٦٤٠١ - (٢٥٥٢) (١١٠) حدَّثنا عُثْمَانُ بْنُ أبِي شَيبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. (قَال إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَال عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا) جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَال: قَالتْ عَائِشَةُ: مَا رَأَيتُ رَجُلًا أَشَدَّ عَلَيهِ الْوَجَعُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَفِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ -مَكَانَ الْوَجَعِ- وَجَعًا
_________________
(١) (١٤) باب ثواب المؤمن على ما يصيبه من مرض أو غيره وتحريم الظلم والتحذير منه وأخذ الظالم بظلمه
(٢) (٢٥٥٢) (١١٠) (حدثنا عثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي (قال إسحاق أخبرنا وقال عثمان حدثنا جرير) بن عبد الحميد (عن الأعمش عن أبي وائل) شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي ثقة من (٢) روى عنه في (١٠) أبواب (عن مسروق) بن الأجدع بن مالك الهمداني أبي عائشة الكوفي ثقة مخضرم من (٢) روى عنه في (١١) بابا (قال) مسروق (قالت عائشة) ﵂ وهذا السند من سداسياته ومن لطائفة أن رجاله كلهم كوفيون إلا إسحاق بن إبراهيم فإنَّه مروزي وفيه أنه اجتمع فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض الأعمش ومن بعده وفيه رواية مخضرم عن مخضرم (ما رأيت رجلًا أشدَّ) أي أثقل (عليه الوجع) أي المرض بالرفع بأشد لأنه من مسألة الكحل (من رسول الله ﷺ) والعرب تسمي كل مرض وجعًا وسيأتي وجه ذلك في الحديث الآتي قريبًا (وفي رواية عثمان) بن أبي شيبة (مكان الوجع) أشد عليه المرض (وجعًا) أي ألمًا وفي أغلب النسخ حذف لفظة المرض كما يدل عليه السياق. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٦/ ١٧٢] والبخاري في المرضى باب شدة المريض [٥٦٤٦] والترمذي في الزهد باب ما جاء في الصبر على البلاء [٢٣٩٩] وابن ماجه في الجنائز باب ما جاء في ذكر مرض رسول الله ﷺ [١٦٢٢]. ثم ذكر المؤلف المتابعة في هذا الحديث فقال:
[ ٢٤ / ٣٢٨ ]
٦٤٠٢ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا عُبَيدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ. أَخْبَرَنِي أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ. ح وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ، (يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ)، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيرٍ. حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ. كِلاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأعمَشِ. بِإِسْنَادِ جَرِيرٍ، مِثْلَ حَدِيثِهِ.
٦٤٠٣ - (٢٥٥٣) (١١١) حدَّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. (قَال إِسْحَاقُ: أَخبَرَنَا. وَقَال الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا) جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيمِيِّ،
_________________
(١) (٠٠) (٠٠) (حدَّثنا عبيد الله بن معاذ) العنبري البصري قال (أخبرني أبي) معاذ بن معاذ ثقة من (٩) (ح وحدَّثنا ابن المثنى وابن بشار قالا حدَّثنا) محمد بن إبراهيم (بن أبي عدي) السلمي البصري ثقة من (٩) (ح وحدثني بشر بن خالد) الفرائضي العسكري ثم البصري ثقة من (١٠) (أخبرنا محمد يعني ابن جعفر) الهذلي البصري غندر (كلهم) أي كل من معاذ بن معاذ وابن أبي عدي ومحمد بن جعفر رووا (عن شعبة عن الأعمش) غرضه بسوق هذه الأسانيد بيان متابعة شعبة لجرير (ح وحدَّثني أبو بكر) محمد بن أحمد (بن نافع) العبدي البصري (حدثنا عبد الرحمن) بن مهدي الأزدي البصري (ح وحدّثنا ابن نمير حدَّثنا مصعب بن المقدام) الخشعمي بمعجمتين قبل المهملة مولاهم أبو عبد الله الكوفي صدوق من (٩) روى عنه في (٤) أبواب (كلاهما) أي كل من عبد الرحمن ومصعب بن المقدام رويا (عن سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي "كلاهما" أي كل من شعبة وسفيان الثوري رويا (عن الأعمش) غرضه بسوق هذه الأسانيد الخمسة بيان متابعة شعبة وسفيان لجرير بن عبد الحميد في الرواية عن الأعمش وساق (بإسناد جرير) عن أبي وائل عن مسروق عن عائشة (مثل حديثه) أي مثل حديث جرير. ثم استشهد المؤلف لحديث عائشة بحديث عبد الله بن مسعود ﵄ فقال:
(٢) (٢٥٥٣) (١١١) (حدثنا عثمان بن أبي شيبة وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم قال إسحاق أخبرنا وقال الآخران حدثنا جرير) بن عبد الحميد (عن الأعمش عن إبراهيم) بن يزيد بن شريك (التيمي) تيم الرّباب أبي أسماء الكوفي ثقة من (٥) روى عنه
[ ٢٤ / ٣٢٩ ]
عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ. قَال: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يُوعَكُ. فَمَسَسْتُهُ بيَدِي. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ: "أَجَلْ. إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلانِ مِنْكُمْ" قَال: فَقُلْتُ: ذَلِكَ، أَنَّ لَكَ أَجْرَينِ. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ: "أَجَلْ" ثُمَّ قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى مِنْ مَرَضٍ فَمَا سِوَاهُ، إلا حَطَّ اللهُ بِهِ سَيِّئَاتِهِ، كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةَ وَرَقَهَا"
_________________
(١) في (٦) أبواب (عن الحارث بن سويد) التيمي أبي عائشة الكوفي ثقة من (٢) (ت) بعد (٧٠) روى عنه في (٤) أبواب (عن عبد الله) بن مسعود ﵁ وهذا السند من سداسياته (قال) عبد الله (دخلت على رسول الله ﷺ وهو) أي والحال أنه (يوعك) ويحمّى (فمسسته) أي لمسته (بيدي) فيه أن من آداب العائد أن يمسَّ المريض بيده حتى لو كان ليس من أهل الطب لكن بشرط أن لا يتأذى بذلك (فقلت) له ﷺ (يا رسول الله إنك لتوعك) وتحمّى (وعكًا شديدًا) أي حمّى شديدة والوعك بسكون العين وبفتحها ألم الحمّى ومغثها وقيل تعبها وقيل إرعادها للمحموم وتحريكها إياه وعن الأصمعي الوعك الحر فإن كان محفوظًا فلعلّ الحمّى سميت وعكًا لحرارتها وقد وعك الرجل يوعك على البناء للمجهول إذا أصابه الوعك قال الأبي وقدمنا أنه لا ينبغي أن يخبر المريض بما يسوء من حال مرضه وكان هذا خلافه "قلت" وليس بخلافه لأنّ ذلك في حق من يتألم ويتأثر لذلك وهو ﷺ ليس كذلك ألا تراه كيف أخبر عن ذلك بقوله "أجل" ومضاعفة المرض عليه ليضاعف له الأجر كما ذكره بقوله (فقال رسول الله ﷺ) في جواب سؤالي (أجل) أي نعم أوعك كذلك فـ (ـإني أوعك كما يوعك رجلان منكم) أي لمضاعفة الأجر أي يأخذني الوعك أي شدة الحفى وسورتها ضعفي ما لغيري ليضعف أجري عليها كما (قال) عبد الله (فقلت) له (ذلك) أي مضاعفة الحقى عليك بسبب (أن لك) عليها (أجرين فقال رسول الله ﷺ أجل) أي نعم كذلك (ثم قال رسول الله ﷺ أجل ما من مسلم) وكذا مسلمة (يصيبه أذىً من مرض فما سواه) أي فما سوى المرض كصدمة وسقطة (إلّا حطّ الله) سبحانه أي محا الله عنه (به) أي بسبب ذلك الأذى والألم (سيئاته) أي صغائر ذنوبه (كما تحطّ الشجرة) وتتساقط (ورقها) وقت الربيع
[ ٢٤ / ٣٣٠ ]
وَلَيسَ فِي حَدِيثِ زُهَيرٍ: فَمَسَسْتُهُ بِيَدِي.
٦٤٠٤ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَبُو كُرَيبٍ. قَالا. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوَيةَ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي غَنِيَّةَ
_________________
(١) (وليس في حديث زهير) وروايته لفظة (فمسسته بيدي) أي لمسته أي بكفي تجربةً بقدر حرارته. قوله "إني أُوعك كما يوعك رجلان" أخرج النسائي والحاكم عن فاطمة بنت اليمان أخت حذيفة قالت أتيت النبي ﷺ في نساء تعوده فإذا بسقاء يقطر عليه من شدة الحمى فقال: إن من أشدّ الناس بلاء الأنبياء ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم وأخرج الدارمي والنسائي في الكبرى وابن ماجه والترمذي وصحَّحه وابن حبان والحاكم عن سعد بن أبي وقاص قال: "قلت: يا رسول الله أي الناس أشد بلاء قال: الأنبياء ثمّ الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل حسب دينه، وفيه حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة وأخرج الحاكم له شاهدين من حديث أبي سعيد ولفظُه "قال: الأنبياء قال: ثم منْ؟ قال: العلماء قال ثم منْ؟ قال: الصالحون" اهـ فتح الباري [١/ ١١١] قال النووي رحمه الله تعالى قال العلماء والحكمة في كون الأنبياء أشد بلاء ثم الأمثل فالأمثل أنهم مخصوصون بكمال الصبر وصحة الاحتساب ومعرفة أن ذلك من نعم الله تعالى ليتمّ لهم الخير ويضاعف لهم الأجر ويظهر صبرهم ورضاهم اهـ. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [١/ ٣٨] والبخاري في المرضى باب شدة المريض [٥٦٤٧] وباب أشدّ الناس بلاء الأنبياء [٥٦٤٨] وباب وضع اليد على المريض [٥٦٦٠] وباب ما يقال للمريض وما يجيب [٥٦٦١] وباب ما رُخص للمريض أن يقول إنّي وجعٌ [٥٦٦٧]. ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث عبد الله ﵁ فقال:
(٢) (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا حدثنا أبو معاوية ح وحدَّثني محمد بن رافع) القشيري النيسابوري (حدثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني (حدثنا سفيان) الثوري (ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق (ويحيى بن عبد الملك) بن حميد (بن أبي فنية) بفتح المعجمة وكسر النون
[ ٢٤ / ٣٣١ ]
كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ. بِإِسْنَادِ جَرِيرٍ. نَحْوَ حَدِيثِهِ. وَزَادَ فِي حَدِيثِ أَبِي مُعَاويَةَ. قَال: "نَعَمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا عَلَى الأَرْضِ مُسْلِمٌ".
