[٢٢] حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو الضبِّيُّ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ،
ــ
جاءكم فاسق بنبأ فتثبتوا﴾ ولا تَعْمَلُوا بِخَبَرِه حتى تتيَقَّنُوا صِدْقَه.
قال القرطبيُّ: (قوله: "فلمَّا رَكِبَ الناسُ الصَّعْبَ والذَّلُولَ " إِلخ هذا مَثَلٌ، وأصلُه في الإِبل، ومعناه: أَنَّ الناسَ تَسَامَحُوا في الحديث عن رسول الله ﷺ واجْتَرَؤُوا عليه فتحَدَّثُوا بالمَرْضِيِّ عنه الذي مَثَّلَه بالذَّلُول من الإِبل، وبالمُنْكَرِ منه المُمَثَّل بالصَّعْبِ من الإِبل.
وقولُه: "لَمْ نأْخُذْ من الناسِ إِلَّا ما نَعْرِفُ" أي: إِلَّا ما نَعْرِفُ ثِقَةَ نَقَلَتِهِ وصِحَّةَ مَخْرَجِه) (١).
(٦) باب اختيار الأحاديث الصحيحة وتلخيصها وطرح ما سواها من الكتاب الذي اشتمل عليها
وبالسَّنَدِ المُتَّصِلِ قال المؤلفُ رحمه الله تعالى:
[٢٢] (حَدَّثنَا داودُ بن عَمْرِو) بن زهير بن عَمْرو بن جَمِيل بالجيم المفتوحة، وقيل: بالحاء المهملة المضمومة (الضَّبِّيُّ) بفتح الضاد المعجمة بعدها باءٌ موحدة مشددة، أبو سُلَيمان البغدادي، كذا نَسَبَه ابنُ سَعْدٍ والبَغَويُّ، وقال الحاكم أبو أحمد: داودُ بن عَمْرو بن المُسَيّب، ويُقال: ابنُ زُهَير (٢).
روى عن نافعِ بنِ عُمَر الجُمَحِيِّ وابنِ أبي الزِّناد وحَمَّادِ بنِ زَيدٍ وغيرِهم، ويروي عنه (م) حديثَينِ و(س) والفَضْلُ بن سَهْلٍ وابنُ نَاجِيةَ والبَغَويُّ.
وقال في "التقريب": ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة ثمانٍ وعشرين ومائتين.
قال: (حَدَّثَنَا نافعُ بن عُمَرَ) بنِ عبد الله بن جميل القُرشي الجُمَحِي المكي الحافظ.
روى عن ابنِ أبي مُلَيكَةَ وسعيدِ بن أبي هندِ وعبدِ الملك بن أبي محذورة وغيرِهم، ويروي عنه (ع) وابنُ المبارك وابنُ مهدي ووَكِيعٌ وخَلْقٌ، وَثَّقَه أبو حاتم والنَّسائيُّ وابنُ مَعِينٍ.
_________________
(١) "المفهم" (١/ ١٢٤ - ١٢٥).
(٢) "تهذيب الكمال" (٨/ ٤٢٥ - ٤٢٦).
[ ١ / ٢٢٨ ]
عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَال: كَتَبْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاس أَسْألهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابًا ويخْفِي عَنِّي، فَقَال: وَلَدٌ نَاصِحٌ، أَنَا أَخْتَارُ لَهُ الأُمُورَ اخْتِيَارًا وَأُخْفِي عَنْهُ،
_________________
(١) وقال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ، من كبار السابعة، مات سنة تسعٍ وستين ومائة. (عن) عَبْد الله بن عُبَيدِ الله -مصغّرًا- (ابنِ أبي مُلَيكَةَ) بضمِّ الميم مصغرًا: زُهَيرِ بن عبد الله بن جُدْعان بن عَمْرو بن كَعْب بن سَعْد بن تَيمِ بن مُرَّة التَّيمي، أبي بكر المكي، تَوَلَّى القضاءَ والأَذَانَ لابن الزُّبَير ﵃. روى عن عائشةَ وأُمِّ سلمة وابنِ عَبَّاسٍ، وأَدْرَكَ ثلاثين من الصحابة، ويروي عنه (ع) وابنهُ يحيى وعطاءٌ وعَمْرُو بن دينارٍ وغيرُهم، وَثَّقَه أبو حاتم وأبو زُرْعة. وقال في "التقريب": ثقةٌ فقيهٌ، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومائة. (قال) ابنُ أبي مُلَيكَةَ: (كَتَبْتُ) رسالةً أرسلتُها (إلى ابنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما حالة كوني (أسألُه) أي: أسألُ ابنَ عَبَّاسٍ في تلك الرسالة (أَنْ يَكْتُبَ لي) أي: لأجلي