق وغيره واستنبط الحافظان بنحو هذه المسائل التي أفادها الشيخ.
[ ١ / ١٥٣ ]
ومنها سؤال الرجل عمن صدر منه ما فيه مساغ للإنكار عذره فيه ليعتذر لو معقولًا ويبين له الصواب ويرشد إلى الحق أو يعزز على ما ارتكبه لو افتقر إليه.
ومنها أن لا يبادر إلى التعنيف ما لم يعلم باعثه على ما فعله.
ومنها جواز التكلم بين يدي الأكابر والعلماء ولو أئمة وخلفاء بأمثال تلك الأمور التي لا تستقبح شرعًا كيف ولو سكت أبو هريرة عن ذكره حياء لعد هذا عصيانًا منه حين يسأله النبي ﷺ وهو لا يجيبه، وبذلك علم أن ما شاع في جهلة زماننا من عد أمثال هذه الكلمات مع كبراءهم وقاحة حتى إن أحدهم يظل يومه جنبًا ولا يتمكن من الغسل حياء من أهل بيته وإن فاتته في ذلك صلاة أو صلوات فإنه يبعد عنه أن يغتسل وهو بمرئ من أعينهم أو بحيث يعلمون به ولو غيبًا وكان من قلة حيائه من ربه تعالى أنه عد قضاء فرض صلاته حياء مع أنه ليس في شيء منه وإنما كان ذلك حيلة من شيطانه تسبب بها إلى ارتكاب عصيانه وكاد يبلغ إلى أن يسلب عنه نور إيمان.
ومنها جواز الحكم على الشيء بلفظ أعم من المعنى المقصود إثباته ونفي الشيء عنه وإن لم ينتف غير نوع منه معلوم فإن قوله ﷺ إن المؤمن لا ينجس مع ما ثبت له من النجاسة المعتبرة عند الشرع بأنواعها الحدث والجنابة والحيض والنفاس بعضها فوق بعض حتى إنه حرم عليه في كثير منها قيامه بأكثر القربات مع تلبسه بها مشير إشارة ثابت مناب التصريح بأن الشيء كثيرًا ما يطلق على الشيء والمراد إثبات بعض أنواعه له وإنه كثيرًا ما ينتفي به بانتفاء بعض أنواعه وإن كان ظاهر اللفظ يدل على العموم إلا أنه لا ضير فيه بعد حصول المقصود فإن من الظاهر الذي لا يكاد يستره ساتر أن المخاطب لا يلتبس عليه المراد بهذا الإطلاق وبهذا ينحل كثير من الروايات التي تظن أنها تخالف غيرها حيث أثبت في إحداها الحكم مع نفيه في أخراها فتلك المخالفة إنما نشأت من حمل كلتيهما على العموم الجنسي ولو حملتا على العموم النوعي لم يكن بينهما معارضة.
[ ١ / ١٥٤ ]
ومنها استحباب الطهارة للحضور بين يدي العلماء الصلحاء.