_________________
(١) (٢٢) والباب العاشر منها باب فضائل فاطمة بنت رسول الله ﷺ سيدة نساء العالمين رضي الله تعالى عنها وأرضاها لطيب منبتها وشرفه، وقد اختلف في أصغر بنات رسول الله ﷺ قال أبو عمرو: والذي تسكن النفس إليه أن زينب هي الأولى ثم رقية ثم أم كلثوم ثم فاطمة ولدت لرسول الله ﷺ سنة إحدى وأربعين من مولده ﷺ وتزوجها علي ﵄ بعد وقعة أحد، وقيل بعد أن ابتنى النبي ﷺ بعائشة رضي الله تعالى عنها بأربعة أشهر ونصف شهر وبنى بها علي بعد تزوجها بستة أشهر ونصف وكان سنها يوم تزوجها علي ﵄ خمس عشرة سنة وخمسة أشهر ونصفًا وسن علي يومئذٍ إحدى وعشرون سنة وستة أشهر، وولدت الحسن والحسين وأم كلثوم وزينب وتوفيت بعد وفاة رسول الله ﷺ بيسير، قيل بثمانية أشهر، وقيل بستة أشهر، وقيل بثلاثة أشهر، وقيل بسبعين يومًا، وقيل بمائة يوم، وهي أحب بنات رسول الله ﷺ إليه وأكرمهن عنده وشدة نساء أهل الجنة على ما تقدم في باب خديجة، وكان رسول الله ﷺ إذا قدم من سفر يبدأ بالمسجد فيصلي فيه ثم يبدأ ببيت فاطمة فيسأل عنها ثم يدور على سائر نسائه إكرامًا لها واعتناءً بها وهي أول من ستر نعشها في الإسلام وذلك أنها لما احتضرت قالت لأسماء بنت عميس: إني قد استقبحت ما يفعل بالنساء إنه يطرح على المرأة الثوب يصفها، فقالت أسماء: يا ابنة رسول الله ﷺ ألا أريك شيئًا رأيته في الحبشة فدعت بجرائد رطبة فحنتها ثم طرحت عليها ثوبًا فقالت فاطمة: ما أحسن هذا وأجمله تعرف به المرأة من الرجل فإذا أنا مت فاغسليني أنت وعلي ولا تدخلي أحدًا، فلما توفيت جاءت عائشة لتدخل فقالت أسماء: لا تدخلي، فشكت إلى أبي بكر فقالت: إن هذه الخثعمية (الحبشية) تحول بيننا وبين بنت رسول الله ﷺ وقد جعلت لها مثل هودج العروس فجاء أبو بكر فوقف على الباب فقال: يا أسماء ما حملك على أن منعت أزواج النبي ﷺ يدخلن علي بنت رسول الله ﷺ وجعلت لها مثل هودج العروس، فقالت: أمرتني أن لا يدخل عليها أحد وأريتها هذا الذي صنعت فأمرتني أن أصنع ذلك بها، قال أبو بكر ﵁: اصنعي
[ ٢٣ / ٥٩١ ]
٦٢٥٧ - (٩٣) حدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ وَقُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. كِلاهُمَا عَنِ اللَّيثِ بْنِ سَعْدٍ. قَال ابْنُ يُونُسَ: حَدَّثَنَا لَيثٌ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيكَةَ الْقُرَشِيُّ التَّيمِيُّ؛ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَقُولُ: "إِنَّ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُونِي أَنْ يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ، عَلِيَّ بن أَبِي طَالِبٍ. فَلَا آذَنُ لَهُمْ
_________________
(١) ما أمرتك، ثم انصرف وغسلها علي، وأشارت أن يدفنها ليلًا، وصلى عليها العباس، ونزل في قبرها هو وعلي والفضل، وتوفيت وهي بنت ثلاثين سنة، وقيل: بنت خمس وثلاثين سنة اهـ من المفهم. ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الترجمة بحديث المسور بن مخرمة ﵁ فقال:
(٢) (٢٤٣١) (١٨٥) (حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس) التميمي الكوفي، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٦) أبواب (وقتيبة بن سعيد كلاهما عن الليث بن سعد) بن عبد الرحمن الفهمي المصري (قال) أحمد (بن يونس: حدثنا ليث حدثنا عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة) زهير بن عبد الله بن جدعان (القرشي التيمي) المكي، ثقة، من (٣) روى عنه في (٢٠) بابا (أن المسور بن مخرمة) بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة الزهري أبا عبد الرحمن المكي ﵄، روى عنه في (٦) أبواب (حدثه) أي حدّث لابن أبي مليكة (أنه) أي أن المسور (سمع رسول الله ﷺ) خطيبًا (على المنبر) هذا السند من رباعياته (وهو) أي والحال أنه ﷺ (يقول) في خطبته: (أن بني هشام بن المغيرة) وهشام بن المغيرة جد مخطوبة علي التي هي بنت أبي جهل لأن أبا جهل اسمه عمرو بن هشام بن المغيرة ووالد أبي جهل وبنوه أعمام المخطوبة (أستأذنوني) أي طلبوا مني الإذن لهم في (أن ينكحوا) ويزوجوا (ابنتهم) التي هي ابنة أبي جهل لي (علي بن أبي طالب فـ) والله الذي لا إله إلا غيره (لا أن لهم) أي يزوجوه (ثم لا أن لهم ثم آذن لهم) قال الحافظ: كرر ذلك تأكيدًا، وفيه إشارة إلى تأبيد مدة منع الإذن كأنه أراد رفع المجاز لاحتمال أن يحمل النفي على مدة بعينها، فقال: ثم لا آذن، أي ولو مضت المدة المفروضة تقديرًا بعدها ثم كذلك أبدًا اهـ وقال القرطبي: كرره تأكيدًا لمنع الجمع بين فاطمة وبين ابنة أبي جهل لما خاف النبي صلى
[ ٢٣ / ٥٩٢ ]
ثُمَّ لَا آذَنُ لَهُمْ. ثُمَّ لَا آذَنُ لَهُمْ. إلا أَنْ يُحِبَّ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ. فَإنَّمَا ابْنَتِي بَضْعَةٌ مِنِّي. يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا. وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا
_________________
(١) الله عليه وسلم على فاطمة من الفتنة من أجل الغيرة ولما توقع من مناكدة هذه الضرة لأن عداوة الآباء قد تؤثر في الأبناء اهـ من المفهم. قوله: (أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب) هكذا وقع في رواية ابن أبي مليكة أن سبب الخطبة استئذان بني هشام بن المغيرة، ووقع عند الحاكم من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي حنظلة أن عليًّا خطب بنت أبي جهل فقال له أهلها: لا نزوجك على فاطمة، فكان ذلك سبب استئذانهم، ووقع في رواية عبيد الله بن أبي زياد عند ابن حبان في صحيحه أن عليًّا خطب بنت أبي جهل على فاطمة فبلغ ذلك فاطمة فقالت لرسول الله ﷺ: إن الناس يزعمون أنك لا تغضب لبناتك وهذا علي ناكح بنت أبي جهل، وجاء أيضًا أن عليًّا ﵁ استأذن بنفسه فأخرج الحاكم بإسناد صحيح إلى سويد بن غفلة وهو أحد المخضرمين قال: خطب علي بنت أبي جهل إلى عمها الحارث بن هشام فاستشار النبي ﷺ فقال: "أعن حسبها تسألني" فقال: لا ولكن أتأمرني بها؟ قال: "لا، فاطمة مضغة مني ولا أحسب إلا أنها تحزن أو تجزع" فقال علي: لا آتي شيئًا أنت تكرهه. (إلا أن يحب ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم) أي ابنة بني هشام (فإنما ابنتي بضعة مني) بفتح الباء لا غير وسكون الضاد أي قطعة مني فالبضعة القطعة من اللحم وتُجمع على بضاع كقصعة وقصاع مأخوذة من البضع وهو القطع، وقد وقع في رواية علي بن حسين الآتية قريبًا مضغة مني والمضغة قطعة من اللحم قدر ما يمضغها الماضغ يعني بذلك أنها كالجزء منه يؤلمه ما آلمها (يريبني) بفتح الياء من راب الثلاثي من باب باع، ووقع في رواية البخاري (يريبني ما أرابها) بضم الياء من أراب الرباعي، قال الفراء: كلاهما بمعنى واحد، وقال إبراهيم الحربي: الريب ما رابك وشوشك من كل شيء خفت عقباه أي يشوشني (ما رابها) أي ما شوشها (ويوذيني) أي يؤلمني ويتعبني ويشق عليّ (ما آذاها) أي ما آلمها وشق عليها، وذكر الحافظ في الفتح أن فاطمة رضي الله تعالى عنها كانت أُصيبت بموت أمها ثم بأخواتها واحدة بعد واحدة فلم يبق لها من تستأنس به ممن يخفف عليها الأمر ممن تُفضي إليه سرها إذا حصلت لها الغيرة اهـ.
[ ٢٣ / ٥٩٣ ]
٦١٥٣ - (٠٠) (٠٠) حدّثني أَبُو مَعْمَرٍ، إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبرَاهِيمَ الْهُذَلِيُّ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيكَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ: "إِنَّمَا فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي. يُؤْذِينِي مَا آذَاهَا".
٦١٥٤ - (٠٠) (٠٠) حدّثني أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ. حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ
_________________
(١) وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٤/ ٣٢٨]، والبخاري في مواضع منها في مناقب فاطمة [٣٧٦٧]، وأبو داود في النكاح باب ما يكره أن يجمع بينهن من النساء [٢٠٦٩ إلى ٢٠٧١]، والترمذي في المناقب باب مناقب فاطمة رضي الله تعالى عنها [٣٨٦٦]، وابن ماجه [١٩٩٨]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث المسور بن مخرمة ﵄ فقال:
(٢) (٠٠) (٠٠) (حدثني أبو معمر إسماعيل بن إبراهيم) بن معمر (الهذلي) أبو معمر البغدادي القطيعي -بفتح فكسر نسبة إلى قطيعة الدقيق محلة ببغداد- ثقة، من (١٠) روى عنه في (٣) أبواب (حدثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) بن دينار (عن) عبد الله (بن أبي مليكة عن المسور بن مخرمة) ﵄. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة عمرو بن دينار لليث بن سعد (قال) المسور: (قال رسول الله ﷺ: إنما فاطمة بضعة) أي قطعة (مني يؤذيني) أي يؤلمني ويحزنني (ما آذاها) أي ما يؤلمها ويحزنها ويشوشها. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث المسور بن مخرمة ﵄ فقال:
(٣) (٠٠) (٠٠) (حدثني أحمد) بن محمد (بن حنبل) الشيباني المروزي، ثقة إمام حجة، من (١٠) (أخبرنا يعقوب بن إبراهيم) بن سعد الزهري المدني، ثقة، من (٩). (حدثنا أبي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة، من (٨) (عن الوليد بن كثير) القرشي المخزومي مولاهم أبي محمد المدني، صدوق، من (٦) روى عنه في (٩) أبواب (حدثني محمد بن عمرو بن حلحلة) بمهملتين مفتوحتين
[ ٢٣ / ٥٩٤ ]
الدُّؤَلِيُّ؛ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَينِ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُمْ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ، مِنْ عِنْدِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوَيةَ، مَقْتَلَ الْحُسَينِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄، لَقِيَهُ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ. فَقَال لَهُ: هَلْ لَكَ إِلَيَّ مِنْ حَاجَةٍ تَأْمُرُنِي بِهَا؟ قَال: فَقُلْتُ لَهُ: لَا. قَال لَهُ: هَلْ أَنْتَ مُعْطِيَّ سَيفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ فَإِني أَخَافُ أَنْ يَغْلِبَكَ الْقَوْمُ عَلَيهِ. وَايمُ اللهِ، لَئِنْ اعْطَيتَنِيهِ لَا يُخلَصُ إِلَيهِ أَبَدًا، حَتى تَبْلُغَ نَفْسِي