٦٤٠٥ - (٢٥٥٤) (١١٢) حدَّثنا زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَإسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ. قَال زُهَيرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأسوَدِ، قَال: دَخَلَ شَبَابٌ مِنْ قُرَيشٍ عَلَى عَائِشَةَ، وَهِيَ بِمِنًى. وَهُمْ يَضْحَكُونَ. فَقَالتْ: مَا يُضْحِكُكُمْ؟ قَالُوا: فُلانٌ خَرَّ عَلَى طُنُبِ
_________________
(١) وتشديد التحتانية الخزاعي أبو زكرياء الكوفي أصله من أصبهان روى عن الأعصش في باب البر والصلة وإسماعيل بن أبي خالد وهشام بن عروة والثوري ويروي عنه (خ م ت س ق) وإسحاق بن إبراهيم وأحمد وابن معين وأبو بكر بن أبي شيبة وغيرهم وثقه أحمد وأبو داود وابن معين وقال في التقريب صدوق له أفراد من كبار التاسعة مات سنة ثمان وثمانين ومائة [١٨٨] (كلهم) أي كل من أبي معاوية وسفيان الثوري وعيسى بن يونس ويحيى بن عبد الملك رووا (عن الأعمش بإسناد جرير) يعني عن إبراهيم عن الحارث عن عبد الله (نحو حديثه) أي نحو حديث جرير (و) لكن (زاد) الراوي عن أبي معاوية (في حديث أبي معاوية) لفظة (قال) النبي ﷺ (نعم والذي نفسي بيده ما على الأرض مسلمٌ) يصيبه أذى من مرض. ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث عائشة بحديث آخر لها ﵂ فقال:
(٢) (٢٥٥٤) (١١٢) (حدثنا زهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم جميعًا عن جرير) بن عبد الحميد (قال زهير حدثنا جرير عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي أبي عثّاب بمثلثة بعدها موحدة الكوفي ثقة من (٥) روى عنه في (١٩) بابا (عن إبراهيم) بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي ثقة من (٥) روى عنه في (١١) بابا (عن الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي ثقة مخضرم من (٢) روى عنه في (٦) أبواب (قال) الأسود (دخل شباب) جمع شاب (من قريش) لم أر من ذكر أسماءهم (على عائشة) ﵂ (وهي) أي والحال أن عائشة (بمنى) أي نازلة بها ومنى موضع معروف بمكة فيها الجمار الثلاث أي دخلوا عليها (وهم) أي والحال أن أولئك الشباب (يضحكون فقالت) لهم عائشة (ما يضحككم) أي أي شيء أضحككم (قالوا) أي قال الشباب أضحكنا (فلان) لم أر من ذكر اسمه أي فلان منّا (خرَّ) وسقط (على طُنُب
[ ٢٤ / ٣٣٢ ]
فُسْطَاطٍ، فَكَادَتْ عُنُقُهُ أَوْ عَينُهُ أَنْ تَذْهَبَ. فَقَالتْ: لَا تَضْحَكُوا. فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "مَا مِن مُسْلِمٍ يُشَاكُ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا، إلا كُتِبَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ".
٦٤٠٦ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَبُو كُرَيبٍ، (وَاللَّفْظُ لَهُمَا). ح
_________________
(١) فسطاط) والطنب بضمتين وسكون الثاني لغة الحبل تشد به الخيمة على الوتد والفسطاط الخيمة الكبيرة (فكادت عنقه) أي قاربت عنقه أن تنكسر (أو) قال الراوي بالشك منه وهو الأسود أو من دونه أي أو قال كادت (عينه أن تذهب) وتنطمس وتعمى (فقالت) لهم (لا تضحكوا) به (فإني سمعت رسول الله ﷺ قال ما من مسلم يشاك شوكة) أي يطعن بشوك شجر شوكة أي مرة (فما فوقها) أي فما فوق المرة (إلا كتبت له بها) أي بتلك الشوكة (درجة) أي حسنة (ومُحيت) أي مسحت (عنه بها خطيئة) أي سيئة من الصغائر قوله "لا تضحكوا" قال النووي فيه النهي عن الضحك عن مثل هذا إلا أن يحصل غلبة لا يمكن دفعه فمذموم لأن فيه إشماتًا بالمسلم وكسرًا لقلبه قوله "إلا كتبت له بها درجة" قال النووي في هذا الأحاديث بشارة عظيمة للمسلمين فإنه قلّما ينفعك الواحد منهم ساعة من شيء من هذه الأمور وفيه تكفير الخطايا بالأمراض والأسقام ومصائب الدنيا وهمومها وإن قلت مشقتها. وفيه رفع الدرجات بهذه الأمور وزيادة الحسنات وهذا هو الصحيح الذي عليه جماهير العلماء وحكى القاضي عن بعضهم أنها تكفر الخطايا فقط ولا ترفع درجة ولا تكتب حسنة وروى نحوه عن ابن مسعود قال الوجع لا يكتب به أجر لكن تكفر به الخطايا فقط واعتمد على الأحاديث التي فيها تكفير الخطايا ولم تبلغه الأحاديث التي ذكرها مسلم المصرّحة برفع الدرجات وكتب الحسنات اهـ والله أعلم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٦/ ٢٧٩] والبخاري في المرضى باب ما جاء في كفارة المرضى [٥٦٤٠] والترمذي في الجنائز باب ما جاء في ثواب المريض [٩٦٥]. ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث عائشة هذا ﵂ فقال:
(٢) (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب واللفظ لهما ح
[ ٢٤ / ٣٣٣ ]
وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ. (قَال إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَال الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا) أَبُو مُعَاويةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالتْ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ: "مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ شَوْكَةٍ فَمَا فَوْقَهَا، إلا رَفَعَهُ اللهُ بِهَا دَرَجَةً، أَوْ حَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً".
٦٤٠٧ - (٠٠) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُميرٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالتْ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ: "لَا تُصِيبُ الْمُؤْمِنَ شَوْكَةٌ فَمَا فَوْقَهَا، إلا قَصَّ اللهُ بِهَا مِنْ خَطِيئَتِهِ"
_________________
(١) وحدثنا إسحاق) بن إبراهيم (الحنظلي) المروزي (قال إسحاق أخبرنا وقال الآخران حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة) ﵂ وهذا السند من سداسياته غرضه بيان متابعة الأعمش لمنصور بن المعتمر (قالت) عائشة (قال رسول الله ﷺ ما يُصيب المؤمن من شوكة) أي طعنة من شوك (فما فوقها) كشوكتين أو ثلاث (إلا رفعه الله بها) أي بتلك الشوكة (درجة) أي منزلة عنده في الجنة (أو حط عنه بها خطيئة). ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا في هذا الحديث فقال:
(٢) (٠٠) حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا محمد بن بشر) بن الفرافصة الكوفي ثقة من (٩) روى عنه في (١١) بابا (حدثنا هشام) بن عروة (عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة) ﵂ وهذا السند من خماسياته غرضه بيان متابعة عروة للأسود بن يزيد (قالت) عائشة (قال رسول الله ﷺ لا تصيب المومن شوكة فما فوقها إلّا قصَّ الله) تعالى وحطَّ عنه (بها من خطيئته) وسيئته الصغيرة. لأن الكبائر لا تغفر إلَّا بالتوبة أو بمحض عفو الله تعالى وقوله: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ يحتمل أن يراد به ما زاد على إصابة الشوكة في الضرر ويحتمل أن يراد به ما كان فوق الشوكة في قلّة الضرر كما في قوله تعالى: ﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ وقال الحافظ في الفتح [١٠/ ١٠٥] وقع لهذا الحديث سبب أخرجه أحمد وصححه أبو عوانة والحاكم من طريق عبد الرحمن بن شيبة العبدري أن عائشة أخبرته أن رسول الله ﷺ طرقه وجع فجعل يتقلب على فراشه ويشتكي فقالت له عائشة لو صنع هذا بعضنا لوجدت عليه فقال
[ ٢٤ / ٣٣٤ ]
٦٤٠٨ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو كُرَيبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويةَ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.