من ديوان قضاء عليٍّ ﵁ (كتابًا) جامعًا للقضاءِ الصحيحِ الواقعِ من عليٍّ، وللأحاديثِ الصحيحةِ المأثورةِ عن النبي ﷺ لا المُفْتَرَياتِ عليهما (ويخْفِي عنِّي) أي: يَكْتُمُ عنِّي ولا يَكْتُب لي ما كان في ذلك الدِّيوان من الأحاديثِ الموضوعة والأَقْضيةِ المُفْتَراة من الشِّيَع على عليٍّ ﵁. (فقال) ابنُ عَبَّاسٍ لمَنْ أرسلتُ إِليه بالرسالة: أنا (ولدٌ ناصحٌ) له؛ أي: أنا له كالولد الناصح لوالديه؛ ففيه تشبيهٌ بليغٌ، والنَّاصِحُ: مَنْ يُرِيدُ الخيرَ للغير، ويُبْغِضُ الشرَّ له، والنصيحةُ: إِرادةُ الخيرِ للغير، والخديعةُ: إِرادةُ الشرِّ للغير من حيثُ لا يَعْلَمُ. وفَسَّرَ النصيحةَ بقوله: (أنا أختارُ له) أي: لابن أبي مُلَيكَة، وأُلَخِّصُ له (الأُمُورَ) المجموعةَ في ذلك الديوان؛ أي: أنا أختارُ له (اختيارًا) وأُلَخِّصُ له تلخيصًا من الأمور المجموعة في ذلك الديوان من الأحاديث والأَقْضية؛ أي: أختارُ له منها الأحاديثَ الصحيحةَ والأقضيةَ الحَقَّةَ لا المُفْتَرَياتِ عليه، وألَخِّصُها له في كتابٍ جامعٍ لها. (وأُخْفِي عنه) أي: عن ابنِ أبي مُلَيكَة وأَسْتُر عنه، وأَكْتُم ما كان في ذلك الديوان
[ ١ / ٢٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من الأحاديثِ الموضوعةِ والأَقْضيةِ المُفتراةِ ولا كتبها إِليه نصيحةً له وطلبًا للخيرِ له (١).
قوله: (ويُخْفِي عنّي وأُخْفِي عنه) قال النوويُّ: (اختلف العلماءُ في ضَبْطِه، فقال القاضي عِيَاضٌ رحمه الله تعالى (٢): ضَبَطْنا هذَينِ الحرفَين وهما: "ويُحْفِي عَنِّي، وأُحْفِي عنه" بالحاء المهملة فيهما عن جميع شيوخنا إلا عن أبي محمد الخُشَنِيّ؛ فإني قرأتُهما عليه بالخاء المعجمة، قال: وكان أبو بَحْرٍ يحكي لنا عن شيخه القاضي أبي الوليد الكِنَاني (٣) أَنَّ صوابه بالمعجمة.
قال القاضي عياضٌ: ويَظْهَرُ لي أَنَّ روايةَ الجماعةِ هي الصوابُ (٤)، وأَنَّ معنى "أُحْفِي": أنقص، من إِحْفاءِ الشوارب وهو جَزُّها؛ أي: أَمسك عنّي من حديثك ولا تُكْثِر عليَّ) (٥).
وقال في "المشارق" (١/ ٢٠٩): (ويكون الإِحفاءُ بمعنى الإمساكِ من قولهم:
_________________
(١) قال الإمام ابن الصلاح: (وقوله: "أنا أختارُ له وأُخفي عنه" إِخبارٌ منه بإِجابته إِلى ذلك، وليس استنكارًا له في ضمن استفهام محذوفِ حرفُه). "صيانة صحيح مسلم" (ص ١٢٣).
(٢) "إِكمال المعلم" (١/ ١٢١ - ١٢٢)، و"مشارق الأنوار" (١/ ٢٠٩).
(٣) هو العلّامة أبو الوليد هشام بن أحمد الكِنَاني الأندلسي الطُّلَيطِلي المعروف بالوَقَّشي. قال القاضي عياض: كان غايةً في الضبط، نَسَّابة، له تنبيهات وردود، وقال ابن بشكوال: أخبرنا عنه أبو بَحْر الأسدي -وهو سفيان بن العاص- وكان مختصًّا به، وكان يُعظّمه ويقدّمه ويَصِفُه بالاستبحار في العلوم، توفي منة تسع وثمانين وأربعمائة. "سير أعلام النبلاء" (١٩/ ١٣٤ و٥١٥)، و"الصلة" (٢/ ٦٥٣ - ٦٥٤)، و"معجم البلدان" (٥/ ٣٨١). والكِنَاني: بكسر الكاف ثم نون، وقد تحرف في "مكمل إكمال الإكمال" للسنوسي (١/ ٢٢) إِلى (الكتاني)، وفي "إكمال المعلم" (١/ ١٢١) إِلى (الكنَّاني)، فليُصحح فيهما.
(٤) حكى الشيخُ ابنُ الصلاح الروايةَ التي ذكرها القاضي عياضٌ ورَجَّحها، ثم قال: (وهذا تَكَلُّفٌ ليستْ فيه روايةٌ متصلةُ الإِسناد نضطرُّ إِلى قبوله، والله أعلم). "صيانة صحيح مسلم" (ص ١٢٣ - ١٢٤).