_________________
(١) بينهما لام ساكنة (الدؤلي) بضم الدال وفتح الهمزة، ويقال فيه الديلي بكسر الدال وسكون الياء المدني، ثقة، من (٦) روى عنه في (٣) أبواب (أن ابن شهاب حدّثه) أي حدّث لمحمد بن عمرو (أن) زين العابدين (علي بن الحسين) بن علي بن أبي طالب، ثقة، من (٣) روى عنه في (٩) أبواب (حدّثه) أي حدث لابن شهاب (أنهم) أي أن أولاد حسين بن علي بن أبي طالب (حين قدموا المدينة) المنورة (من عند يزيد بن معاوية مقتل) أي زمن قتل (الحسين بن علي) بن أبي طالب (﵄ لقيه) أي لقي علي بن الحسين (المسور بن مخرمة) ﵄. وهذا السند من ثمانياته كما بيناه في الجهيريات (فقال) المسور إله) أي لعلي بن الحسين: (هل لك) يا علي (إليّ من حاجة تأمرني بها؟ قال) علي بن الحسين: (فقلت له) أي للمسور: (لا) حاجة لي إليك فـ (قال) المسور بن مخرمة (له) أي لعلي بن الحسين: (هل أنت) يا علي (معطيّ) بإضافته إلى ياء المتكلم أي هل أنت معط إليّ (سيف رسول الله ﷺ فإني أخاف أن يغلبك القوم) أي قوم بني أمية (عليه) أي على سيف رسول الله ﷺ فيأخذوه منك (وايم الله) أي اسم الله قسمي (لئن أعطيتنيه) أي لئن أعطيتني سيف رسول الله ﷺ (لا يخلص) بالبناء للمجهول أي لا يصل (إليه) أي إلى ذلك السيف أحد منهم (أبدًا حتى تبلغ نفسي) وروحي إلى حلقومي، وهذا كناية عن قتل بسبب أخذه السيف يعني أنه يحفظ هذا السيف ولا يسلمه إلى أئمة بني أمية وهم المراد بقوله: إني أخاف أن يغلبك القوم عليه ولو اضطررت لحفظه إلى بذل نفسي وروحي. وقال الحافظ في نكاح الفتح [٩/ ٢٢٧] ولا أزال أتعجب من المسور كيف بالغ في تعصبه لعلي بن الحسين حتى قال: إنه لو أودع عنده السيف لا يمكن أحدًا منه حتى تزهق روحه رعاية لكونه ابن ابن أبي فاطمة محتجًا بحديث الباب ولم يراع خاطره في أن
[ ٢٣ / ٥٩٥ ]
إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ عَلَى فَاطِمَةَ. فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ فِي ذلِكَ، عَلَى مِنْبَرِهِ هَذَا، وَأَنا يَوْمَئِذٍ مُحْتَلِمٌ، فَقَال: "إِنَّ فَاطِمَةَ مِنِّي. وَإِنِّي أَتَخَوَّفُ أَنْ تُفْتَنَ فِي دِينِهَا"
_________________
(١) ظاهر سياق الحديث المذكور غضاضة على علي بن الحسين لما فيه من إيهام غض من جده علي بن أبي طالب حيث أقدم على خطبة بنت أبي جهل على فاطمة حتى اقتضى أن يقع من النبي ﷺ من الإنكار ما وقع بل أتعجب من المسور تعجبًا آخر أبلغ من ذلك وهو أن يبذل نفسه دون السيف رعاية لخاطر ولد ابن فاطمة وما بذل نفسه دون ابن فاطمة نفسه أعني الحسين والد علي الذي وقعت له معه القصة حتى قُتل بأيدي ظلمة الولاة لكن يحتمل أن الحسين لما خرج إلى العراق ما كان المسور وغيره من أهل الحجاز يظنون أن أمره يؤول إلى ما آل إليه من القتل اهـ منه. وقول المسور: (هل أنت معطي سيف رسول الله ﷺ) .. إلخ قال الحافظ في جهاد الفتح [٦/ ٢١٤] أراد المسور بذلك صيانة سيف رسول الله ﷺ لئلا يأخذه من لا يعرف قدره والذي يظهر أن المراد بالسيف المذكور ذو الفقار الذي تنفله يوم بدر ورأى فيه الرؤيا يوم أحد، وفيه جواز التبرك بآثار النبي ﷺ والاحتفاظ بها اهـ. (إن علي بن أبي طالب خطب بنت أبي جهل على فاطمة فسمعتُ رسول الله ﷺ وهو) أي والحال أنه ﷺ (يخطب الناس في ذلك) أي في إيذاء فاطمة (على منبره هذا) الذي كان في المسجد النبوي، قال المسور: سمعته ﷺ (وأنا يومئذٍ) أي يوم إذ سمعته وهو يخطب (محتلم) أي بالغ (فقال) النبي ﷺ بعد تشهده كما هو مصرح في بعض الرواية: (أن فاطمة) بضعة (مني واني أتخوف) أي أخاف وهو من باب تفعل الخماسي ولكن بمعنى الثلاثي (أن تفتن في دينها) أي بسبب الغيرة الناشئة من الطبيعة البشرية. قال الكرماني: مناسبة ذكر المسور لقصة خطبة بنت أبي جهل عند طلبه السيف من جهة أن رسول الله ﷺ كان يحب رفاهية خاطر فاطمة رضي الله تعالى عنها فأنا أيضًا أحب رفاهية خاطرك لكونك ابن ابنها فأعطني السيف حتى أحفظه لك
[ ٢٣ / ٥٩٦ ]
قَال: ثُمَّ ذَكَرَ صِهْرًا لَهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسِ. فَأَثْنَى عَلَيهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ إِيَّاهُ فَأَحْسَنَ. قَال: "حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي. وَوَعَدَنِي فَأَوْفَى
_________________
(١) (قال) المسور: (ثم ذكر) النبي ﷺ في خطبته تلك (صهرًا له من بني عبد شمس) هو أبو العاص بن الربيع زوج زينب بنت رسول الله ﷺ والصهر يطلق على زوج المرأة وأقاربه وأقارب المرأة مشتق من صهرت الشيء وأصهرته إذا قربته (فأثنى) النبي ﷺ (عليه) أي على ذلك الصهر (في مصاهرته) أي مصاهرة ذلك الصهر (إياه) ﷺ (فأحسن) ﷺ أي أحسن الثناء على ذلك الصهر وبالغ في ثنائه، والمصاهرة مفاعلة من الجانبين بمعنى المقاربة بين الأجانب وبين المتباعدين (قال) النبي ﷺ في ثنائه: (حدثني) ذلك الصهر بأنه يرد أموال قريش وشسلم هو كما سيأتي في آخر القصة الآتية: (فصدقني) ذلك الصهر فيما حدثني به من رد أموال قريش وإسلامه هو كما سيأتي قريبًا (ووعدني) ذلك الصهر بأني أرسل لك بنتك إلى المدينة حين بقي هو على الشرك (فأوفى) ذلك الوعد (لي) بإرسالها إليّ في المدينة، ولعل هذا إشارة له إلى أن أبا العاص لما أُسر يوم بدر أطلقه رسول الله ﷺ على أن يرسل زوجته زينب إلى رسول الله ﷺ فوفى بذلك وأرسلها. قال القرطبي: هذا الصهر هو أبو العاص زوج ابنة رسول الله ﷺ رضي الله تعالى عنها واسمه لقيط عند الأكثر، وقيل: هشيم أو مهشم بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف وأمه هالة بنت خويلد أخت خديجة لأبيها، وكان النبي ﷺ قد أنكحه زينب وهي أكبر بناته وذلك بمكة فأحسن عشرتها، وكان محبًا لها، وأرادت منه قريش أن يطفقها فأبى، فشكر له النبي ﷺ ذلك ثم إنه حضر مع المشركين ببدر فأُسر وحمل إلى المدينة فبعثت فيه زينب قلادتها فردت عليها وأطلق لها، وكان وعد النبي ﷺ أن يرسلها إليه ففعل وهاجرت زينب فبقي هو بمكة على شركه إلى أن خرج في عير لقريش تاجرًا وذلك قبيل الفتح بيسير فعرض لتلك العير زيد بن حارثة في سرية من المسلمين من أصحاب رسول الله ﷺ فأخذها وأفلت أبو العاص هاربًا إلى أن جاء إلى المدينة فاستجار بزينب فأجارته، وكلم النبي ﷺ الناس في رد جميع ما أخذ من
