_________________
(١) عليه وسلم لأزواجه: "أسرعكن لحوقًا بي أطولكن يدًا" قالت عائشة: فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول الله ﷺ نمد أيدينا في الجدار نتطاول فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ وكانت امرأة قصيرة ولم تكن أطولنا فعرفنا حينئذٍ أن النبي ﷺ إنما أراد بطول اليد الصدقة، قال: وكانت زينب امرأة صناعة اليد فكانت تدبغ وتخرز وتصدّق في سبيل الله ﷿. وذكر الحاكم أن هذا الحديث صحيح على شرط مسلم وأقره عليه الذهبي. قال القرطبي: وقوله ﷺ: (أسرعكن لحاقًا بي أطولكن يدًا) هذا خطاب منه لزوجاته خاصة. ألا ترى أنه قال لفاطمة رضي الله تعالى عنه: "أنت أول أهل بيتي لحوقًا بي" وكانت زينب أول أزواجه وفاة بعده وفاطمة أول أهل بيته وفاة ولم يرد باللحاق به الموت فقط بل الموت والكون معه في الجنة والكرامة، وتطاول أزواجه بأيديهن مقايسة أيديهن بعضها ببعض لأنهن حملن الطول على أصله وحقيقته ولم يكن مقصود النبي ﷺ ذلك وإنما كان مقصوده طول اليد بإعطاء الصدقات وفعل المعروف وبين ذلك أنه لما كانت زينب أكثر أزواجه فعلًا بالمعروف والصدقات كانت أولهن موتًا فظهر صدقه وصح قوله ﷺ اهـ من المفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٦/ ١٢١]، والبخاري في الزكاة باب فضل صدقة الشحيح الصحيح [١٤٢٠]، والنسائي في الزكاة باب فضل الصدقة [٢٥٤١]. أم أيمن وأما أم أيمن فهي مولاة النبي ﷺ وحاضنته كانت جارية لعبد الله بن عبد المطلب والد النبي ﷺ ثم كانت لآمنة أم رسول الله ﷺ بعد موت أبيه وكانت من الحبشة فلما ولدت رسول الله ﷺ بعدما توفي أبوه كانت أم أيمن تحضنه حتى كبر ثم بعد موت آمنة صارت له بالميراث فلما تزوج خديجة زوَّجها زيدَ بن حارثة فولدت له أسامة وشهدت أم أيمن بدرًا وكانت تسقي العطشى وتداوي الجرحى، واسمها بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصين بن مالك بن
[ ٢٣ / ٦١٥ ]
٦١٦٢ - (٢٤٣٥) (١٨٩) حدَّثنا أَبُو كُرَيبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ سُلَيمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَال: انْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى أُمِّ أَيمَنَ. فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ. فَنَاوَلَتْهُ إِنَاءً فِيهِ شَرَابٌ. قَال: فَلَا أَدْرِي أَصَادَفَتْهُ
_________________
(١) سلمة بن عمرو بن النعمان كُنيت بابنها أيمن بن عبيد الحبشي وتزوجت بعد عبيد زيد بن حارثة كما ذكرنا آنفًا وكان ﷺ يقول: "أم أيمن أمي بعد أمي" ذكره ابن الأثير في الاستيعاب [٧/ ٣٠٣] وكان ﷺ يكرمها ويبرها مبرة الأم ويكثر زيارتها، وكان ﷺ عندها كالولد ولذلك كانت تصخب عليه أي ترفع صوتها عليه وتذمر أي تغضب وتضجر فعل الوالدة بولدها، قال ابن الأثير: تذمر الرجل إذا تغضب وتكلم أثناء ذلك، وقال غيره: تذمر الرجل إذا لام نفسه وزيارة النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ لها دليل على فضلها ومعرفتهم حقها، وفيه دليل على زيارة النساء في جماعة اهـ من المفهم. ومن غريب ما يُروى عنها ما أخرجه ابن سعد أنها لما هاجرت أمست بالنصر ودون الروحاء فعطشت وليس معها ماء وهي صائمة فأجهدها العطش فدُلي عليها من السماء دلو من ماء برشاء أبيض فأخذته فشربته حتى رويت فكانت تقول: ما أصابني بعد ذلك عطش ولقد تعرضت بالصوم في الهواجر فما عطشت وأخرجه ابن السكن بنحوه اهـ من الإصابة [٤/ ٤١٥]. واستدل المؤلف رحمه الله تعالى على فضل أم أيمن بحديث أنس بن مالك ﵄ فقال:
(٢) (٢٤٣٥) (١٨٩) (حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء) الهمداني الكوفي (حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي (عن سليمان بن المنيرة) القيسي مولاهم أبو سعيد البصري، ثقة، من (٧) ويروي عنه في (٩) أبواب (عن ثابت) بن أسلم البناني (عن أنس) ﵁. وهذا السند من خماسياته (قال) أنس: (انطلق رسول الله ﷺ) أي ذهب (إلى أم أيمن) لزيارتها (فانطلقت معه) ﷺ إلى بيتها (فناولته) أي فأعطت أم أيمن النبي ﷺ (إناء فيه شراب، قال) أنس: (فلا أدري) ولا أعلم (أصادفته) أي هل وافقته ﷺ
[ ٢٣ / ٦١٦ ]
صَائِمًا أَوْ لَمْ يُرِدْهُ. فَجَعَلَتْ تَصْخَبُ عَلَيهِ وَتَذَمَّرُ عَلَيهِ.