٦٤٠٩ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيفَةَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيرِ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ؛ أَنَّ رَسُول اللهِ ﷺ قَال: لَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ مُصِيبَةٍ حَتَّى الشَّوْكَةِ، إلا قُصَّ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ، أَوْ كُفِّرَ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ"
_________________
(١) إن الصالحين يشدد عليهم هانه لا يصيب المؤمن نكبة وشوكة الحديث والنكبة بالباء العثرة والسقطة. ثم ذكر المؤلف المتابعة ثالثًا فقال:
(٢) (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو كريب حدثنا أبو معاوية حدثنا هشام بهذا الإسناد) يعني عن عروة عن عائشة ﵂ غرضه بيان متابعة أبي معاوية لمحمد بن بشر. ثم ذكر المؤلف المتابعة رابعًا فقال:
(٣) (٠٠) (٠٠) (حدثني أبو الطاهر) أحمد بن عمرو (أخبرنا) عبد الله (بن وهب أخبرني مالك بن أنس عن يزيد) بن عبد الله (بن خصيفة) بفتح الخاء وكسر الصاد وفتح الفاء وفي بعض النسخ بالتصغير ابن عبد الله بن يزيد الكندي المدني ثقة من (٥) روى عنه في (٤) أبواب (عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي ﷺ) ﵂ وهذا السند من سداسياته غرضه بيان متابعة يزيد بن خصيفة لهشام بن عروة (أن رسول الله ﷺ قال لا يصيب المؤمن من مصيبة حتى الشوكة) بالجر عطفًا على لفظ مصيبة لأنّ حتى هنا عاطفة غائية (إلا قُصَّ) بالبناء للمجهول أي حطّ ومُحي (بها) أي بسبب تلك المصيبة (من خطاياه) أي من ذنوبه والمراد بها هنا الصغائر كما مرّ آنفًا (أو) قال الراوي أو من دونه والشك من يزيد بن خصيفة فيما قاله عروة كما سيذكره المؤلف لفظة (كفر) أي ستر (بها من خطاياه) والشك في لفظ قصَّ أو كُفِّر والمعنى واحدٌ قوله "لا يصيب المؤمن " إلخ قد توهم بعض العلماء من هذا الحديث أن الأذى يكفر الخطايا فقط ولكن الصحيح أنه تكتب به الحسنات أيضًا كما صرّح في الأحاديث ومن المقرّر أن الناطق يقضي على الساكت والله أعلم اهـ دهني قوله "إلا قُصَّ
[ ٢٤ / ٣٣٥ ]
لَا يَدْرِي يَزِيدُ أَيَّتُهُمَا قَال عُرْوَةُ.
٦٤١٠ - (٠٠) (٠٠) حدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنَا حَيوَةُ. حَدَّثَنَا ابْنُ الْهَادِ، عَن أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ شَيءٍ يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ، حَتَّى الشَّوْكَة تُصِيبُهُ، إلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً، أَوْ حُطَّتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَة".
٦٤١١ - (٢٥٥) (١١٣) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَبُو كُرَيبٍ. قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ،
_________________
(١) بها" قال النووي هكذا هو في معظم النسخ وفي بعضها نقص وكلاهما صحيح متقارب المعنى اهـ قال مالك بن أنس (لا يدري) ولا يعلم (يزيد) بن خصيفة (أيتهما) أي آية الكلمتين يعني بهما لفظة قص أو كُفِّر (قال عروة) بن الزبير فالشك منه. ثم ذكر المؤلف المتابعة خامسًا في هذا الحديث فقال:
(٢) (٠٠) (٠٠) (حدثني حرملة بن يحيى) بن عبد الله التجيبي المصري (أخبرنا عبد الله بن وهب أخبرنا حيوة) بن شريح بن صفوان التجيبي المصري ثقة من (٧) روى عنه في (٨) أبواب (حدثنا) يزيد بن عبد الله بن أُسامة (بن الهاد) الليثي المدني ثقة من (٥) روى عنه في (١٢) بابا (عن أبي بكر) محمد بن عمرو (بن حزم) الأنصاري الخزرجي النجاريّ المدني ثقة من (٥) روى عنه في (٥) أبواب (عن عمرة) بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية ثقة من (٣) روى عنها في (٦) أبواب (عن عائشة) ﵂ وهذا السند من سباعياته غرضه بيان متابعة عمرة بنت عبد الرحمن لعروة بن الزبير وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض (قالت) عائشة (سمعت رسول الله ﷺ يقول ما منْ شيء يُصيبُ المؤمنَ حتَّى الشوكة تُصيبه إلَّا كتب الله له بها حسنةً أو حُطَّت عنه بها خطيئة). ثم استشهد المؤلف لحديث عائشة الأول بحديثي أبي سعيد وأبي هريرة ﵃ فقال:
(٣) (٢٥٥) (١١٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا حدَّثنا أبو أسامة) حمّاد بن أسامة الهاشمي الكوفي (عن الوليد بن كثير) القرشي المخزومي مولاهم
[ ٢٤ / ٣٣٦ ]
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ، وَلَا نَصَبٍ، وَلَا سَقَمٍ، وَلَا حَزَنٍ، حَتَّى الْهَمِّ يُهَمُّهُ، إلا كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ"
_________________
(١) المدني صدوق من (٦) روى عنه في (١٥) أبواب (عن محمد بن عمرو بن عطاء) القرشي العامري المدني ثقة من (٣) روى عنه في (٥) أبواب (عن عطاء بن يسار) الهلالي مولاهم مولى ميمونة الهلالية ﵂ أبي محمد المدني ثقة من (٣) روى عنه في (٩) أبواب (عن أبي سعيد) الخدري سعد بن مالك المدني ﵁ (وأبي هريرة) ﵁ (أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول) وهذا السند من سداسياته (ما يُصيب المؤمن من وصب) الوصب بفتحتين كالمرض وزنًا ومعنىً (ولا نصب) والنصب كالتعب وزنًا ومعنىً أي لا يصيبه نصب ومرض ولا وصب وتعب (ولا سقم) أي مرض (ولا حزن) والحزن ما يحدث لفقد ما يشق على المرء فقده كالولد (حتَّى الهم يهمه) أي يدخل عليه الهم والهم ما ينشأ عن الفكر فيما يتوقع حصوله مما يتأذى به والغم كرب يحدث للقلب بسبب ما حصل وقيل الهم والغم واحد (إلا كفر) بالبناء للمجهول أي إلا ستر (به) أي بما ذكر من الوصب وما بعده (من سيئاته) أي بعض سيئاته الصغائر. قوله: "حتى الهمّ يهمُّه " بضم الياء وفتح الهاء بالبناء للمجهول أي يقع بسببه في الهم والمقصود من الحديث التسوية بين الحزن الشديد الذي يكون عن فقد محبوب والهم الذي يقلق الإنسان ويشتغل به فكره من شيء يخافه أو ويكرهه في أن كل واحد منهما يكفر به كما قد جمع في هذا الحديث نفسه بين الوصب وهو المرض وبين السقم لكن أطلق الوصب على الخفيف منه والسقم على الشديد ويرتفع الترادف بهذا القدر ومقصود هذه الأحاديث أن الأمراض والأحزان وإن دقت والمصائب وإن قلت أجر المؤمن على جميعها وكفرت عنه بذلك خطاياه حتى يمشي على الأرض وليست له خطيئة كما جاء في الحديث الآخر لكن هذا كله إذا صبر المصاب واحتسب وقال ما أمر الله تعالى به بقوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البقرة: ١٥٦]، فمن كان كذلك وصل إلى ما وعد الله به ورسوله من ذلك اهـ من المفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٢٤٨] والبخاري في المرضى [٥٦٤١ و٥٦٤٢] والترمذي في الجنائز باب ما جاء في ثواب المريض [٩٦٦].
[ ٢٤ / ٣٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وعبارة محمد الدهني قوله "ما يصيب المؤمن من وصب" الوصب الوجع اللازم والنصب التعب والسقم بضم السين وإسكان القاف وفتحهما لغتان وكذلك الحُزن والحَزن فيه لغتان و"يهمه" قال القاضي هو بضم الياء وفتح الهاء بالبناء للمجهول وضبطه غيره يهمه بفتح الياء وضم الهاء أي يغمُّه وكلاهما صحيح اهـ نووي باختصار وفي الحيني الهمُّ هو المكروه يلحق الإنسان بحسب ما يقصده والحزن ما يلحقه بسبب حصول مكروه في الماضي وهما من أمراض الباطن وقيل إن الهم ينشأ عن الفكر فيما يتوقع حصوله مما يتأذى به والحُزن يحدث لفقد ما يشق على المرء فقده اهـ باختصار وفي الأبي السقم المرض الشديد اهـ وفي هذا الحديث وأمثاله رد على قول القائل إن الثواب والعقاب إنما هو على الكسب والمصائب ليست منه بل الأجر على الصبر والرضا بها فإن الأحاديث الصحيحة صريحة في ثبوت الثواب بمجرد حصولها وأما الصبر والرضا فقدر زائد لكن الثواب عليه زيادة على ثواب المصيبة كذا في القسطلاني قوله "حتى الهم يهمه" الرفع والجر جائز فيه قال العيني والجر أظهر والرفع على أنه مبتدأ خبره محذوف تقديره حتى الهم يهمه ويثاب عليه ومثله قوله في الحديث الآتي "حتى النكبة ينكبها" في جواز الوجهين صرَّح به الأبي اهـ. قال القرطبي: "قوله حتى الهمّ يهمُّه" يجوز في الهم الخفض على العطف على لفظ ما قبله والرفع على موضعه فإن من زائدة ويجوز رفعه على الابتداء وما بعده خبره "فأمّا قوله حتى النكبة يُنكبها والشوكة يشاكها" فيجوز فيه الوجهان. كذلك قيدهما المحققون غير أن رفع الشوكة لا يجوز إلّا على الابتداء خاضة لأنّ ما قبلها لا موضع رفع له تقديره حتى الشوكة يثاب عليها فتأمّله وقيده القاضي يُهمُّه بضم الياء وفتح الهاء بالبناء للمجهول وكذا وجدته مقيدًا بخطّ شيخي أبي الصّبر أيوب والذي أذكر أني قرأت به على من أثق به لفظة يهمُّه بفتح الياء وضم الهاء مبنيًّا للفاعل ووجهه واضح إذ معناه حتى الهمّ يصيبه أو يطرأ عليه والنكبة بالباء الموحدة العثرة والسقطة وينكبها بضم الياء وفتح الكاف مبنيًّا للمفعول اهـ من المفهم. ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث عائشة الأول بحديث أبي هريرة ﵁ فقال:
[ ٢٤ / ٣٣٨ ]
٦٤١٢ - (٢٥٥٦) (١١٤) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، كِلاهُمَا عَنِ ابْنِ عُيَينَةَ، (وَاللَّفْظُ لِقُتَيبَةَ)، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ مُحَيصِنٍ، شَيخٍ مِنْ قُرَيشٍ، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ قَيسِ بْنِ مَخْرَمَةَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. قَال: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] بَلَغَتْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَبْلَغًا شَدِيدًا. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ: "قَارِبُوا وَسَدِّدُوا. فَفِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِهِ الْمُسْلِمُ كَفارَةٌ. حَتَّى النَّكْبَةِ يُنْكَبُهَا، أَو الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا".
