ثم رحل إِلى سيبويه زمانه وفريد أوانه أبي محمد الشيخ موسى بن محمد الأديلي (١)، وبدأ عنده دراسة الفقه، بدأ بـ "شرح جلال الدين المحلي" على "منهاج النووي"، ثم بعد ما وصل إِلى (كتاب السلم) .. حوله شيخه المذكور -رحمه الله تعالى- إِلى دراسة النحو؛ لما رأى فيه من النجابة والاجتهاد في العلم، فقرأ عليه مختصرات النحو كـ"متن الآجرومية" وشروحها العديدة، و"متن الأزهرية"، و"ملحة الإِعراب" مع شرحه "كشف النقاب" لعبد الله الفاكهي، و"قطر الندى" مع شرحه "مجيب الندا" لعبد الله الفاكهي، وقرأ "الألفية" لابن مالك مع شروحها العديدة كـ"شرح ابن عقيل"، و"شرح المكودي"، و"شرح السيوطي".
ثم اشتغل بكتب الصرف والبلاغة والعروض والمنطق والمقولات والوضع واجتهد فيها، وحفظ "ألفية ابن مالك" و"ملحة الإِعراب" و"لامية الأفعال" و"السلم" في المنطق، و"الجوهر المكنون" في البلاغة.
وكان لا ينام كل ليلة حتى يختم القصائد المذكورة حفظًا، وكان قليل النوم في صغره إِلى كبره، حتى كان لا ينام غالبًا بعد ما كبر إِلا أربع ساعات من أربع وعشرين ساعة؛ لكثرة اجتهاده في مذاكرة العلم، وكان يدرس هذه الفنون جنب حلقة شيخه مع دراسته على الشيخ المذكور.
_________________
(١) الأدَّيليِّ: بفتح الهمزة وتشديد الدال المفتوحة: نسبة إِلى أدَّيْلَ من أعمال دِرْدوا.
[ ١ / ٨ ]
ثم رحل من عنده بعد ما لازمه نحو سبع سنوات إِلى شيخه خليل زمانه وحبيب عصره وأوانه الشيخ محمد مديد الأديلي أيضًا، فقرأ عنده مطولات كتب النحو كـ "مجيب الندا على قطر الندى" و"مغني اللبيب" كلاهما لابن هشام، و"الفواكه الجنية على المتممة الآجرومية" وغير ذلك من مطولات علم النحو، وكان يدرس أيضًا جنب حلقة شيخه وقرأ عليه أيضًا التفسير إِلى سورة (يس).
ثم رحل من عنده بعد ما لازمه ثلاث سنوات إِلى شيخه الشيخ الحاوي المفسر في زمانه الشيخ إِبراهيم بن ياسين المَاجَتِيِّ (١)، فقرأ عليه التفسير بتمامه، والعروض من مختصراته ومطولاته كـ "حاشية الدمنهوري على متن الكافي"، و"شرح شيخ الإِسلام الأنصاري على المنظومة الخزرجية"، و"شرح الصبان على منظومته في العروض"، وقرأ عليه أيضًا مطولات المنطق والبلاغة، ولازمه نحو ثلاث سنوات.
ثم رحل من عنده إِلى الشيخ الفقيه الشيخ يوسف بن عثمان الوَرْقِي (٢)، وقرأ عليه مطولات علم الفقه كـ "شرح الجلال المحلي على المنهاج"، و"فتح الوهاب على المنهج" لشيخ الإِسلام مع "حاشيته" لسليمان البُجَيرِمي و"حاشيته" لسليمان الجمل، و"حاشية التوشيح على متن أبي شجاع"، و"مغني المحتاج" للشيخ الخطيب إِلى (كتاب الفرائض)، وقرأ عليه غير ذلك من كتب الفرائض كـ "حواشي الرحبية"، و"الفُرَاتِ الفائض في فَنِّ الفرائض" -هو كتاب جيد من مطولاتها- ولازمه نحو أربع سنوات.
ثم رحل من عنده إِلى الشيخ إِبراهيم المُجِّي (٣)، فقرأ عليه "فتح الجواد" لابن حجر الهيتمي على "متن الإِرشاد" لابن المقرئ الجزءين الأولين منه.
ثم رحل من عنده إِلى شيخ المحدثين الحافظ الفقيه الشيخ أحمد بن إِبراهيم الكَرِّي، وقرأ عليه "البخاري" بتمامه، و"صحيح الإِمام مسلم" وبعض كتب الاصطلاح.
ثم رحل من عنده إِلى مشايخ عديدة، وقرأ عليهم السنن الأربعة، والموطأ، وغير ذلك من كتب الحديث مما يطول بذكره الكلام.
_________________
(١) المَاجَتِيِّ: نسبة إِلى ماجة من بلاد وَلَّو.
(٢) الورقي: نسبة إِلى وَرْقَةَ من أعمال مدينة هرر.
(٣) المُجِّي: نسبة إِلى قبيلة من قبائل نُولَى.
[ ١ / ٩ ]
ثم رحل من عندهم إِلى الشيخ عبد الله نُورَوْ القَرْسِي (١)، فقرأ عليه مطولات كتب البلاغة كـ "شروح التلخيص" لسعد الدين التفتازاني وغيره، ومطولات كتب أصول الفقه كـ "شرح جمع الجوامع" لجلال الدين المحلي، وقرأ عليه من النحو "حاشية الخضري على ابن عقيل".
وقرأ على غير هؤلاء المشايخ كتبًا عديدة من فنون متنوعة مما يطول الكلام بذكره من كتب السيرة وكتب الأمداح النبوية كـ "بانت سعاد" و"همزية البوصيري" و"بردته" و"القصيدة الوترية" و"الطرَّاف والطرائف" و"إِضاءة الدُّجُنَّة "-ألفية في كتب الأشاعرة- وغير ذلك مما يطول الكلام بذكره.
وكان يدرِّس مع دراسته جنب حلقة مشايخه ما درس عليهم من أربع عشرة سنة من عمره، ثم استجاز من مشايخه هؤلاء كلهم التدريس استقلالًا فيما درس عليهم فأجازوا له، فبدأ التدريس استقلالًا في جميع الفنون في أوائل سنة ألف وثلاثمائة وثلاث وسبعين في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول من الهجرة النبوية، فاجتمع عنده خلق كثير من طلاب كل الفنون زهاء ستمائة طالب أو سبعمائة طالب.
وكان يدرِّس من صلاة الفجر إِلى صلاةِ العشاء الآخرة نحو سبع وعشرين حِصَّة من حصص الفنون المتنوعة، وكان يحيي ليله دائمًا بكتابةِ التآليف، وبما قدر الله له من طاعاته.