[ ٢٣ / ٥٩٧ ]
لِي. وَإِنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلالًا وَلَا أُحِلُّ حَرَامًا. وَلكِنْ، وَاللهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللهِ مَكَانًا وَاحِدًا أَبدًا"
_________________
(١) تلك العير ففعلوا وقال: إنه يرد أموال قريش ويسلم ففعل ذلك فلذلك شكره النبي ﷺ وقال: حدثني فصدقني ووعدني فوفى لي اهـ من المفهم. ثم قال رسول الله ﷺ في خطبته تلك (وإني لست أحرم حلالًا) كتزوج الرجل فوق واحدة إلى أربع (ولا أحل حرامًا) حرمه الله تعالى، قال النووي: أي لا أقول شيئًا يخالف حكم الله فإذا أحل شيئًا لم أحرمه وإذا حرمه لم أحله ولم أسكت عن تحريمه لأن سكوتي تحليل له ويكون من جملة محرمات النكاح الجمع بين بنت نبي الله ﷺ وبنت عدو الله اهـ منه (ولكن والله) أي أقسمت بالإله الذي لا إله غيره (لا تجتمع بنت رسول الله) ﷺ (وبنت عدو الله مكانًا واحدًا) أي في مكان واحد أي في عصمة رجل واحد، وقوله: (أبدًا) ظرف مستغرق لما يستقبل من الزمان متعلق بقوله: لا تجتمع. قال القرطبي: قوله: (لست أحرم حلالًا) .. إلخ صريح في أن الحكم بالتحليل والتحريم من الله تعالى، وإنما الرسول مبلغ ويستدل به في منع اجتهاد النبي ﷺ في الأحكام وفي منع جواز تفويض الأحكام إلى النبي ﷺ ولا حجة فيه لأن اجتهاد المجتهد لا يوجب الأحكام ولا ينشئها وإنما هو مظهر لها ويفيد هذا أن حكم الله على علي وعلى غيره التخيير في نكاح ما طاب من النساء إلى الأربع ولكن النبي ﷺ إنما منع عليًّا من ذلك لما خاف على ابنته من المفسدة في دينها من ضرر عداوة تسري إليها فتتأذى في نفسها فيتأذى النبي ﷺ بسببها وأذى النبي ﷺ حرام فيحرم ما يؤدي إليه، ففيه القول بسد الذرائع وإعمال الصالح وأن حرمة النبي ﷺ أعظم من حرمة غيره، وتظهر فائدة ذلك بأن من فعل منا فعلًا يجوز له فعله لا يمنع منه وإن تأذى بذلك الفعل غيره وليس ذلك حالنا مع النبي ﷺ بل يحرم علينا مطلقًا فعل كل شيء يتأذى به النبي ﷺ وإن كان في أصله مباحًا لكنه إن أدى إلى أذى النبي ﷺ ارتفعت الإباحة ولزم التحريم، وفيه ما يدل على جواز غضب الرجل لابنته وولده وحرمه وعلى الحرص في دفع ما يؤدي لضررهم إذا كان ذلك بوجه
[ ٢٣ / ٥٩٨ ]
٦١٥٥ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ. أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَينٍ؛ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ. وَعِنْدَهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ. فَلَمَّا سَمِعَتْ بِذَلِكَ فَاطِمَةُ أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى
_________________
(١) جائز، وفيه ما يدل على جواز خطبة الإمام الناس وجمعهم لأمر يحدث اهـ من المفهم. وفي الحديث أن الغيراء إذا خشي عليها أن تفتن في دينها كان لوليها أن يسعى في إزالة ذلك إذا لم يكن عندها من تتسلى به ويخفف عنها الهم، ومن هنا يؤخذ جواب من استشكل اختصاص فاطمة بذلك مع أن الغيرة على النبي ﷺ أقرب إلى خشية الافتتان في الدين ومع ذلك فكان ﷺ يستكثر من الزوجات وتوجد منهن الغيرة ومع ذلك ما راعى ذلك النبي ﷺ في حقهن كما راعاه في حق فاطمة، ومحصل الجواب أن فاطمة كانت إذ ذاك فاقدة من تركن إليه ممن يؤنسها ويزيل وحشتها من أم أو أخت بخلاف أمهات المؤمنين فإن كل واحدة منهن كانت ترجع إلى من يحصل لها معه ذلك وزيادة عليه وهو زوجهن ﷺ لما كان عنده من الملاطفة وتطييب القلوب وجبر الخواطر بحيث إن كل واحدة منهن ترضى منه لحسن خلقه وجميل خلقه بجميع ما يصدر منه بحيث لو وجد ما يخشى وجوده من الغيرة لزال عن قرب اهـ من فتح الباري. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث المسور ﵁ فقال:
(٢) (٠٠) (٠٠) (حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن) بن الفضل (الدارمي) السمرقندي، ثقة، من (١١) روى عنه في (١٤) بابا (أخبرني أبو اليمان) الحكم بن نافع القضاعي الحمصي، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٦) أبواب (أخبرنا شعيب) بن أبي حمزة دينار الأموي الحمصي، ثقة، من (٧) روى عنه في (٥) أبواب (عن الزهري أخبرني علي بن الحسين أن المسور بن مخرمة أخبره أن علي بن أبي طالب) ﵃. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة شعيب بن أبي حمزة لمحمد بن عمرو بن حلحلة (خطب بنت أبي جهل) اسمها العوراء، وقيل جويرية، وقيل جرهمة اهـ تنبيه المعلم (و) الحال (عنده فاطمة بنت رسول الله ﷺ) جملة حالية من فاعل خطب (فلما سمعت بذلك) أي بخطبة علي ﵄ (فاطمة أتت النبي صلى
[ ٢٣ / ٥٩٩ ]
اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَقَالتْ لَهُ: إِنَّ قَوْمَكَ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ لَا تَغْضَبُ لِبَنَاتِكَ. وَهَذا عَلِيٌّ، نَاكِحًا ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ.