(٥) "شرح صحيح مسلم" (٢/ ٨٢ - ٨٣).
[ ١ / ٢٣٠ ]
قَال: فَدَعَا بِقَضَاءِ عَلِيٍّ،
ــ
سألني فحَفَوْتُه؛ أي: مَنَعْتُه، أي: أَمْسِكْ عني بعضَ ما معك ممَّا لا أحتملُه.
وقد يكون الإِحفاءُ أيضًا بمعنى الاستقصاء أو الإِلحاح، ويكون "عنّي" بمعنى "عَلَيَّ" أي: اسْتَقْصِ ما تُحَدِّثني به وانْخُلْه لي، وجواب ابن عباس يَدُلُّ عليه).
قلتُ (١): والظاهرُ: أَن (عَلَيَّ) في هذا الوجه للتعليل وقد صرَّح بذلك في "الإِكمال" (٢).
قال النوويُّ: (وذَكَرَ صاحبُ "مطالع الأنوار" قولَ القاضي، ثم قال: وفي هذا نَظَرٌ، قال: وعندي أنه بمعنى المبالغة في البِرِّ به والنصيحةِ له من قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾) (٣).
واختارَ الشيخُ أبو عَمْرو بن الصلاح رحمه الله تعالى روايةَ الخاء المعجمة (٤)، قال النووي: (وهذا الذي اختاره من الخاء المعجمة هو الصحيحُ، وهو الموجودُ في معظم الأصول الموجودة بهذه البلاد، والله أعلم) (٥).
قال ابنُ الصلاح: (ومعنى" ويُخْفِي عنّي" أي: يَكْتُم عنّي أشياءَ ولا يَكْتُبها إِذا كان عليه فيها مقالٌ من الشِّيَعِ المختلفةِ وأهلِ الفتن؛ فإنه إِذا كَتَبَها .. ظَهَرَتْ، وإِذا ظَهَرَتْ .. خُولِفَ فيها وحَصَلَ فيها قال وقِيلَ مع أنها ليستْ مما يَلْزَمُ بيانُها لابن أبي مُلَيكَة، وإِنْ لَزِمَ .. فهو مُمْكِن بالمُشافَهَةِ دون المكاتبة.
قال ابنُ الصلاح: وقولُه: "وَلَدٌ ناصحٌ" مُشْعِرٌ بما ذكَرْتُه، والله أعلم) (٦).
(قال) ابنُ أبي مُلَيكة: (فَدَعَا) أي: طَلَبَ ابنُ عَبَّاسِ (بقَضَاءَ عَلِيٍّ) أي: بإحضارِ ديوانٍ كُتِبَ فيه قضاءُ عليٍّ ﵁.
_________________
(١) القائل هو الإِمام السنوسي في "مكمل إكمال الإكمال" (١/ ٢٣).
(٢) "إِكمال المعلم" (١/ ١٢٢).
(٣) "شرح صحيح مسلم" (١/ ٨٢ - ٨٣).
(٤) "صيانة صحيح مسلم" (ص ١٢٣).
(٥) "شرح صحيح مسلم" (١/ ٨٣).
(٦) "صيانة صحيح مسلم" (ص ١٢٣).
[ ١ / ٢٣١ ]
فَجَعَلَ يَكْتُبُ مِنْهُ أَشْيَاءَ، وَيَمُرُّ بِهِ الشَّيءُ فَيَقُولُ: وَاللهِ مَا قَضَى بِهَذَا عَلِيٌّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ضَلَّ
ــ
(فـ) ـلمَّا أَحْضَرُوه (.. جَعَلَ) أي: شَرَعَ ابنُ عَبَّاسِ (يَكْتُبُ) أي: يَنْسَخُ وَيَنْقُلُ (منه) أي: من ذلك الديوان الذي جُمعَ فيه قضاءُ عليٍّ ﵁ (أَشياءَ) من الأحاديثِ الصحيحةِ والأَقْضيةِ الحَقَّةِ الصادقةِ (ويَمُرُّ به) أي: يَمُرُّ على ابن عباس في ذلك الديوان (الشَّيءُ) من الأَقْضِيةِ المُفْتَراةِ على عليٍّ ﵁ (فيقولُ: واللهِ) أي: أقسمتُ باللهِ الذي أَنْزَلَ لنا الكتابَ الكريمَ وشَرَعَ لنا الشَرْعَ القَويمَ (ما قَضَى) وحَكَمَ (بهذا) القضاء الذي هو الضلالُ المبينُ والغَيُّ المُسْتَبينُ (عَلِيُّ) بن أبي طالبٍ، وهو فاعلُ قَضَى (إلَّا أنْ يكونَ) عليٌّ ﵁ قد (ضَلَّ) وأخطأَ وخَرَجَ عن الشرع القَويم.
قال النووي: (ومعنى هذا الكلام: ما يَقْضِي بهذا القضاءِ إلا ضَالٌّ، ولا يَقْضِي به عَلِيٌّ إلا أنْ يُعْرَفَ أنه ضَلَّ، وقد عُلِمَ أنه لم يَضِلَّ فيُعلم أنه لم يَقْضِ به، والله أعلم) (١).