قَال مُسْلِمٌ: هُوَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
_________________
(١) (٢٥٥٦) (١١٤) (حدَّثنا قتيبة بن سعيد وأبو بكر بن أبي شيبة كلاهما) رويا (عن) سفيان (بن عيينة واللفظ لقتيبة) قال قتيبة (حدَّثنا سفيان) بن عيينة (عن) عمر بن عبد الرحمن (بن محيصن) مصغرًا القرشي السهمي كما قال المؤلف (شيخ من قريش) أبي حفص المقرئ المكي قارئ أهل مكة وقيل اسمه "محمد بن محيصن" روى عن محمد بن قيس بن مخرمة في كفارة المرضى وصفية بنت شيبة وعطاء ويروي عنه (م ت س) وابن عيينة وابن جريج والثوري وغيرهم ذكره ابن حبان في الثقات وقال يخطئ وقال في التقريب مقبول من الخامسة مات سنة [١٢٣] ثلاث وعشرين ومائة (سمع) ابن محيصن (محمد بن قيس بن مخرمة) بن المطفب المطلبي المكي قيل له رؤية روى عن عائشة في الجنائز وأبي هريرة في كفارة المرضى ويروي عنه (م ت س) وعبد الله بن كثير بن المطلب وعمر بن عبد الرحمن بن محيصن وابنه حكيم وابن عجلان وثقه أبو داود وغيره وذكره ابن حبان في الثقات (يُحدّث عن أبي هريرة) ﵁ وهذا السند من خماسياته (قال) أبو هريرة (لما نزلت) آية ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]، (بلغت) ووصلت هذه الآية (من المسلمين) وأثّرت فيهم من الخوف (مبلغًا شديدًا) أي خوفًا شديدًا وشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ (فقال) لهم (رسول الله ﷺ قاربوا) الأكمل في العمل واقتصدوا فيه وتوسّطوا ولا تقصّروا (وسدِّدوا) أي اقصدوا في عملكم السداد والصواب (ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة) أي السقطة (ينكبها) بالبناء للمجهول أي حتى السقطة يسقطها (أو الشوكة يشاكها) بالبناء للمجهول أي يُشاك بها. (قال) الإمام (مسلم) رحمه الله تعالى ابن محيصن (هو عمر بن عبد الرحمن بن
[ ٢٤ / ٣٣٩ ]
مُحَيصِنٍ، مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ.
٦٤١٣ - (٢٥٥٧) (١١٥) حدّثني عُبَيدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيعٍ. حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ الصَّوَّافُ. حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيرِ. حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ
_________________
(١) محيصن من أهل مكة) وهذا من كلام أبي إسحاق تلميذ المؤلف. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٢٤٨] والترمذي [٣٠٤١] وقوله "لما نزلت هذه الآية بلغت من المسلمين مبلغًا شديدًا" قال القرطبي هذا يدل على أنهم كانوا يتمسكون بالعمومات في العلميات كما يتمسكون بها في العمليات وفيه رد على من توقف في ألفاظ العموم وأن "منْ" من ألفاظه وكذلك النكرة في سياق الشرط فإنهم فهموا عموم الأشخاص منْ "مَنْ" وعموم الأفعال السيئة من "سوء" المذكور في سياق الشرط وإنما عظم موقع هذه الآية عليهم لأن ظاهرها أن ما من مكلّف يصدر عنه شرٌ كائنًا ما كان إلّا جوزي عليه يوم الجزاء وإنّ ذلك لا يغفر وهذا أمر عظيم فلمّا رأى النبي ﷺ شدة ذلك عليهم سكّنهم وأرشدهم وبشّرهم فقال قاربوا وسدّدوا أي قاربوا في أفهامكم وسدّدوا في أعمالكم ولا تقلّوا ولا تشدِّدوا على أنفسكم بل بشروا واستبشروا بأن الله تعالى بلطفه قد جعل المصائب التي لا ينفك عنها أحد في هذه الدار شيئًا لكفارة الخطايا والأوزار حتى يرد عليه المؤمن يوم القيامة وقد خلّصه من تلك الأكدار وطهّره من أذى تلك الأقذار فضلًا من الله تعالى ونعمة ولطفًا ورحمة اهـ من المفهم. ثم استشهد المؤلف خامسًا لحديث عائشة الأول بحديث جابر بن عبد الله ﵄ فقال:
(٢) (٢٥٥٧) (١١٥) (حدثني عبيد الله بن عمر) بن ميسرة الجشمي (القواريري) البصري ثقة من (١٠) روى عنه في (١٠) أبواب (حدثنا يزيد بن زُريع) التيمي البصري ثقة من (٨) روى عنه في (١١) بابا (حدثنا الحجاج) بن أبي عثمان ميسرة أو سالم (الصوّاف) الخياط أبو الصلت الكندي البصري ثقة من (٦) روى عنه في (٥) أبواب (حدثني أبو الزبير) المكي محمد بن مسلم الأسدي (حدثنا جابر بن عبد الله) الأنصاري ﵄ وهذا السند من خماسياته (أن رسول الله ﷺ
[ ٢٤ / ٣٤٠ ]
دَخَلَ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ، أَوْ أُمِّ الْمُسَيَّبِ. فَقَال: "مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ، أَوْ يَا أُمَّ الْمُسَيَّبِ، تُزَفْزِفِينَ؟ " قَالتِ: الْحُمَّى. لَا بَارَكَ اللهُ فِيهَا. فَقَال: "لَا تَسُبِّي الْحُمَّى. فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ. كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ"
_________________
(١) دخل على أمّ السائب أو) قال الراوي (أُمّ المسيّب) بالشك من الراوي قيل إنَّها أنصارية لكن قال الحافظ ابن حجر في الإصابة [٤/ ٤٣٦] ذكرها ابن كعب في قبائل العرب بين المهاجرين والأنصار ولم أر أحدًا ذكر اسمها (فقال) لها رسول الله ﷺ (ما لكِ) بكسر الكاف خطابًا للمؤنث أي أيُّ شيء ثبت لك (يا أُمَّ السائب أو يا أمّ المسيب) حالة كونك (تزفزفين) بضم التاء من زفزف الرباعي من باب زلزل وبفتحها من باب تدحرج ماضيه تزفزف مضارعه تتزفزف حذفت إحدى التاءين أي ترتعدين وتتحركين حركة شديدة (قالت) أمّ السائب له ﷺ (الحمَّى) تزفزفني وتضطربني (لا بارك الله فيها فقال) لها النبي ﷺ (لا تسبِّي الحمَّى فإنها تُذهب خطايا بني آدم) وتزيلها (كما يُذهب الكير) بكسر الكاف منفاخ الحدّاد (خبث الحديد) ورديئه ووسخه. قال القرطبي قوله: "تُزفزفين" جميع رواة مسلم روى هذه الكلمة بالزاي والفاء من الزفزفة وهي صوت حفيف الريح يقال زفزفت الريح الحشيش أي حرّكته وزفزف النّعام في طيرانه أي حرّك جناحيه ثم إن الرواية الصحيحة في مسلم بالزايين المعجمتين وقد رواه بعضهم برائين وفائين من الرفرفة وبعضهم برائين وقافين من الرقرقة قال أبو مروان بن سرّاج يقال بالقاف وبالفاء بمعنى واحد معنى ترعدين من الرّعدة وهي رعشة في الجسم تكون من فزع أو مرض قلت ورواية الفاء والزاي أشهر رواية وأصح معنى وذلك أن الحمّى تكون معها حركة ضعيفة وحس صوت يشبه الزفزفة التي هي حركة الريح وصوتها في الشجر وقالوا ريح زفزافة وزفزف وأما الرقرقة بالراء والقاف وهي التلألؤ واللمعان ومنه رقراق السّراب ورقراق الماء ما ظهر من لمعانه غير أنه لا يظهر لمعانه إلا إذا تحرك وجاء وذهب فلهذا حسن أن يقال مكان الزقراقة لكن تفارق الزفزفة الرقرقة بأنّ الزفزفة معها صوت وليس ذلك مع الرقرقة فانفصلا. قوله "لا تسبّي الحُمّى" مع أنّها لم تصرح بسبّ الحمّى وإنما دعت عليها بـ "لا بارك الله فيها" غير أن مثل هذا الدعاء يتضمن تنقيص المدعوّ عليه وذمّه فصار ذلك
[ ٢٤ / ٣٤١ ]
٦٤١٤ - (٢٥٥٨) (١١٦) حدَّثنا عُبَيدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَبِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ. قَالا: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ، أَبُو بَكْرٍ. حَدَّثَنِي. عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ. قَال: قَال لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلا أُرِيكَ امْرَأَة مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَال: هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ
_________________
(١) كالتصريح بالذمّ والسبّ وقوله "فإنها تذهب خطايا بني آدم" هذا تعليل لمنع سبّ الحمى لما يكون عنها من الثواب فيتعدى ذلك لكل مشقة أو شدة يرتجى عليها ثواب فلا ينبغي أن يذم شيء من ذلك ولا يسبّ وحكمة ذلك أن سبّ ذلك إنما يصدر في الغالب عن الضجر وضعف الصبر أو عدمه وربما يفضي بصاحبه إلى السخط المحرّم مع أنه لا يفيد ذلك فائدة ولا يخفف ألمًا قوله "كما يذهب الكير خبث الحديد" هذا من أجمل التشبيه وأحسنه فإن الكير يذهب الصدأ بحرارته كما أن الحمّى تكفّر الخطايا بسخونتها اهـ من المفهم مع زيادة وهذا الحديث مما انفرد به مسلم من بين الأئمة الستّة ثم استشهد المؤلف سادسًا لحديث عائشة الأول بحديث ابن عباس ﵄ فقال:
(٢) (٢٥٥٨) (١١٦) (حدَّثنا عبيد الله بن عمر) بن ميسرة الجشمي (القواريري) البصري (حدَّثنا يحيى بن سعيد) بن فرّوخ القطان (وبشر بن المفضّل) بن لاحق الرقاشي البصري ثقة من (٨) روى عنه في (١٣) بابا (قالا حدثنا عمران) بن مسلم المنقري بكسر الميم وسكون النون (أبو بكر) البصري القصير صدوق من (٦) روى عنه في (٣) أبواب (حدّثني عطاء بن أبي رباح) أسلم القرشي المكي ثقة من (٣) روى عنه في (١٠) أبواب (قال) عطاء (قال لي ابنُ عباس) ﵄ وهذا السند من خماسياته (ألا) الهمزة للاستفهام التقريري ولا نافية (أُريك) بضم الهمزة من الإراءة (امرأة من أهل الجنة) قال عطاء (قلت) له (بلى) أرني لأن بلى حرف يجاب بها النفي فيكون إثباتًا (قال) ابن عباس تلك المرأة التي كانت من أهل الجنة هي (هذه المرأة السوداء) وأخرجه أبو موسى في الذيل فأراني حبشية صفراء عظيمة فقال هذه سعيرة الأزدية فأفاد أن اسمها سعيرة ووقع في آخر الحديث عند البخاري أن كنيتها أم زفر وذكر ابن سعد وعبد الغني في المبهمات من طريق الزبير أن هذه المرأة ماشطة خديجة التي كانت تتعاهد النبي ﷺ بالزيارة ذكره الحافظ في فتح الباري [١٠/ ١١٥] وظاهر هذا الحديث أن المرأة كانت سافرة "أي كاشفة" وجهها ولم ينكر عليها ابن عباس ففيه دليل على أن وجه المرأة
[ ٢٤ / ٣٤٢ ]
أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ قَالتْ: إِنِّي أُصْرَعُ. وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ. فَادْعُ اللهَ لِي. قَال: "إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ. وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُعَافِيَكِ". قَالتْ: أَصْبِرُ. قَالتْ: فَإِنِّي أَتَكَشَفُ. فَادْعُ اللهَ أَنْ لَا أَتَكَشفَ، فَدَعَا لَهَا.