قَال الْمِسْوَرُ: فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ. ثُمَّ قَال: "أَمَّا بَعْدُ. فَإنِي أَنْكَحْتُ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ. فَحَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي. وَإِنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ مُضْغَةٌ مِنِّي. وَإِنَّمَا أَكرَهُ أَنْ يفْتِنُوهَا. وَإِنَّهَا، وَاللهِ، لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللهِ عِنْدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَبدًا" قَال: فَتَرَكَ عَلِيٌّ الْخِطْبَةَ
_________________
(١) الله عليه وسلم فقالت له) ﷺ: (أن قومك) وعشيرتك (يتحدثون) فيما بينهم (أنك لا تغضب) يا والدي ولا تغير (لبناتك) أي للتزوج علي بناتك (وهذا علي) زوجي مبتدأ وخبر، وقوله: (ناكحًا) بالنصب حال من علي أي حالة كونه مريدًا نكاح (ابنة أبي جهل) لأنه خطبها، وبالرفع خبر ثان عن اسم الإشارة ويكون الخبر الأول توطئة له لأن الثاني هو المقصود بالحكم قال القرطبي: كذا الرواية ناكحًا بالنصب على الحال لأن الكلام قبله مستقل بنفسه لأن قولها هذا علي كقولك هذا زيد لكن رفعه أحسن لو رُوي لأنه هو المقصود بالإفادة وعلي توطئة له اهـ من المفهم (قال المسور) بالسند السابق (فقام النبي ﷺ) خطيبًا على المنبر (فسمعته) ﷺ (حين تشهد) في خطبته أي أتى بالشهادتين (ثم) بعدما تشهد النبي ﷺ (قال: أما بعد فإني أنكحت) وزوجت (أبا العاص) لقيط (بن الربيع) بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف العبشمي ابنتي زينب فحدثني بأنه يسلم (فصدقني) فيما حدثني (وإن فاطمة بنت محمد مضغة) أي قطعة (مني) يؤذيني ما آذاها (وإنما كره أن يفتنوها) أي أن يفتن بنو هاشم بن المغيرة وعلي بنتي فاطمة في دينها (وإنها) أي وإن القصة وجملة القسم في قوله: (والله) معترضة بين إن وخبرها أتى بها لتأكيد الكلام (لا تجتمع بنت رسول الله) ﷺ (وبنت عدو الله عند رجل واحد) أي في عصمته (أبدًا) أي أمدًا وعوضًا، وفي هذا دليل على أن الأصل أن ولد الحبيب حبيب وولد العدو عدو إلى أن يتيقن خلاف ذلك اهـ من المفهم. (قال) المسور بالسند السابق (فترك علي) بن أبي طالب ﵁ (الخطبة) أي خطبة بنت أبي جهل وغيرها ولم يتزوج عليها ولا تسرى حتى ماتت فاطمة رضي الله تعالى عنها.
[ ٢٣ / ٦٠٠ ]
٦١٥٦ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ. حَدَّثَنَا وَهْبٌ، (يَعْنِي ابْنَ جَرِيرٍ)، عَنْ أَبِيهِ. قَال: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ، (يَعْنِي ابْنَ رَاشِدٍ)، يُحَدِّثُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
٦١٥٧ - (٢٤٣٢) (١٨٦) حدَّثنا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ. حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، (يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ)، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ، (وَاللَّفْظُ لَهُ)، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ
_________________
(١) ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا في حديث المسور ﵁ فقال:
(٢) (٠٠) (٠٠) (وحدثنيه) زيد بن يزيد الثقفي (أبو معن الرقاشي) بتخفيف القاف البصري، ثقة، من (١١) روى عنه في (٦) أبواب (حدثنا وهب يعني ابن جرير) بن حازم بن زيد بن عبد الله الأزدي أبو العباس البصري، ثقة، من (٩) روى عنه في (٧) أبواب (عن أبيه) جرير بن حازم، ثقة، من (٦) روى عنه في (١٩) بابا (قال) جرير: (سمعت النعمان يعني ابن راشد) الجزري أبا إسحاق الرقي مولى بني أمية، قال أحمد: مضطرب الحديث، وقال ابن معين: ضعيف، وقال مرة: ليس بشيء، وقال البخاري وأبو حاتم: في حديثه وهم كثير، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال النسائي: صدوق فيه ضعف، وقال في التقريب: صدوق سيء الحفظ، من (٦) روى عنه في (٢) بابين باب النكاح وباب فضائل فاطمة، حالة كون النعمان (يحدّث عن الزهري بهذا الإسناد) يعني عن علي بن الحسين عن المسور، غرضه بيان متابعة النعمان لشعيب بن أبي حمزة، وساق النعمان (نحوه) أي نحو حديث شعيب. ثم استشهد المؤلف لحديث المسور بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما فقال:
(٣) (٢٤٣٢) (١٨٦) (حدثنا منصور بن أبي مزاحم) بشير التركي أبو نصر البغدادي، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٦) أبواب (حدثنا إبراهيم يعني ابن سعد) بن إبراهيم الزهري المدني، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٤) بابا (عن أبيه) سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، ثقة، من (٥) (عن عروة عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من خماسياته (ح وحدثني زهير بن حرب واللفظ له حدثنا يعقوب بن
[ ٢٣ / ٦٠١ ]
إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيرِ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَعَا فَاطِمَةَ ابْنَتَهُ فَسَارَّهَا. فَبَكَت. ثُمَّ سَارَّهَا فَضَحِكَتْ. فَقَالتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لِفَاطِمَةَ: مَا هَذَا الَّذِي سَارَّكِ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَبَكَيتِ، ثُمَّ سَارَّكِ فَضَحِكْتِ؟ قَالتْ: سَارَّنِي فَأَخْبَرَنِي بِمَوْتِهِ، فَبَكَيتُ. ثُمَّ سَارَّنِي فَأَخْبَرَنِي أَنِّي أَوَّلُ مَنْ يَتْبَعُهُ مِنْ أَهْلِهِ، فَضَحِكْتُ
_________________
(١) إبراهيم) بن سعد الزهري، ثقة، من (٩) (حدثنا أبي) إبراهيم بن سعد (عن أبيه) سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (أن عروة بن الزبير حدّثه) أي حدّث لسعد بن إبراهيم (أن عائشة) رضي الله تعالى عنها (حدثته) أي حدثت لعروة بن الزبير (أن رسول الله ﷺ دعا فاطمة ابنته) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من سداسياته (فسارّها) أي كلم فاطمة رسول الله ﷺ سرًّا (فبكت) فاطمة بكاة شديدًا لأنه أخبرها بحضور أجله (ثم) لما رأى جزعها (سارّها) أي كلمها سرًّا بأنك أول أهلي لحوقًا بي وبأنك سيدة نساء أهل الجنة (فضحكت) فرحًا بذلك (فقالت عائشة) بالسند السابق (فقلت لفاطمة: ما هذا) الأمر (الذي سارّك به) أي أخبرك به سرًّا (رسول الله ﷺ فبكيت) بسببه (ثم سارّك) أي كلمك سرًّا مرة ثانية (فضحكت) به. قال القرطبي: والسرار السر والسر ضد الجهر يقال: سارره يسارره سرًّا وسرارًا ومسارة، وبكاء فاطمة في أول مرة كان حزنًاعلى النبي ﷺ لما أعلمها بقرب أجله، وضحكها ثانية فرحًا بما بشرها به من السلامة من فتنة هذه الدار ولقرب الاجتماع به وبالفوز بما لها من عند الله من الكرامة وكفى بذلك أن قال لها: إنها سيدة نساء أهل الجنة اهـ من المفهم. وهنا حذف واختصار من رواية عروة كما تدل عليه رواية مسروق الآتية تقديره فقالت فاطمة لعائشة: ما كنت أفشي على رسول الله ﷺ سره، قالت عائشة: فلما توفي رسول الله ﷺ قلت لفاطمة: عزمت عليك بما لي عليك من الحق إلا حدثتني ما قال لك رسول الله ﷺ فـ (قالت) فاطمة لعائشة: سارني رسول الله ﷺ أولًا أي كلمني سرًّا (فأخبرني بموته فبكيت) لذلك (ثم سارني) ثانية (فأخبرني أني أول من يتبعه) ويلحقه موتًا (من أهله) أي من أهل بيته ﷺ وأقاربه (فضحكت) لذلك فرحًا بلحوقه.
[ ٢٣ / ٦٠٢ ]
٦١٥٨ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، فُضَيلُ بْنُ حُسَينٍ. حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالتْ: كُنَّ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَهُ. لَمْ يُغَادِرْ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً. فَأَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي. مَا تُخْطِئُ
_________________
(١) وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٦/ ١٨٢] والبخاري في مواضع كثيرة منها في الاستئذان باب من ناجى بين يدي الناس ومن لم يخبر بسر صاحبه فإذا مات أخبر به [٦٢٨٥] وأبو داود في الأدب باب ما جاء في القيام [٥٢١٧]، والترمذي في مناقب فاطمة [٣٨٧١]، وابن ماجه في الجنائز باب ما جاء في ذكر مرض رسول الله ﷺ [١٦٢١]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
(٢) (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو كامل الجحدري) نسبة إلى أحد أجداده (فضيل بن حسين) البصري (حدثنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي، ثقة، من (٧) روى عنه في (١٩) بابا (عن فراس) بكسر أوله وبمهملة بن يحيى الهمداني أبي يحيى الكوفي، صدوق، من (٦) روى عنه في (٣) أبواب (عن عامر) بن شراحيل الحميري الشعبي الكوفي، ثقة، من (٣) روى عنه في (١٩) بابا (عن مسروق) بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي أبي عائشة الكوفي، ثقة فقيه مخضرم، من (٢) روى عنه في (١١) بابا (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة مسروق لعروة بن الزبير (قالت) عائشة: (كن) بضم الكاف وفتح النون المشددة بإدغام نون كان في نون الإناث وهو فعل ماض ناقص واسمه وقوله: (أزواج النبي ﷺ) بالرفع بدل من اسم كان أي كان أزواج النبي ﷺ مجتمعات (عنده) ﷺ في بيت عائشة في مرض موته بأمره إياهن بالاجتماع عنده (لم يغادر) النبي ﷺ أي لم يترك (منهن واحدة) أي لم يترك ولم يغفل عن واحدة منهن وهذا كان لما اشتد مرضه ومُرِّض في بيت عائشة اهـ مفهم (فأقبلت فاطمة) بنته ﷺ أي جاءت بعد اجتماعهن عنده ﷺ كما دلت عليه فاء التعقيب حالة كونها (تمشي) كمشية رسول الله ﷺ (ما تخطئ)
[ ٢٣ / ٦٠٣ ]