وعبارةُ السنوسي: (قولُه: "إلا أنْ يكونَ ضَلَّ" أي: لكنه قد عُلِمَ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ لم يَضِلَّ، فإِذًا عُلِمَ أنه لم يَقْضِ به، ويحتملُ أنْ يكونَ ضَلَّ بمعنى: أَخْطَأ أو نَسِيَ، وهو بعيدٌ؛ إِذْ لم يُؤْلَفْ من عليٍّ ﵁ الخطأُ ولا النسيانُ في مِثْلِ هذا) اهـ (٢).
ورجالُ هذا الأثَرِ -أعني أثَرَ ابنِ عَبَّاسٍ- كُلُّهم مكيّون إلا واحدًا منهم، وهو داودُ بن عَمْرٍو الضَّبِّيُّ؛ فإنه بغداديٌّ، وهذا السند من ثُلاثياته في الأثَر؛ لأنه ليس له
_________________
(١) "شرح صحيح مسلم" (١/ ٨٣).
(٢) "مكمل إكمال الإكمال" (١/ ٢٣)، وقال القاضي عياض: (وقولُه: "ما قَضَى بهذا عَلِيٌّ إلا أن يكونَ ضَلَّ" المعنى: أنه لا يَقضِي به إلَّا ضالٌّ، وعَلِي غيرُ ضالّ، فلا يصِحُّ أن يكون قَضى به، لا أنه حَكَمَ بضلالِه إِنْ صَحَّ أنه قَضَى به، أو يكون الضلالُ هنا بمعنى الخطإ كما قال: ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ أي: المخطئين، وقيل: من الناسين). "إِكمال المعلم" (١/ ١٢٢ - ١٢٣).
[ ١ / ٢٣٢ ]
[٢٣] حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيرٍ، عَنْ طَاوُسٍ
ــ
ثلاثياتٌ في الأحاديثِ المرفوعةِ، بل أَعْلَى ما فيها الرُّباعيات كما مَرَّ.
ثم ذكر المؤلِّفُ رحمه الله تعالى في هذا الأثَرِ المتابعةَ فقال:
[٢٣] (حَدَّثنَا عَمْرُو) بن محمد بن بُكَير بن سابور بمهملة (النَّاقِدُ) بالقاف والدال المهملة، أبو عثمان البغداديُّ نزيلُ الرقَّة، الحافظ.
روى عن هُشَيمٍ وابنِ عُيَينَةَ وحاتمِ بنِ إِسماعيل ومُعْتَمِرٍ وغيرِهم، ويروي عنه (خ م د س) والفِرْيابِيُّ والبَغَويُّ، قال أبو حاتم: ثقة مأمونٌ (١).
وقال في "التقريب": ثقةٌ حافظٌ وَهِمَ في حديث، من العاشرة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائتين.
قال: (حَدَّثَنَا سفيانُ بن عُيَينَةَ) بن ميمون الهلالي أبو محمد الأعور الكوفي، أحدُ الأئمَّة الأعلام، من الطبقة الثامنة، مات سنة ثمانٍ وتسعين ومائة في رجب.
(عن هشامِ بنِ حُجَيرٍ) بمهملة ثم جيم مصغّرًا، المكيِّ.
روى عن طاوسٍ ومالك بن أبي عامر الأصبحي، ويروي عنه (خ م س) وابنُ جُرَيجٍ وابنُ عُيَينَةَ، وَثَّقَه العِجْلِيُّ، وقال أحمدُ: ليس بالقَويّ.
وقال في "التقريب": صدوقٌ له أوهامٌ، من السادسة، وقد تقدَّم البسطُ في ترجمته.
(عن طاوسِ) بن كيسان اليَمَانِيِّ أبي عبد الرحمن الحِمْيَرِيّ.
روى عن أبي هريرة وعائشة وابن عباس، ويروي عنه (ع) ومجاهدٌ والزهْرِيُّ وأبو الزُّبَير وهشامُ بن حُجَيرٍ.
قال في "التقريب": ثقةٌ فقيةٌ، من الثالثة، مات سنة ستٍّ ومائة كما مَرَّ.
_________________
(١) "الجرح والتعديل" (٦/ ٢٦٢) الترجمة (١٤٥١)، وفيه: (ثقة أمين وصدوق).
[ ١ / ٢٣٣ ]
قَال: أُتِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِكِتَابٍ فِيهِ قَضَاءُ عَلِيٍّ ﵁ فَمَحَاهُ إلا قَدْرَ وَأَشَارَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ بِذِرَاعِهِ.