٦٤١٥ - (٢٥٥٩) (١١٧) حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَهْرَامَ الدَّارِمِيُّ. حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، (يَعْنِي ابْنَ
_________________
(١) ليس داخلًا في الحجاب كما هو مذهب الحنفية غير أنها تمنع من ذلك خشية الفتنة والله أعلم (أتت النبي ﷺ قالت إنّي أصرع) بالبناء للمجهول أي يغمى على وأسقط على الأرض (وإنّي أتكشّف) أو ربما تنكشف عورتي في حالة الصرع والإغماء من حيث لا أشعر تعني بلا اختيار (فادع الله لي) يا رسول الله أن يعافيني من هذا المرض (قال) لها النبي ﷺ (إن شئت صبرت) على هذا المرض (ولك الجنة) على الصبر عليه فيه دليل على أن التداوي ليس بواجب وعلى أن الأخذ بالعزيمة أفضل من الأخذ بالرخصة لمن علم من نفسه الطاقة ولم يضعف من التزام الشدة وأما من ضعف عن ذلك فالأفضل له الأخذ بالرخصة وإنما جزم ابن عباس بكونها من أهل الجنة من جهة أن النبي ﷺ بشرها بذلك عند الصبر على الصرع وقد فعلت اهـ من التكملة وهذا الحديث يشهد لما قلنا أولًا من أن الأجور على الأمراض والمصائب لا تحصل إلا لمن صبر واحتسب اهـ من المفهم (وإن شئت دعوت الله أن يعافيك) الله من مرضك (قالت) المرأة بلى (أصبر) عليه (قالت) ولكن (فإني أتكشف) عند الصرع (فادع الله لي أن لا أتكشّف) أي أن لا تنكشف عورتي عند الصرع (فدعا لها) رسول الله ﷺ أن لا تنكشف عورتها عند الصرع قال الأبي ودعاؤه لها بأن لا تنكشف لا ينافي صبرها ولها الجنة اهـ. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [١/ ٣٤٧] والبخاري في المرضى باب فضل من يصرع من الريح [٥٦٥٢]. ثم استدل المؤلف على الجزء الثاني من الترجمة أعني تحريم الظلم بحديث أبي ذر ﵁ فقال:
(٢) (٢٥٥٩) (١١٧) (حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن) بن الفضل (بن بهرام الدارمي) السمرقندي ثقة من (١١) روى عنه في (١٤) بابا (حدثنا مروان يعني ابن
[ ٢٤ / ٣٤٣ ]
مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيَّ)، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ رَبِيعةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلانِيِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فِيمَا رَوَى عَنِ اللهِ ﵎ أَنَّهُ قَال: "يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَينَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالمُوا. يَا عِبَادِي، كُلُّكُم ضَالٌّ إلا مَنْ هَدَيتُهُ
_________________
(١) محمد) بن حسّان الأسدي (الدمشقي) ثقة من (٩) روى عنه في (٤) أبواب (حدثنا سعيد بن عبد العزيز) التنوخي الدمشقي ثقة من (٧) روى عنه في (٤) أبواب (عن ربيعة بن يزيد) القصير الأيادي أبي شعيب الدمشقي ثقة من (٤) روى عنه في (٧) أبواب (عن) عائذ الله بن عبد الله بن عمرو الشامي (أبي إدريس الخولاني) العوذي بفتحتين آخره معجمة ثقة من (٣) روى عنه في (٨) أبواب (عن أبي ذر) الغفاري الربذي ﵁ (عن النبي ﷺ فيما) أي في الحديث القدسي الذي (روى) النبي ﷺ لفظه (عن الله تبارك) أي تزايد خيره مرة بعد مرة وعم إحسانه برًا وفاجرًا (وتعالى) أي ترفع عن كل ما لا يليق به وهذا السند من سداسياته (أنّه) تعالى (قال يا عبادي إنّي حرمت الظلم) الذي هو وضع الشيء في غير موضعه (على نفسي) المقدسة قال النووي معناه تقدّست عن الظلم وتعاليت عنه والحق أن تحريم الله الظلم على نفسه صفة ثابتة له نثبتها ونعتقدها لا نكيفها ولا نمثلها ليس كمثله شيء وهو السميع البصير قال العيني أصل الظلم الجور ومجاوزة الحد ومعناه الشرعي وضع الشيء في غير موضعه وقيل التصرف في ملك الغير بغير إذنه أقول كلاهما محال على الله تعالى ولما كان تحريم الشيء يقتضي المنع منه سمى الله تعالى تنزهه عنه وامتناعه عليه تحريمًا مشاكلة لما بعده اهـ والله أعلم. (وجعلته) أي جعلت الظلم (بينكم محرمًا فلا ثظالموا) أي فلا يظلم بعضكم بعضًا أصله فلا تتظالموا حذفت إحدى التاءين تخفيفًا لتوالي الأمثال (يا عبادي كلكم ضمالٌّ) أي مخطئون عن طريق الهدى (إلا من هديته) إي إلا من دللته على طريق الهدى قال المازري ظاهر هذا أنهم خُلقوا على الضلال إلا من هداه الله تعالى وفي الحديث المشهور كل مولود يولد على الفطرة فقد يكون المراد بالأول وصفهم بما كانوا عليه قبل مبعث محمد ﷺ وأنهم لو تركوا وما في طباعهم من إيثار الشهوات والراحة وإهمال النظر في مصنوعات الله تعالى لضلوا وهذا الثاني أظهر اهـ نووي
[ ٢٤ / ٣٤٤ ]
فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي، كلُّكُمْ جَائِعٌ إلا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ عَارٍ إلا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا. فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ. يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتنْفَعُونِي. يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ
_________________
(١) (فاستهدوني) أي فاطلبوا مني الهداية (أهدكم) أي أوفقكم طريق الهداية (يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته) أي إلا من رزقته الطعام (فاستطعموني) أي فاطلبوا مني الإطعام (أطعمكم) أي أرزقكم الطعام (يا عبادي كلكم عار) أي عارون من اللباس والستر (إلا من كسوته) أي إلا من رزقته الكسوة (فاستكسوني) أي فأطلبوا مني الكسوة (أكسكم) أي أعط لكم الكسوة. قال القرطبي: وحاصل معنى قوله ﷿ "كلكم ضال إلا من هديته وكلكم جائع وكلكم عار" التنبيه على فقرنا وعجزنا عن جلب منافعنا ودفع مضارّنا بأنفسنا إلا أن ييسر الله ذلك لنا بأن يخلق ذلك لنا ويعيننا عليه ويصرف عنا ما يضرنا وهو تنبيه على معنى قوله "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" كما رواه الطبراني في الكبير [٢١/ ٣٦٤] ومع ذلك فقال في آخر الحديث يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم ومن وجد خيرًا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه تنبيهًا على أن عدم الاستقلال بإيجاد الأعمال لا يناقض خطاب التكليف بها إقدامًا عليها وإحجامًا عنها ونحن وإن كنا نعلم أن لا نستقل بأفعالنا نحس بوجدان الفرق بين الحركة الضرورية والاختيارية وتلك التفرقة راجعة إلى تمكن محسوس وتأت معتاد يوجد مع الاختيارية ويفقد مع الضرورية وذلك هو المعبر عنه بالكسب وهو مورد التكليف فلا تناقض ولا تعنيف اهـ من المفهم. (يا عبادي إنَّكم تخطئون) وتذنبون (بالليل والنهار) أي فيهما (وأنا أغفر الذنوب جميعًا) أي كلها (فاستغفروني أغفر لكم يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضُرّي) أي درجته (فتضرُّوني) بمعاصيكم (ولن تبلغوا) درجة (نفعي فتنفعوني) بطاعتكم "قوله إنكم تخطئون" قال النووي الرواية المشهورة تخطئون بضم التاء ورُوي بفتحها وفتح الطاء يقال خطئ يخطأ إذا فعل ما يأثم به فهو خاطئ ومنه قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ ويُقال في الإثم أيضًا أخطأ فهمًا صحيحان اهـ منه (يا عبادي لو أن أولكم
[ ٢٤ / ٣٤٥ ]
وَآخِرَكُمْ وَإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيئًا. يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ. وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ. كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ. مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيئًا. يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَألُونِي. فَأَعْطَيتُ كُلَ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ. يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ،