مِشْيَتهَا مِنْ مِشْيَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيئًا. فَلَمَّا رَآهَا رَحَّبَ بِهَا. فَقَال: "مَرْحَبًا بِابْنَتِي" ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ. ثُمَّ سَارَّهَا فَبَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا. فَلَمَّا رَأَى جَزَعَهَا سَارَّهَا الثَّانِيَةَ فَضَحِكَت. فَقُلْتُ لَهَا: خَصَّكِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ بَينِ نِسَائِهِ بِالسِّرَارِ. ثُمَّ أَنْتِ تَبْكِينَ؟ فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَأَلْتُهَا مَا قَال لَكِ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ قَالتْ: مَا كُنْتُ أُفْشِي عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ سِرَّهُ. قَالت: فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قُلْتُ: عَزَمْتُ عَلَيكِ، بِمَا لِي عَلَيكِ مِنَ الْحَق، لَمَا
_________________
(١) ولا تخالف (مشيتها من مشية رسول الله ﷺ شيئًا) من المخالفة، والمشية بكسر الميم لهيئة المشي، وزادت عائشة بنت طلحة في روايتها عن عائشة عند أبي داود والترمذي وغيرهما: ما رأيت أحدًا أشبه سمتًا وهديًا ودلًا برسول الله ﷺ بقيامها وقعودها من فاطمة، وكانت إذا دخلت على النبي ﷺ قام إليها وقبلها وأجلسها في مجلسه وكان إذا دخل عليها فعلت ذلك فلما مرض دخلت عليه فأكبت عليه تقبله (فلما رآها) رسول الله ﷺ حين دخلت عليه (رحّب بها) بتشديد الحاء من الترحيب أي (فقال) لها: (مرحبًا بابنتي) أي أتيت مكانًا واسعًا لك يا ابنتي، وهذه الجملة تفسير لما قبلها (ثم أجلسها عن يمينه أو) قالت عائشة أجلسها (عن شماله) والشك من مسروق أو ممن دونه (ثم سارّها) أي كلمها سرًّا (فبكت) فاطمة (بكاءً شديدًا فلما رأى) رسول الله ﷺ (جزعها) وقلة صبرها (سارّها) المرة (الثانية فضحكت) قالت عائشة: (فقلت لها) أي لفاطمة: (خصك رسول الله ﷺ من بين نسائه) وأزواجه (بالسرار) أي بكلام السر (ثم) بعدما كلمك سرًّا (أنت تبكين فلما قام رسول الله ﷺ) من مجلسه (سألتها) أي سألت فاطمة (ما قال لك) أي أي شيء قال لك (رسول الله قالت) فاطمة: (ما كنت أفشي) بضم الهمزة وكسر الشين من الإفشاء أي ما كنت أنشر (على رسول الله ﷺ سره) الذي أسره إليّ (قالت) عائشة: (فلما توفي) وقبض (رسول الله ﷺ قلت) لفاطمة: (عزمت عليك) أي سألتك (بما لي عليك من الحق) أي حق الأمومة لأنها زوجة أبيها (لما) بفتح اللام وتخفيف الميم بمعنى إلا نظير قوله
[ ٢٣ / ٦٠٤ ]
حَدَّثْتِنِي مَا قَال لَكِ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ فَقَالتْ: أَمَّا الآنَ، فَنَعَمْ. أَمَّا حِينَ سَارَّنِي فِي الْمَرَّةِ الأُولَى، فَأَخْبَرَنِي أَن جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَينِ، وَإِنَّهُ عَارَضَهُ الآنَ مَرَّتَينِ، "وَإِنِّي لَا أُرَى الأَجَلَ إلا قَدِ اقْتَرَبَ. فَاتَّقِي اللهَ وَاصْبِرِي. فإِنَّهُ نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ" قَالت: فَبَكَيتُ بُكَائِي الَّذِي رَأَيتِ. فَلَمَّا رَأَى جَزَعِي سَارَّنِي
_________________
(١) تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيهَا حَافِظٌ (٤)﴾ أي إلا (حدثثني ما قال لك رسول الله ﷺ) حين سارّك مرتين (فقالت) فاطمة: (أما الآن) أي أما في هذا الزمن الحاضر الذي توفي فيه رسول الله ﷺ (فنعم) أي فسأخبر لك ما قال لي في إسراره إليّ، هذه الرواية صريحة في أن فاطمة لم تخبر عائشة ﵄ عن مسارة النبي ﷺ إلا بعد وفاة النبي ﷺ وما وقع في الرواية السابقة مختصر فكأن عروة طوى هذه القصة وذكر ما وقع بعد وفاة النبي ﷺ متصلًا بما وقع في مرضه بما يبدو منه أن القصتين متصلتان، والصحيح ما وقع في رواية مسروق هذه اهـ من التكملة (أما حين سارّني في المرة الأولى فأخبرني أن جبريل) - ﵇ - كان) أولًا (يعارضه القرآن) أي يطلب منه عرض القرآن وقراءته عليه (في كل سنة مرة) واحدة ليستمع له ويثبته عليه، وقوله: (أو مرتين) قال النووي: هكذا وقع في الرواية وذكر المرتين شك من بعض الرواة والصواب حذفها كما في باقي الروايات اهـ لأنه لم يعارضه مرتين إلا عند العرضة الأخيرة في آخر سنة من حياته ﷺ (وإنه) أي إن جبريل (عارضه) أي عارض النبي ﷺ القرآن (الآن) أي في هذه السنة (مرتين) أي طلب منه عرض القرآن عليه مرتين في هذه السنة (وإني لا أُرى) بضم الهمزة ولا أظن (الأجل) أي أجل موتي (إلا قد اقترب) أي إلا قد قرب، قال القاضي عياض: واستدل رسول الله ﷺ بمعارضته مرتين على قرب أجله لمخالفته العادة المتقدمة وكذلك كثر بمكة الوحي في السنة التي توفي فيها حتى كمل الله سبحانه من أمره ما شاء اهـ (فاتقي الله) في الجزع عليّ (واصبري) على مصيبتك (فإنه) أي فإن الشأن والحال (نعم السلف أنا لك) أي نعم السابق لك المهيئ لصالحك والمخصوص بالمدح أنا (قالت) فاطمة: (فبكيت بكائي الدي رأيت) مني (فلما رأى) رسول الله ﷺ (جزعي) أي قلة صبري (سارّني) أي كلمني سرًّا المرة
[ ٢٣ / ٦٠٥ ]
الثَّانِيَةَ فَقَال: "يَا فَاطِمَةُ، أَمَا تَرْضَي أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ. أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ؟ " قَالتْ: فَضَحِكْتُ ضَحِكِي الَّذِي رَأَيتِ.