[٢٤] حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ،
ــ
(قال) طاوسٌ: (أُتِيَ ابنُ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما، بالبناء للمجهول، (بكتابٍ) أي: بديوانٍ مجموعٍ (فيه قَضَاءُ عَلِيٍّ ﵁) أي: ما قَضَى عليُّ بن أبي طالبٍ في زمن خلافته (فمَحَاهُ) ابنُ عَبَّاسٍ؛ أي: مَسَحَ ابنُ عَبَّاسٍ وأَزَال ما في الكتاب من الأَقْضِيةِ المُفتراةِ على عليٍّ ﵁ (إلَّا قَدْرَ) منصوبٌ غَيرُ مُنَوَّنٍ؛ لنِيَّةِ المضافِ إِليه؛ أي: مَحَى من ذلك الكتاب إِلَّا قَدْرَ ذراعٍ من اليد، وهو شِبْران تقريبًا، وهو من أطراف الأصابع إِلى المِرْفَق (وأَشارَ سفيانُ بن عُيَينَةَ) أي: ولم يَذْكُرْ سفيانُ المضافَ إِليه المحذوفَ في قوله: (إلا قَدْرَ) ولكنْ أشارَ إِليه (بذِرَاعِهِ) أي: بذراعِ يدِه؛ أي: لم يَذْكُرْه بلسانِه، بل أشارَ إِلى ذراعه حين قال: (إلا قَدْرَ).
وعبارةُ السنوسي هنا: (قولُه: "إلا قَدْرَ" هو منصوبٌ غيرُ مُنَوَّنٍ مضافٌ إِلى محذوفٍ فَسَّرَه سفيانُ بإِشارته إِلى ذِراعِهِ، والمعنى: محاه إلا قَدْرَ ذراعٍ) (١).
قال النوويُّ: (والظاهرُ: أَن هذا الكتابَ كان درجًا مستطيلًا، والله أعلم) اهـ (٢).
وغَرَضُ المؤلِّفِ بسَوْقِ هذا السَّنَدِ: بيانُ متابعة طاوسٍ لابن أبي مُلَيكَة في رواية هذا الأَثَرِ عن ابن عباس، ولكنْ في السند الأول عُلُوٌّ، وفي هذا نُزُولٌ؛ لأنه من رباعياته، ورجالُه فيهم: بغدادي، ثم كوفيٌّ، ثم مكيٌّ، ثم يَمَانِيٌّ.
ثم استشهد المؤلِّفُ رحمه الله تعالى لأَثَرِ ابنِ عَبَّاسٍ بأَثَرِ أبي إِسحاق السَّبِيعيِّ فقال: [٢٤] (حَدَّثنَا حَسَنُ بن عَلِيِّ) بن محمد الهُذلي نسبة إِلى هُذيل بن مُدْرِكة، أبو عليّ الخَلَّالُ (الحُلْوَانِيُّ) بضمِّ الحاء المهملة وسكون اللام، الريحانيُّ المكيُّ الحافظُ.
روى عن عبد الصمد وعبد الرزّاق ووَكِيع وأبي معاوية وخَلْق، ويروي عنه (خ م د ت ق) ومحمد بن إِسحاق السرّاج.
_________________
(١) "مكمل إكمال الإكمال" (١/ ٢٣).
(٢) "شرح صحيح مسلم" (١/ ٨٣).
[ ١ / ٢٣٤ ]
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي إسْحَاقَ
ــ
قال في "التقريب": ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، من الحادية عشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومائتين.
قال: (حَدَّثَنَا يحيى بن آدمَ) بنِ سُلَيمان الأموي مولاهم، أبو زكريا الكوفي، أحدُ الأئمَّة الأعلام.
روى عن فِطْر بن خليفة ومالك بن مِغْوَلٍ وعيسى بن طَهْمان وإِسرائيل وطائفةٍ، ويروي عنه (ع) وأحمدُ وإِسحاقُ وعليُّ بن المَدِيني ويحيى بن مَعِينٍ وخَلْقٌ.
قال في "التقريب": ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ، من كبار التاسعة، مات سنة ثلاث ومائتين.
قال: (حَدَّثنَا) عبدُ اللهِ (بن إدريسَ) بن يَزِيد بن عبد الرحمن الأَوْدِيُّ -بسكون الواو- أبو محمد الكوفيُّ، أحد الأئمَّة الأعلام.
روى عن أبيه وعَمِّه داودَ وسُهَيلِ بنِ أبي صالحٍ وخَلْقٍ، ويروي عنه (ع) وأحمدُ وإِسحاقُ وابنُ مَعِينٍ وعبدُ اللهِ بن أبي شَيبَةَ وخَلْقٌ، قال ابنُ مَعِين: ثقة في كُلِّ شيء.
وقال في "التقريب": ثقةٌ فقيةٌ عابدٌ، من الثامنة، وقال أبو حاتم: ثقةٌ حُجَّةٌ إِمامٌ من أئمَّة المسلمين.
ومن كلامِه: عَجِبْتُ ممَّنْ يَنْقَطِعُ إِلى رجلٍ ويَدَع أنْ يَنْقَطِعَ إِلى مَنْ له السماواتُ والأرضُ.
مات سنة اثنتين وتسعين ومائة وله بِضْع وسبعون سنة (١).