_________________
(١) وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على) تقوى (أتقى قلب رجل واحد منكم) وهو سيدنا محمد ﷺ (ما زاد ذلك) الذي كنتم عليه من التقوى (في ملكي شيئًا) لأنّي غني عن عبادتكم وتقواكم (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على) فجور (أفجر) وأقسى (قلب رجل واحد منكم) وهو إبليس اللعين (ما نقص ذلك) الذي كنتم عليه من الفجور. (من ملكي شيئًا يا عبادي لو أنّ أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم قاموا) اجتمعوا (في صعيد) وفضاء (واحد فسألوني) حوائجهم الجمّة المختلفة (فأعطيت كل إنسان) منكم (مسألته) أي مسؤوله (ما نقص ذلك) الذي أعطيتهم (مما عندي) من خزائن الرزق (إلا كما ينقص) أي إلا مثل ما ينقص (المخيط) أي الإبرة من ماء البحر (إذا أُدخل) ذلك المخيط في ماء البحر أي إلا قدر ما يعلق بالمخيط من بلل الماء قال النووي قال العلماء هذا تقريب إلى الأفهام ومعناه لا ينقص شيئًا أصلًا كما قال في الحديث الآخر "لا يغيضها نفقة" لأن ما عند الله تعالى لا يدخله نقص وإنما يدخل النقص المحدود الفاني وعطاء الله تعالى من رحمته وكرمه وهما صفتان قديمتان لا يتطرق إليهما نقص فضرب المثل بالمخيط في البحر لأنه غاية ما يضرب به المثل في القلة والمقصود التقريب إلى الأفهام بما شاهدوه فإن البحر من أعظم المرئيات عيانًا وأكبرها والإبرة من أصغر الموجودات مع أنها صقيلة لا يتعلق بها ماء اهـ منه وعبارة الدهني وهذا تمثيل للتقريب إلى الأفهام وليس على حقيقته فكيف والبحر محدود ومتناه وينفد وما عنده سبحانه غير محدود ولا متناهٍ ولا ينفد اهـ. (يا عبادي إنما هي) أي القصة لأن ضمير الشأن إذا أُنث يعبر بالقصة وإذا ذكر يعبر بالشأن (أعمالكم) مبتدأ خبره جملة قوله (أُحصيها) وأضبطها (لكم) بقلم الحفظة في الدنيا أي جزاء لكم عليها والجملة الاسمية مفسرة لضمير القصة
[ ٢٤ / ٣٤٦ ]
ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا. فَمَنْ وَجَدَ خَيرًا فَلْيَحْمَدِ اللهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ".
قَال سَعِيدٌ: كَانَ أَبُو إِدْرِيس الْخَوْلانِيُّ، إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ، جَثَا عَلَى رُكْبَتَيهِ.
٦٤١٦ - (٠٠) (٠٠) حدّثنيه أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ. حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ. حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. غَيرَ أَنَّ مَرْوَانَ أَتَمُّهُمَا حَدِيثًا.
قَال أَبُو إِسْحَاقَ: حَدَّثَنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ الْحَسَنُ
_________________
(١) خبر له (ثمّ أوفيكم) وأكملكم وأوفركم (إياها) أي جزاءها يوم القيامة أي أُعطيكم جزاءها يوم القيامة وافرًا كاملًا إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر (فمن وجد) ووفق منها (خيرًا فليحمد الله) تعالى على توفيقه الخير (ومن وجد) من أعماله (غير ذلك) أي غير الخير وهو الشر (فلا يلومن إلَّا نفسه) الأمارة بالسوء (قال سعيد) بن عبد العزيز عن ربيعة كان أبو إدريس الخولاني إذا حدّث بهذا الحديث جثا) أي جلس (على ركبتيه) إجلالًا لهذا الحديث القدسي الشريف. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٥/ ١٦٠] والترمذي [٢٤٩٥] وابن ماجه [٤٢٥٧]. ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أبي ذر ﵁ فقال:
(٢) (٠٠) (٠٠) (حدّثنيه) أي حدثني هذا الحديث المذكور (أبو بكر) محمد (بن إسحاق) الصاغاني البغدادي ثقة ثبت من (١١) روى عنه في (٨) أبواب (حدثنا أبو مسهر) عبد الأعلى بن مسهر بن عبد الأعلى الغسّاني الدمشقي عالمها ثقة من (١٠) روى عنه في (٣) أبواب (حدثنا سعيد بن عبد العزيز بهذا الإسناد) يعني عن ربيعة عن أبي إدريس عن أبي ذر مثله غرضه بيان متابعة أبي مسهر لمروان بن محمد (غير أن) أي لكن أن (مروان) بن محمد (أتمهما) أي أتمّ الراويين يعني المتابع والمتابع أي أكثرهما وأطولهما (حديثًا) أي متنًا قال أبو أحمد محمد بن عيسى الجلودي النيسابوري (قال) لنا (أبو إسحاق) إبراهيم بن سفيان النيسابوري الفقيه تلميذ الإمام مسلم وراوية جامعه (حدثنا بهذا الحديث) يعني حديث أبي ذر (الحسن) بن بشر السلمي قاضي نيسابور صدوق من (١١) مات سنة (٣٤٤) لم يصح أن مسلمًا روى عنه وإنما روى عنه تلميذه
[ ٢٤ / ٣٤٧ ]
وَالْحُسَينُ، ابْنَا بِشْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى. قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ. فَذَكَرُوا الْحَدِيثَ بِطُولِهِ.
٦٤١٧ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. كِلاهُمَا عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ. حَدَّثَنَا هَمَّامٌ. حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ، فِيمَا يَرْوي عَنْ رَبِّهِ ﵎: "إِنِّي حَرَّمْتُ عَلَى نَفْسِي الظُّلْمَ وَعَلَى عِبَادِي. فَلَا تَظَالمُوا". وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوهِ. وَحَدِيثُ أَبِي إِدْرِيس الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَتَمُّ مِنْ هَذَا
_________________
(١) أبو إسحاق بن سفيان الرّاوي عن مسلم في مواضع علا فيها إسناده في الطلاق والوصايا والإمارة والبر والصلة وغيرها اهـ تقريب (و) كذا أخوه (الحسين ابنا بشر ومحمد بن يحيى) بن سعيد القطان أبو صالح البصري ثقة من (١٠) روى عنه في المقدمة (قالوا) أي قال كلّ من الحسن والحسين ومحمد بن يحيى (حدثنا أبو مسهر) عن سعيد بن عبد العزيز بهذا الإسناد (فذكروا) أي فذكر أولئك الثلاثة (الحديث) السابق (بطوله) أي بتمامه. ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا في حديث أبي ذر ﵁ فقال:
(٢) (٠٠) (٠٠) (حدثنا إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي (ومحمد بن المثنى كلاهما عن عبد الصمد بن عبد الوارث) العنبري البصري صدوق من (٩) روى عنه في (١٦) بابا (حدثنا همام) بن يحيى بن دينار الأزدي العوذي ثقة من (٧) روى عنه في (١٢) بابا (عن قتادة) بن دعامة السدوسي البصري ثقة من (٤) روى عنه في (٢٥) بابا (عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد بن عمرو بن عامر الجرمي البصري ثقة من (٣) روى عنه في (١١) بابا (عن أبي أسماء) الرحبي عمرو بن مرثد الدمشقي ثقة من (٣) روى عنه في (٧) أبواب (عن أبي ذر) الغفاري ﵁ وهذا السند من سباعياته غرضه بيان متابعة أبي أسماء لأبي إدريس الخولاني (قال) أبو ذر (قال رسول الله ﷺ فيما يروي) أي في الحديث الذي يروي لفظه (عن ربه ﵎: إني حرّمت على نفسي الظلم وعلى عبادي) أيضًا (فلا تظالموا وساق) أي ذكر أبو أسماء (الحديث) السابق (بنحوه) أي بنحو حديث أبي إدريس وقريبه (و) لكن (حديث أبي إدريس الذي ذكرناه) آنفًا (أتمّ) أي أطول متنًا (من هذا) الذي ذكره أبو أسماء. ثم استشهد المؤلف لحديث أبي ذر بحديث جابر بن عبد الله ﵃ فقال:
[ ٢٤ / ٣٤٨ ]
٦٤١٨ - (٢٥٦٠) (١١٨) حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ. حَدَّثَنَا دَاوُدُ، (يَعْنِي ابْنَ قَيس)، عَنْ عُبَيدِ اللهِ بْنِ مِقْسَمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "اتَّقُوا الظُّلْمَ. فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَاتَّقُوا الشُّحَّ. فَإِن الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَمَلَهُم عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ"
_________________
(١) (٢٥٦٠) (١١٨) (حدَّثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب) الحارثي المدني ثقة من (٩) روى عنه في (٩) أبواب (حدثنا داود يعني ابن قيس) الفرّاء الدّباغ القرشي مولاهم أبو سليمان المدني ثقة من (٥) روى عنه في (٥) أبواب (عن عبيد الله بن مقسم) القرشي مولاهم مولى ابن أبي نمر ثقة من (٤) روى عنه في (٥) أبواب (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري ﵄ وهذا السند من رباعياته (أن رسول الله ﷺ قال اتّقوا الظلم) بأخذ مال الغير بغير حق أو بالتناول من عرضه أو بغير ذلك (فإن الظلم ظلمات) أي فإنما نشأ الظلم من ظلمات القلب لأنه لو استنار بنور الهدى لاعتبر فإذا سعى المتقون بنورهم الذي حصل لهم بسبب التقوى اكتنفت ظلمات الظلم بالظالم حيث لا يغني عنه ظلمه شيئًا قال ابن مسعود ﵁ يؤتى بالظلمة فيوضعون في تابوت من نار ثم يزجون فيها اهـ قسطلاني قال القرطبي ظاهره أن الظالم يعاقب يوم القيامة بأن يكون في ظلمات متوالية يوم يكون المؤمنون في نور يسعى بين أيديهم وبأيمانهم حين ﴿يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ فيقال لهم: ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد: ١٣]، وقيل إن معنى الظلمات هنا الشدائد والأهوال التي يكونون فيها كما فسر بذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٦٣]، أي من شدائدهما وآفاتهما والأول أظهر اهـ من المفهم والمعنى خافوا عقوبة الظلم فإن عقوبة الظلم ظلمات تكون فيها الظلمة يوم القيامة (واتقوا الشحّ) أي واجتنبوا الشح والبخل عن أداء الواجبات المالية كالزكاة والكفارة وغرامة المتلفات (فإن الشحَّ) والبخل عن الواجبات (أهلك من كان قبلكم) من الأمم (حملهم) أي بعثهم الشح والحرص على الدنيا (على أن سفكوا) وأراقوا (دماءهم) أي على أن يريق بعضهم دماء بعض (و) حملهم الشحّ أيضًا على أن (استحلّوا) فروج (محارمهم) أو على أن استحلوا قطيعة محارمهم للحرص على الدنيا.