٦٢٦٤ - (٩٩) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيرٍ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ. ح وَحَدَّثَنَا
_________________
(١) (الثانية فقال) لي: (يا فاطمة أما ترضين) أي ألا ترضين وتحبين (أن تكوني سيدة نساء المومنين أو) قال: (سيدة نساء هذه الأمة) والشك من الراوي (قالت) فاطمة: (فضحكت ضحكي التي رأيت) مني يا عائشة. وقد وقع الاختلاف بين عروة بن الزبير وبين مسروق في بيان سبب الضحك عند المسارة الثانية فذكر عروة في الرواية السابقة أن النبي ﷺ أخبر فاطمة في المسارة الثانية بأنها أول من يلحق به من أهله، وذكر مسروق أنه أخبرها في المسارة الثانية أنها سيدة نساء أهل الجنة، ووقع في رواية مسروق الآتية أن النبي ﷺ ذكر كونها أول أهله لحوقًا به عند المسارة الأولى فذكر في المسارة الأولى أمرين إخبارة بقرب أجله وإخباره بأن فاطمة سوف تلحق به قبل أن يلحق آخر من أهل بيته. وقد ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني الاختلاف في الروايتين ثم رجح رواية مسروق وعلل ذلك بأن حديث مسروق يشتمل على زيادات ليست في حديث عروة وهو من الثقات الضابطين، ثم ذكر احتمالًا آخر وهو أنه لا يمتنع أن يكون إخباره بانها أول أهله لحوقًا به سببًا لبكائها أو ضحكها باعتبارين فذكر كل من الراويين ما لم يذكره الآخر والله أعلم. وأما كونها سيدة نساء المؤمنين مع ما ورد من فضل خديجة وعائشة رضي الله تعالى عنهما فالراجح أنه لا مانع من تعدد السيادة باعتبارات مختلفة، وقد أخرج النسائي بإسناد صحيح حديث ابن عباس مرفوعًا "أفضل نساء أهل الجنة خديجة وفاطمة ومريم وآسية" وقد أورد ابن عبد البر من وجه عن ابن عباس رفعه لأسيدة نساء العالمين مريم ثم فاطمة ثم خديجة ثم آسية" قال: وهذا حديث حسن يرفع الإشكال. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
(٢) (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن نمير) وفي بعض النسخ: (وحدثنا عبد الله بن نمير) بزيادة العاطف، وهو تحريف من النساخ (عن زكرياء) بن أبي زائدة خالد بن ميمون، ثقة، من (٦) روى عنه في (١٣) بابا (ح وحدثنا)
[ ٢٣ / ٦٠٦ ]
ابْنُ نُمَيرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالتِ: اجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ. فَلَمْ يُغَادِرْ مِنْهُنَّ امْرَأةً. فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مِشْيَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ. فَقَال: "مَرْحَبًا بِابْنَتِي" فَأجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ. ثُمَّ إِنَّهُ أَسَرَّ إِلَيهَا حَدِيثًا فَبَكَتْ فَاطِمَةُ. ثُمَّ إِنَّهُ سَارَّهَا فَضَحِكَتْ أَيضًا. فَقُلْتُ لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ فَقَالتْ: مَا كُنْتُ لأفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ: مَا رَأَيتُ كَالْيَوْمِ فَرَحًا أَقرَبَ مِنْ حُزْنٍ. فَقُلْتُ لَهَا حِينَ بَكَتْ: أَخَصَّكِ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِحَدِيثِهِ دُونَنَا ثُمَّ تَبْكِينَ؟ وَسَألْتُهَا عَمَّا
_________________
(١) محمد بن عبد الله (بن نمير حدثنا أبي حدثنا زكرياء عن فراس) بن يحيى (عن عامر) بن شراحيل الشعبي (عن مسروق عن عائشة) وهذا السند من سباعياته، غرضه بيان متابعة زكرياء بن أبي زائدة لأبي عوانة (قالت) عائشة: (اجتمع نساء النبي ﷺ) عنده في مرض موته بدعوته إياهن (فلم يغادر) أي لم يغفل النبي ﷺ ولم يترك (منهن امرأة) في أمره إياهن بالاجتماع عنده (فـ) عقب اجتماعهن عنده ﷺ (جاءت فاطمة تمشي كان مشيتها مشية رسول الله ﷺ فـ) دخلت عليه (قال) رسول الله ﷺ: (مرحبًا بابنتي) أي هيأنا لها مكانًا واسعًا وفرحنا بها فرحًا (فأجلسها عن يمينه أو) قالت عائشة فأجلسها (عن شماله) والشك من مسروق أو ممن دونه (ثم إنه) ﷺ (أسر إليها حديثًا فبكت فاطمة ثم إنه) ﷺ (سارّها) مرة ثانية (فضحكت أيضًا) أي كما بكت في الأولى (فقلت لها: ما يبكيك؟ فقالت: ما كنت لأفشي) وأنشر بالنصب بأن مضمرة وجوبًا بعد لام الجحود (سر رسول الله ﷺ) قالت عائشة (فقلت) لنفسي: (ما رأيت كاليوم فرحًا أقرب من حزن) أي ما رأيت فرحًا أقرب من حزن مثل الفرح الذي رأيته اليوم يعني أن فاطمة فرحت بعد الحزن فورًا وما رأيت أحدًا قبل ذلك عاد إلى الفرح بعد الحزن بدون فضل، قالت عائشة: (فقلت لها) أي لفاطمة: (حين بكت أخصك) بهمزة الاستفهام التقريري أي هل خصك (رسول الله ﷺ بحديثه دوننا) معاشر أزواجه (ثم تبكين) معطوف على مدخول الاستفهام (وسألتها عما
[ ٢٣ / ٦٠٧ ]
قَال؟ فَقَالتْ: مَا كُنْتُ لأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللهِ ﷺ، حَتَّى إِذَا قُبِضَ سَأَلْتُهَا فَقَالتْ: إِنَّهُ كَانَ حَدَّثَنِي؛ أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ بِالْقُرْآنِ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عَارَضَهُ بِهِ فِي الْعَام مَرَّتَينِ، "وَلَا أُرَانِي إلا قَدْ حَضَرَ أَجَلِي. وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِي لُحُوقًا بِي وَنِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ"، فَبَكَيتُ لِذلِكَ. ثُمَّ إِنَّهُ سَارَّنِي فَقَال: "أَلا تَرْضَينَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ. أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ؟ " فَضَحِكْتُ لِذلِكَ
_________________
(١) قال) لها رسول الله ﷺ (فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله ﷺ) وتركتها (حتى إذا قبض) وتوفي رسول الله ﷺ (سألتها فقالت إنه كان حدثني أن جبريل يعارضه بالقرآن كل عام مرة) واحدة (وإنه) أي وإن جبريل (عارضه) أي طلب عرض النبي ﷺ (به) أي بالقرآن عليه (في) هذا (العام مرتين ولا أراني) أي ولا أظن نفسي (إلا قد حضر أجلي) أي أجل موتي (وإنك أول أهلي لحوقًا بي) في الموت (ونعم السلف أنا لك) أي ونعم السابق المهيئ لك بالصالح والمخصوص بالمدح أنا (فبكيت لذلك) أي لأخباره موته (ثم إنه سارّني فقال: ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المومنين؟) في الجنة (أو) قال لي أن تكوني (سيدة نساء هذه الأمة) في الجنة (فضحكت لذلك) أي لقوله هذا الكلام الثاني. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب حديثان: الأول: حديث المسور بن مخرمة ذكره للاستدلال به على الترجمة وذكر فيه أربع متابعات، والثاني: حديث عائشة ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعتين والله أعلم. ***
[ ٢٣ / ٦٠٨ ]