(عن) سُلَيمانَ بنِ مِهْران أبي مُحَمَّدٍ التابعيِّ (الأعمشِ) الكوفيِّ، تقدَّم البسطُ في ترجمته في مبحث أقسام الرواة فراجعْها إنْ شئتَ.
(عن أبي اسحاقَ) السَّبِيعيِّ عَمْرِو بنِ عبد الله التابعيِّ الكوفيِّ، تقدّمتْ ترجمتُه أيضًا آنفًا.
_________________
(١) وقال الإمام النوويُّ في ترجمته: (المُتَّفق على إِمامته وجلالته وإتقانه وفضيلته ووَرَعه وعبادته، رُوينا عنه أنه قال لبنتهِ حين بَكَتْ عند حضور موته: لا تبكي؛ فقد خَتَمْتُ القرآنَ في هذا البيت أربعة آلاف ختمة. قال أحمد بن حنبل: كان ابنُ إِدريس نسيجَ وَحْدِه. "شرح مسلم" (١/ ٧٩).
[ ١ / ٢٣٥ ]
قَال: لَمَّا أَحْدَثُوا تِلْكَ الأَشْيَاءَ بَعْدَ عَلِيٍّ ﵁ .. قَال رَجُل مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ: قَاتَلَهُمُ اللهُ، أَيَّ عِلْمٍ أَفْسَدُوا؟ !
ــ
وهذا السَّنَدُ من خُماسياته، ومن لطائفه: أَن فيه روايةَ تابعيٍّ عن تابعيٍّ، وهما: الأعمشُ وأبو إِسحاق، وأَن رجاله كُلَّهم كوفيون إلَّا الحُلْوانيَّ فإِنه مكيٌّ، وغَرَضُه بسَوْقِ هذا الأثرِ: الاستشهادُ لأَثَرِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما كما مَرَّ آنفًا.
(قال) أبو إِسحاق: (لمَّا أَحْدَثُوا) أي: لمَّا أَحْدَثَت الروافِضُ والشِّيعةُ واخْتَلَقوا مِن عندِ أنفسهم (تلك الأشياءَ) المُفْتَرَاةَ على على ﵁ من الأحاديثِ الموضوعةِ والأَقْضيةِ الباطلةِ والأقاويلِ الزائغةِ (بَعْدَ) وفاةِ (عَلِي) بنِ أبي طالب (﵁ .. قال رجل من أصحابِ عَلِيٍّ) أي: ممَّنْ صَاحَبَ عليًّا في حياتهِ ولازَمَهُ وعَرَفَ اقْضِيَتَه الحَقَّةَ وأحاديثَه الصحيحةَ، ولم أَرَ مَنْ عَيَّنَ ذلك الرجلَ، والله أعلم: (قَاتَلَهُمُ اللهُ) تعالى؛ أي: لَعَنَ اللهُ ﷾ الروافضَ والشِّيعةَ، وبَاعَدَهُمْ عن رحمتهِ؛ جزاءً لهم على ما فعلوه من إِفسادِ أَقْضيةِ عليٍّ وأحاديثهِ بما خَلَطُوه فيها من الأَقْضيةِ المُفْتراةِ عليه والأحاديثِ الموضوعةِ المنسوبةِ إليه، فإنهم (أَيَّ عِلْمٍ) أَي: كاملَ عِلْمٍ وقضاءً صحيحًا (أَفْسَدُوا) بما خَلَطُوا به من الأَقاويلِ المُخْتَلَقَةِ والرواياتِ الموضوعةِ.
و(أيَّ) هنا وصفيَّةٌ تَدُلُّ على الكمال، أُضِيفَتْ إِلى موصوفها؛ أي: علما كاملًا صادقًا صحيحًا حقًّا أفسدوه بما خَلَطُوا به من الأباطيلِ المفتراةِ على عليٍّ ﵁.
قال النوويُّ: (فأشارَ بقوله: "أَي عِلْمٍ أَفْسَدُوا" إِلى ما أَدْخَلَتْهُ الروافضُ والشيعةُ في عِلْمِ عليٍّ ﵁ وحديثهِ، وتَقَوَّلوه عليه من الأباطيل، وأضافوه إِليه من الرواياتِ والأقاويلِ المفتعلة والمُخْتَلَقة، وخَلَطُوه بالحق فلم يَتَمَيَّزْ ما هو صحيحٌ عنه ممَّا اخْتَلَقُوه.