[ ٢٤ / ٣٤٩ ]
٦٤١٩ - (٢٥٦١) (١١٩) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ. حَدَّثَنَا شَبَابَةُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الْمَاجِشُونُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ: "إِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"
_________________
(١) قال القرطبي: الشحّ الحرص على تحصيل ما ليس عندك والبخل الامتناع من إخراج ما حصل عندك وقيل إن الشح هو البخل مع حرصٍ قال النووي وقال جماعة الشح أشد البخل وأبلغ في المنع من البخل وقيل الشخ هو البخل مع الحرص وقيل البخل في أفراد الأمور والشح عام وقيل البخل في أفراد الأمور والشح بالمال والمعروف وقيل الشحّ الحرص على ما ليس عنده والبخل بما عنده اهـ. قال القرطبي: "قوله حملهم على أن سفكوا دماءهم" إلخ هذا هو الهلاك الذي حملهم عليه الشخ لأنهم تما فعلوا ذلك أتلفوا دنياهم وأخراهم وهذا كما قال في الحديث الآخر "إيّاكم والشحّ فإنه أهلك من كان قبلكم أمرهم بالبخل فبخلوا وأمرهم بالقطيعة فقطعوا وأمرهم بالفجور ففجروا" أي حملهم على ذلك رواه أبو داود [١٦٩٨] اهـ من المفهم وهذا الحديث مما انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى. ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي ذر بحديث ابن عمر ﵃ فقال:
(٢) (٢٥٦١) (١١٩) (حدّثني محمد بن حاتم) بن ميمون السمين البغدادي صدوق من (١٠) روى عنه في (١١) بابا (حدثنا شبابة) بن سوّار المدائني أبو عمرو الفزاري ثقة من (٩) روى عنه في (١٠) أبواب (حدَّثنا عبد العزيز) بن عبد الله بن أبي سلمة (الماجشون) التيمي مولاهم المدني ثقة من (٧) روى عنه في (١٥) أبواب (عن عبد الله بن دينار) العدوي مولاهم المدني ثقة من (٤) روى عنه في (٦) أبواب (عن ابن عمر) ﵄ وهذا السند من خماسياته (قال) ابن عمر (قال رسول الله ﷺ إنَّ الظلم ظلمات) على أصحابه (يوم القيامة). وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [/ ٢ ٩١] والبخاري في المظالم باب الظلم ظلمات يوم القيامة [٢٤٤٧] والترمذي في البر والصلة باب ما جاء في الظلم [٢٠٣١]. ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أبي ذر بحديث آخر لابن عمر ﵄ فقال:
[ ٢٤ / ٣٥٠ ]
٦٤٢٠ - (٢٥٦٢) (١٢٠) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيثٌ، عَنْ عُقَيلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمٍ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ. مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ. وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"
_________________
(١) (٢٥٦٢) (١٢٠) (حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث) بن سعد (عن عقيل) بن خالد الأموي المصري (عن الزهري عن سالم) بن عبد الله بن عمر (عن أبيه) عبد الله وهذا السند من سداسياته (أن رسول الله ﷺ قال المسلم) أي جنس المسلم فتدخل فيه المسلمة (أخو المسلم) في الدين (لا بظلمه) في نفسه وعرضه وماله (ولا يُسلمه) بضم الياء من أسلم الرباعي يقال أسلم فلان فلانًا إذا ألقاه إلى التهلكة ولم يحمه من عدوه اهـ عيني يعني أن الهمزة للإزالة والسلب كما أشكيته أي لا يزيل سلامته بإلقائه إلى التهلكة وترك نصره على عدوه. (من كان في) قضاء (حاجة أخيه) المسلم كان الله) سبحانه (في) قضاء (حاجته) بأن أعانه عليها ولطف به فيها (ومن فرّج) وأزال (عن مسلم كربة) واحدة من كربه أي شدة وضيقًا بماله أو جاهه أو مساعدته (فرّج الله عنه) أي عن ذلك المفرّج (بها) أي بسبب تفريجه كربة أخيه المسلم (كربة) أي شدة له (من كرب يوم القيامة) أي من شدائده (ومن ستر مسلمًا) على قبيح فعله غير معروف بالأذى والفساد (ستره) أي ستر الله سبحانه عيوب ذلك الساتر (يوم القيامه) فلا يفضحه على رؤوس الأشهاد في ذلك اليوم الفاضح بل يستره على عيوبه جزاءً له على ستره عيب أخيه المسلم. "قوله ومنْ فرَّج عن مسلم كربةً" وفي الحديث فضل إعانة المسلم وتفريج الكرب عنه وستر زلاته ويدخل في كشف الكربة وتفريجها من أزالها بماله أو جاهه أو مساعدته والظاهر أنه يدخل فيه من أزالها بإشارته ورأيه ودلالته قال الحافظ في الفتح [٥/ ٩٧] قوله "ومن ستر مسلمًا" أي إذا رآه على قبيح فلم يظهره أي للناس بأن يستره وليس في هذا ما يقتضي ترك الإنكار عليه فيما بينه وبينه ويحمل الأمر في جواز الشهادة عليه بذلك على ما إذا أنكر عليه ونصحه فلم ينته عن قبيح فعله ثم جاهر به كما أنه مأمور بأن يستتر إذا وقع منه شيء فلو توجه إلى الحاكم وأقرّ لم يمتنع ذلك والذي يظهر أن الستر محله
[ ٢٤ / ٣٥١ ]
٦٤٢١ - (٢٥٦٣) (١٢١) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ. قَالا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، (وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ)، عَنِ الْعَلاءِ، عَنْ أَبِيهِ،
_________________
(١) في معصية قد انقضت والإنكار في معصية قد حصل التلبس بها فيجب الإنكار عليه وإلَّا رفعه إلى الحاكم وليس من الغيبة المحرّمة بل من النصيحة الواجبة وفيه إشارة إلى ترك الغيبة لأن من أظهر مساوئ أخيه لم يستره اهـ. وقال النووي: وأما الستر المندوب إليه هنا فالمراد به الستر على ذوي الهيئات ونحوهم ممن ليس هو معروفًا بالأذى والفساد فأما المعروف بذلك فيستحب أن لا يستر عليه بل ترفع قضيته إلى ولي الأمر إن لم يخف من ذلك مفسدة لأن الستر على هذا يُطمعه في الإيذاء والفساد وانتهاك الحرمات وجسارة غيره على مثل فعله هذا كله في ستر معصية وقعت وانقضت أما معصية رآه عليها وهو مُتَلَبِّس بها بعد فتجب المبادرة بإنكارها عليه ومنعه منها على من قدر على ذلك ولا يحل تأخيرها فإن عجز لزمه رفعها إلى ولي الأمر إذا لم يترتب على ذلك مفسدة اهـ وأمّا جرح الرواة والشهود والأمناء على الصدقات والأوقاف والأيتام ونحوهم فيجب جرحهم عند الحاجة ولا يحل الستر عليهم إذا رأى منهم ما يقدح في أهليتهم. والحاصل أن الستر محله المعصية الانفرادية التي لا يتعدى أثرها إلى غير المرتكب والتي لا يجاهر بها ولا يصرُّ عليها أما المعاصي التي يتعدى أثرها إلى غيره أو التي يجاهر بها ويصرّ عليها فلا ثم إن الستر في محل مستحب فلو رفعه إلى السلطان لم يأثم بالإجماع ولكئه خلاف الأولى ذكره النووي. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٩١] والبخاري في المظالم [٢٤٤٢] وفي الإكراه [٦٩٥١] وأبو داود في الأدب [٤٨٩٣] والترمذي في الحدود [١٤٢٦]. ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث أبي ذر بحديث أبي هريرة ﵄ فقال:
(٢) (٢٥٦٣) (١٢١) (حدثنا قتيبة بن سعيد وعليّ بن حجر) بن إياس السعدي المروزي ثقة من (٩) روى عنه في (١١) بابا (قالا حدَّثنا إسماعيل وهو ابن جعفر) بن أبي كثير الزرقي المدني ثقة من (٨) روى عنه في (١٢) بابا (عن العلاء) بن عبد الرحمن بن يعقوب الجهني المدني صدوق من (٥) روى عنه في (٤) أبواب (عن أبيه)
[ ٢٤ / ٣٥٢ ]
عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "أتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ " قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ. فَقَال: "إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي، يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا. فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ. فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ، قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ"