٦١٦٣ - (٢٤٣٦) (١٩٠) حدَّثنا زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ الْكِلابِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ قَال: قَال أَبُو بَكرٍ ﵁، بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، لِعُمَرَ: انْطَلِق بِنَا إِلَى أُمِّ أَيمَنَ نَزُورُهَا. كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَزُورُهَا. فَلَمَّا انْتَهَينَا إِلَيهَا
_________________
(١) في وقت إعطاء الشراب له، حالة كونه (صائمًا أو لم يرده) أي أو لم يرض النبي ﷺ ذلك الشراب ولم يوافق طبيعته يعني أن النبي ﷺ امتنع من الشرب ولا أدري هل امتنع بسبب صومه أو كان لا يشتهي ذلك الشراب وقتئذٍ (فجعلت) أي شرعت أم أيمن (تصخب) بفتح التاء وسكون الصاد وفتح الخاء المعجمة من باب ذهب أي تصيح وترفع صوتها (عليه) إنكارًا لإمساكه عن شرب الشراب (وتذمّر) أي تتكلم كلام الغضب (عليه) ﷺ هو بفتح التاء وسكون الذال المعجمة وضم الميم من باب نصر ويقال: تذمر بفتح التاء والذال والميم مع تشديد الميم بحذف إحدى التاءين أصله تتذمر من باب تفعل الخماسي أي تتكلم بكلام الغضب عليه مع رفع صوتها لامتناعه من الشراب، وكانت أم أيمن من جهة كونها حاضنة له ﷺ ربما تدل وتغضب عليه، وكان رسول الله ﷺ يجلها ويُحسن إليها فكان هذا الغضب دلالًا برسول الله ﷺ وهو معفو عنه. وهذا الحديث انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى عن أصحاب الأمهات. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أنس الأول بحديث آخر له ﵁ فقال:
(٢) (٢٤٣٦) (١٩٠) (حدثنا زهير بن حرب أخبرني عمرو بن عاصم) بن عبيد الله بن الوازع (الكلابي) أبو عثمان القيسي -بقاف- البصري، صدوق، من (٩) روى عنه في (٤) أبواب (حدثنا سليمان بن المغيرة) القيسي (عن ثابت عن أنس) بن مالك ﵁. وهذا السند من خماسياته (قال) أنس: (قال أبو بكر) الصديق (﵁ بعد وفاة رسول الله ﷺ لعمر) بن الخطاب ﵁ (انطلق) واذهب (بنا) يا عمر (إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها) في حياته، قال أنس: (فلما انتهينا) ووصلنا (إلى) بيتـ (ـها) ودخلنا عليها
[ ٢٣ / ٦١٧ ]
بَكَتْ. فَقَالا لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ مَا عِنْدَ اللهِ خَيرٌ لِرَسُولِهِ ﷺ. فَقَالتْ: مَا أَبْكِي أَنْ لَا أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللهِ خَيرٌ لِرَسُولِهِ ﷺ. وَلكِنْ أَبْكِي أَنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ. فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ. فَجَعَلا يَبْكِيَانِ مَعَهَا.