قولُه: "قَاتَلَهُمُ اللهُ" قال القاضي عِيَاضٌ: معناه: لَعَنَهُم اللهُ، وقيل: بَاعَدَهُم، وقيل: قَاتَلَهُم، قال: وهؤلاء اسْتَوْجَبُوا عنده ذلك لشَنَاعَةِ ما أَتَوْه، كما فَعَلَه كثيرٌ منهم وتَخَطَّوْا إِلى الكُفْرِ بقولهم، وإِلا .. فَلَعْنَةُ المسلمِ غيرُ جائزةٍ" اهـ (١)،
_________________
(١) "شرح صحيح مسلم" (١/ ٨٣)، وبعضه من كلام القاضي عياض في "إِكمال المعلم" (١/ ١٢٢)، =
[ ١ / ٢٣٦ ]
[٢٥] حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا أبُو بَكْرٍ -يَعْنِي ابْنَ عَيَّاشٍ-
ــ
ثم استشهد المؤلِّفُ رحمه الله تعالى ثانيًا لأَثَرِ ابن عَبَّاسٍ بأَثَرِ المغيرة بنِ مِقْسَمٍ فقال:
[٢٥] (حَدَّثنَا عَلِيُّ بن خَشْرَمٍ) -بمعجمتين الثانية ساكنة والأُولى مفتوحة بزِنَة جَعْفَرٍ- ابن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال المَرْوَزيُّ أبو الحَسَن الحافظ، وهو ابنُ أُخْت بِشْر بن الحارث الحافي (١) رحمهما الله تعالى.
روى عن الفَضْلِ بنِ موسى وابنِ عُيَينة وهُشَيمٍ وأبي بكرِ بنِ عَيَّاشٍ وغيرِهم، ويروي عنه (م ت س) وابنُ خُزَيمة ومحمدُ بن يوسف الفِرَبْرِيُّ وأُمَمٌ.
قال في "التقريب": ثقةٌ، من صغار العاشرة، مات سنة سبعٍ وخمسين ومائتين.
قال: (أخبرنا أبو بكرٍ -يعني ابنَ عَيَّاشٍ-) أي: يَعْنِي ويَقْصِدُ شيخي عَلِيُّ بن خَشْرمٍ بأبي بكرِ حين قال لنا: (أخبرنا أبو بكر): أبا بكرِ المنسوبَ إِلى عَيَّاش بن سالمَ، وأَتى بالعناية؛ إِشارةً إِلى أَنَّ هذه النِّسْبَةَ لم يَسْمَعْها من شَيخِه عليِّ بنِ خَشْرَمٍ، بل هي مما زادَ مِنْ عند نفسه؛ إِيضاحًا للراوي وَتَوَرُّعًا من الكذب على شيخه بنِسْبةِ ما لم يَقُلْه إِليه؛ لأنه لو أَسْقَطَ العنايةَ وقال: (أخبرنا أبو بكرِ بن عَيَّاش) .. لأَوْهَمَ أنها ممَّا سَمِعَه من شيخه مع أَن الأمرَ ليس كذلك.
وفائدةُ العنايةِ ثلاثةٌ: الإِشارةُ إِلى أَنَّ هذه النِّسبة ليستْ من كلام شيخه، وإِيضاحُ الراوي، والتورُّعُ من الكذب على شيخه، وهكذا يقال فيما إِذا فَصَلَ بـ (هُوَ).
واختُلف في اسم أبي بكر بن عَيَّاشٍ، فقيل: اسمهُ مُحَمَّدُ بن عَيَّاش بن سالم الكوفيُّ الأَسَدِيُّ مولاهم، الحَنَّاط -بمهملة- المُقْرئ، أحدُ الأئمَّة الأعلام، وقيل: عبد الله بن عَيَّاش، وقيل: سالم، وقيل: شُعْبة، وقيل: رُؤْبة، وقيل: مسلم، وقيل: خِداش، وقيل: مُطَرِّف، وقيل: حَمَّاد، وقيل: حَبيب، والصحيحُ ما قاله المُحَقِّقون: إِنَّ اسمَه كنيتُه، لا اسمَ له غيرها.
_________________
(١) = وانظر "مكمل إكمال الإكمال" (١/ ٢٣)، ومنه زيادة: (وتَخطَّوا إلى الكفر بقولهم) على نقل الإمام النووي عن القاضي عياض.
(٢) في "تهذيب الكمال" (٢٠/ ٤٢١): (ابن عم بِشْر الحافي، وقيل: ابن أخته).
[ ١ / ٢٣٧ ]
قَال: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ يَقُولُ: لَمْ يَكُنْ يَصْدُقُ
ــ
قال النوويُّ: (ورُوِّينا عن ابنهِ إِبراهيمَ قال: قال لي أبي: إِنَّ أباكَ لم يَأتِ فاحشةً قَطٌّ، وإِنه يختم القرآنَ منذ ثلاثين سنة كُل يوم مَرَّةً.
ورُوِّينا عنه أنه قال لابنه: يا بُنَيَّ؛ إِيَّاك أنْ تَعْصِيَ اللهَ تعالى في هذه الغُرْفة؛ فإِني خَتَمْتُ فيها اثني عَشَرَ ألفَ ختمة.
ورُوِّينا عنه أنه قال لِبنْتِهِ عند موته وقد بَكَتْ: يا بُنَيَّةُ لا تَبْكِي، أتخافين أن يُعَذِّبَني اللهُ تعالى وقد خَتَمْتُ في هذه الزاوية أربعةً وعشرينَ ألفَ ختمة؟ !) اهـ (١).