_________________
(١) عبد الرحمن بن يعقوب الجهني المدني ثقة من (٣) (عن أبي هريرة) ﵁ وهذا السند من خماسياته (أنّ رسول الله ﷺ قال أتدرون) أي هل تعلمون جواب (ما) هو (المفلس قالوا) أي الحاضرون (المفلس فينا) أي في علمنا وعُرفنا هو (من لا درهم) ولا دينار يتعامل فيه (له ولا متاع) ولا بضاعة يتجر فيه (فقال) رسول الله ﷺ ليس الأمر كذلك بل (أن المفلس منْ أمتي) منْ (يأتي) على الله (يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي) والحال أنه (قد شتم) وسبَّ (هذا) بما لا يوجب الحد (وقذف هذا) بما يوجب الحد (وكل مال هذا) ظلمًا (و) قد (سفك) وأراق (دم هذا) عدوانًا (وضرب هذا) ظلمًا «فيُعطى هذا) المظلوم شتمًا وقذفًا ومالًا (من) بعض (حسناته وهذا) المظلوم أيضًا دمًا وضربًا (من) بعض (حسناته) الأخرى (فإن فنيت حسناته) أي فإذا وُزعت حسناته على أرباب الحقوق وغلِّقت (قبل أن يقضي) ويوفّي (ما عليه) من الظلامات (أُخذ من خطاياهم) أي من خطايا المظلومين ومعاصيهم (فطُرحت) تلك الخطايا وحمِّلت (عليه) أي على ذلك الظالم المفلس (ثمَّ طُرح) وقذف بمعاصيهم (في النَّار) والعذاب الأليم وقد أفلس من حسناته وارتكبته ديون معاصيهم قوله "إنَّ المفلس من أمتي " إلخ يعني أن المفلس الحقيقي هو هذا وإن كان الناس يسمون من لا مال له مفلسًا فإن من أعوز المال وفقده فإن ضرره يسير وسوف ينقطع يومًا ما وأما هذا الرّجل الذي فقد حسناته كلها وحضل ذنوب غيره فقد خسر خسرانًا لا يتدارك اهـ نووي بتصرف "قوله أُخذ من خطاياهم" إلخ قال المازري وزعم بعض المبتدعة أن هذا الحديث معارض لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى﴾ وهذا الاعتراض منه غلط وجهالة بينة منه لأنه إنما عوقب بفعله ووزره وظلمه فتوجّهت عليه حقوق لغرمائه فدفعت إليهم من حسناته فلما فرغت وبقيت بقية قوبلت على حسب ما اقتضته حكمة الله تعالى في خلقه
[ ٢٤ / ٣٥٣ ]
٦٤٢٢ - (٢٥٦٤) (١٢٢) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، (يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ)، عَنِ الْعَلاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ"
_________________
(١) وعدله في عباده فأخذ قدرها من سيئات خصومه فوضع عليه فعوقب به في النار فحقيقة العقوبة إنما هي بسبب ظلمه ولم يعاقب بغير جناية وظلم منه وهذا كله مذهب أهل السنة والله أعلم اهـ نووي. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٣٥٣] والترمذي في صفة القيامة باب ما جاء في شأن الحساب والقصاص [٢٤٢٠]. ثم استشهد المؤلف لحديث أبي ذر بحديث آخر لأبي هريرة ﵄ فقال:
(٢) (٢٥٦٤) (١٢٢) (حدَّثنا يحيى بن أيوب) البغدادي المقابري (وقتيبة) بن سعيد (و) علي (بن حجر) السعدي المروزي (قالوا حدثنا إسماعيل يعنون ابن جعفر) بن أبي كثير الزرقي المدني (عن العلاء) بن عبد الرحمن بن يعقوب الجهني المدني (عن أبيه) عبد الرحمن بن يعقوب (عن أبي هريرة) ﵁ وهذا السند من خماسياته (أن رسول الله ﷺ قال) أقسمت بالذي نفسي بيده (لتؤدّن) أي لتدفعن (الحقوق إلى أهلها) ومستحقيها سواء كانوا عقلاء أو غيرهم وقوله "لتؤدَّن" بفتح الدال المشددة وفي بعض النسخ بضمها وقوله "الحقوق" بالرفع على الأول على أنه نائب فاعل وبالنصب على الثاني على أنه مفعول به والفاعل ضمير الجمع المحذوف لالتقاء الساكنين لأن أصله لتؤدونن الحقوق حذفت نون الرفع لتوالي الأمثال ثم واو الجمع لالتقاء الساكنين فصار لتُؤدن الحقوق (يوم القيامة حتى يُقاد) ويُقتصَّ (للشاة الجلحاء) أي الفاقدة القرن المطعونة (من الشاة القرناء) أي ذات القرن الطاعنة طعنتها للجلحاء في الدنيا ولكن القصاص فيها ليس قصاص تكليف إذ لا تكليف عليها بل قصاص مقابلة لإظهار عدله قال النووي هذا تصريح بحشر البهائم وإعادتها يوم القيامة كما يعاد أهل التكليف من الآدميين وكما يعاد الأطفالُ والمجانين ومن لم تبلغه دعوة وعلى هذا تظاهرت دلائل القرآن والسنة قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ [التكوير: ٥]، وإذا ورد لفظ الشرع ولم يمنع من إجرائه على ظاهره عقل ولا شرع وجب حمله على ظاهره قال العلماء
[ ٢٤ / ٣٥٤ ]
٦٤٢٣ - (٢٥٦٥) (١٢٣) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيرٍ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوَيةَ. حَدَّثَنَا بُرَيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُوسَى. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ: "إِنَّ اللهَ ﷿ يُمْلِي لِلظَّالِمِ. فَإذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ"
_________________
(١) وليس من شرط الحشر والإعادة في القيامة المجازاة والعقاب والثواب وأما القصاص من القرناء للجلحاء فليس قصاص تكليف إذ لا تكليف عليها بل هو قصاص مقابلة اهـ منه وقد ذكر المازري عن بعض العلماء أنهم أنكروا بعث البهائم لأجل أنها لا تكليف عليها وفسروا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ بأن المراد من حشرها موتها وفسروا حديث الباب بأنه ضرب مثل إعلامًا للخلق بأنها دار جزاء لا يبقى فيها حق عند أحد قالوا والأحاديث الواردة في بعثها أخبار آحاد تفيد الظن والمطلوب في المسألة القطع ولكن رد عليه الأبي بأن المسائل العلمية التي لا ترجع إلى الذات والصفات كهذه يصحّ التمسك فيها بحديث الآحاد وبأن الاستدلال بمجموع ظواهر الآي والأحاديث يرجع إلى التواتر المعنوي والله ﷾ أعلم اهـ. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث الترمذي في صفة القيامة باب ما جاء في شأن القصاص والحساب [٢٤٢٢]. ثم استشهد المؤلف سادسًا لحديث أبي ذر بحديث أبي موسى الأشعري ﵄ فقال:
(٢) (٢٥٦٥) (١٢٣) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني (حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم (حدثنا بريد بن) عبد الله أبو بردة الصغير ابن (أبي بردة) عامر بن أبي موسى الأشعري ثقة من (٦) روى عنه في (٤) أبواب (عن أبيه) أي عن جده أبي بردة الكبير عامر بن أبي موسى (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس بن سليم الأشعري وهذا السند من خماسياته (قال) أبو موسى (قال رسول الله ﷺ إن الله ﷿ يملي للظالم) أي يمهله ويُؤخر عقابه ويُطيل عمره مشتق من الملوة بتثليث الميم وهي المدّة والزمان ومنه الملوان أي الليل والنهار كما قال تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾ (فإذا أخذه) أي فإذا أخذ الله الظالم (لم يُفلته) بضم الياء من باب الإفعال أي لم يطلقه ولم يتركه يقال أفلته إذا أطلقه وانفلت تخلص منه وقال الحافظ أي لم يخلصه
[ ٢٤ / ٣٥٥ ]
ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود: ١٠٢]
_________________
(١) أي إذا أهلكه لم يرفع عنه الهلاك وهذا على تفسير الظلم بالشرك على خصوصه وإن فسر بما هو أعم فيحمل كل على ما يليق به (ثم قرأ) رسول الله ﷺ مصداق قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود: ١٠٢]. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في تفسير سورة هود باب قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ﴾ الآية [٤٦٨٦] والترمذي في تفسير سورة هود [٣١٠٩] وابنُ ماجه في الفتن في العقُوبات [٤٠٦٧]. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث (١٤) أربعة عشر الأول حديث عائشة ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة الثاني حديث عبد الله بن مسعود ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة والثالث حديث عائشة الثاني ذكره للاستشهاد وذكر فيه ست متابعات والرابع حديث أبي سعيد وأبي هريرة ذكره للاستشهاد والخامس حديث أبي هريرة ذكره للاستشهاد والسادس حديث جابر ذكره للاستشهاد والسابع حديثُ ابن عباس ذكره للاستشهاد والثامن حديث أبي ذر ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه متابعتين والتاسع حديث جابر الثاني ذكره للاستشهاد والعاشر حديث ابن عمر ذكره للاستشهاد والحادي عشر حديث ابن عمر الثاني ذكره للاستشهاد والثاني عشر حديث أبي هريرة الثاني ذكره للاستشهاد والثالث عشر حديث أبي هريرة الثاني ذكره للاستشهاد والرابع عشر حديث أبي موسى ذكره للاستشهاد والله ﷾ أعلم. ***
[ ٢٤ / ٣٥٦ ]