روى أبو بكرِ بن عَيَّاشٍ عن حُصَين بن عبد الرحمن وأبي حَصِين عثمان بن عاصم وأبي إِسحاق السَّبيعي وغيرهم، ويروي عنه (خ من دت س ق) والثَّوْرِيُّ وابنُ المبارك ويحيى بن آدمَ وأحمدُ -وقال: ثقةٌ ربما غَلِط- وخَلْقٌ.
وقال في "التقريب": ثقةٌ عابدٌ إلا أنه لمَّا كَبِرَ .. ساءَ حِفْظُه، وكتابُه صحيحٌ، من السادسة، مات سنة أربعٍ وتسعين ومائة وقد قارب المئةَ.
(قال: سمعتُ المغيرةَ) بنَ مِقْسم -بكسر الميم وسكون القاف- الضَّبِّيَّ مولاهم، أبا هشامِ الكوفيَّ الفقيهَ الأعمى.
روى عن إِبراهيمَ النَّخَعِيِّ والشَّعْبِيِّ ومُجاهدٍ وسِمَاكِ بنِ حَرْبٍ وغيرِهم، ويروي عنه (ع) وشُعْبَةُ والثَّوْرِيُّ وزائدةُ وغيرُهم، وَثَّقَه العِجْلِيُّ وابنُ مَعِين.
وقال في "التقريب": ثقةٌ مُتْقِنٌ إلا أنه كان يُدَلِّسُ ولاسِيَّما عن إِبراهيم، من السادسة، مات سنة ستٍّ وثلاثين ومائة على الصحيح.
وغَرَضُ المؤلِّفِ بسَوْقِ هذا الأَثَرِ: الاستشهادُ لأَثَرِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄، وهذا السَّنَدُ من ثُلاثياته في الأثر، ورجالُه مَرْوَزِيٌّ وكوفيان.
أي: سمعتُ المغيرةَ حالةَ كَوْنِه (يقولُ: لم يَكُنْ يَصْدُقُ) أي: لم يَقُلْ أَحَدٌ
_________________
(١) "شرح صحيح مسلم" (١/ ٧٩)، وقال الإمام النووي عقب هذه الأخبار: (ولا ينبغي لِمُطَالعِه أن يُنْكِرَ هذه الأحرفَ في أحوالِ هؤلاء الذين تُستنزل الرحمة بِذِكْرِهم مستطيلًا لها، فذلك من علامة عدم فلاحِه إِنْ دام عليه، واللهُ يوفقنا لطاعتهِ بفضله ومِنَّتِهِ).
[ ١ / ٢٣٨ ]
على عَلِيٍّ ﵁ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ إلا مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ
ــ
(عَلَى عَلِيٍّ ﵁) بن أبي طالب (في) روايةِ (الحديثِ) ونَقْلِه (عنه) أي: عن علي كلامًا صادقًا (إلَّا) شخصًا كان (من أصحاب عبد اللهِ بنِ مسعودٍ) ﵁ وملازميه وحَمَلَةِ حديثهِ؛ فإنهم يَرْوُون عن عليِّ بن أبي طالبٍ حديثًا صحيحًا، وغيرُهم يَكْذِبونَ عليه.
قال النوويُّ: (وقولهُ: لا يَصْدُقُ" ضُبِطَ على وجهين:
أحدهما: بفتحِ الياءِ وإِسكانِ الصاد وضَمِّ الدال.
والثاني: بضمِّ الياء وفتحِ الصادِ والدالِ المُشَدَّدة «١).
وقولُه: (إلا مِنْ أصحابِ عبد الله) ضَبَطُوا (مِنْ) على وجهين:
أحدهما: أنها لبيان الجنس الذي هو الفاعلُ المحذوفُ.
والثاني: أنها زائدةٌ في الفاعل.
والمعنى على الأول: لم يَصْدُقْ أحَدٌ على عليٍّ إلا مَنْ كان مِنْ أصحابِ عبد الله، وعلى الثاني: لم يَصْدُقْ على علي إلا أصحابُ عبد الله (٢).
قال النوويُّ: (وخلاصةُ فِقْهِ هذه الآثار: أنه لا يُقْبَلُ روايةُ المجهول، وأنه يَجِبُ الاحتياطُ في نَقْلِ الحديثِ وأَخْذِه عمَّنْ رواه، فلا يُقْبَلُ إلَّا مِنْ أهلِه، وأنه لا ينبغي أنْ يُرْوَى عن الضعفاء) (٣)، وأنه يَجِبُ على الراوي أن يُنقي الحديثَ الصحيحَ من الضعيف، إِذا رواه من الكتابِ المختلطةِ أحاديثُه على مَنْ عَرَفَ التمييزَ بينها وصَلُحَ له.
***
_________________
(١) "شرح صحيح مسلم" (١/ ٨٣ - ٨٤).
(٢) انظر "شرح صحيح مسلم" (١/ ٨٣).
(٣) "شرح صحيح مسلم" (١/ ٨٤).
[ ١ / ٢٣٩ ]