٧١٧١ - (٢٩٠٣) (٧٠) حدَّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لِعُثْمَانَ -. (قَال إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَال عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا) جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَال: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. فَمَرَرْنَا بِصِبْيَانٍ فِيهِمُ ابْنُ صَيَّادٍ. فَفَرَّ الصِّبْيَانُ وَجَلَسَ ابْنُ صَيَّادٍ. فَكَأَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَرِهَ ذَلِكَ
_________________
(١) (٩) باب ذكر ابن صياد
(٢) (٢٩٠٣) (٧٠) (حدثنا عثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم واللفظ لعثمان قال إسحاق أخبرنا وقال عثمان حدثنا جرير) بن عبد الحميد الضبي الكوفي (عن الأعمش عن أبي وائل) شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي (عن عبد الله) بن مسعود - ﵁ -. وهذا السند من خماسياته (قال) عبد الله (كنا مع رسول الله - ﷺ -) يومًا (فمررنا) في مسيرنا ذلك (بصبيان فيهم ابن صياد ففر الصبيان) منا حين اطلعنا عليهم وهربوا منا هيبة من رسول الله - ﷺ - (وجلس ابن صياد فكأن رسول الله - ﷺ - كره ذلك) أي جلوس ابن صياد وعدم فراره منا أي كره بقاءه جالسًا وعدم فراره منا مع الصبيان وكان النبي - ﷺ - لا يحب أن يواجهه، قال النووي: يقال له ابن صياد وابن صائد وسُمي بهما في هذه الأحاديث واسمه صاف، قال العلماء: وقصته مشكلة وأمره مشتبه في أنَّه هل هو المسيح الدجال المشهور أم غيره ولا شك في أنَّه دجال من الدجاجلة. قال العلماء: وظاهر الأحاديث أن النبي - ﷺ - لم يوح إليه بأنه المسيح الدجال ولا غيره وإنما أُوحي إليه بصفات الدجال، وكان في ابن صياد قرائن محتملة فلذلك كان النبي - ﷺ - لا يقطع بأنه الدجال ولا غيره ولهذا قال لعمر: "إن يكن هو فلن تستطيع قتله". . الخ، قال الطبري: كانت حاله في صغره حالة الكهان يصدق مرة ويكذب مرة، ثمَّ لما كبر أسلم وظهرت منه علامات الخير حج وجاهد مع المسلمين، ثمَّ ظهرت منه أحوال وسمعت منه مقالات تُشعر بأنه الدجال وأنه كافر ويأتي جميع ذلك في الأم اهـ. وقوله (بصبيان كان فيهم ابن صياد) وكان ابن صياد غلامًا وُلد في اليهود اسمه صاف، ويقال له ابن صائد أيضًا، وذكر القرطبي عن الواقدي أنَّه كان يُنسب إلى بني
[ ٢٦ / ٢٠٤ ]
فَقَال لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: "تَرِبَتْ يَدَاكَ. أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟ " فَقَال: لَا. بَلْ تَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ. فَقَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ذَرْنِي. يَا رَسُولَ اللهِ، حَتَّى أَقْتُلَهُ. فَقَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إِنْ يَكُنِ الَّذِي تَرَى، فَلَنْ تَسْتَطِيعَ قَتْلَهُ"
_________________
(١) النجار ولعله كان من اليهود الذين كانوا حلفاء لبني النجار فلذلك نُسب إليهم واشتبه أمره على المسلمين فوقع لهم شك أنَّه هو المسيح الدجال وسبب ذلك ما أخرجه أحمد في مسنده [٢/ ٣٦٨] من حديث جابر: قال ولدت امرأة من اليهود غلامًا ممسوحة عينه والأخرى طالعة نائتة فأشفق النبي - ﷺ - أن يكون هو الدجال. (فقال له النبي - ﷺ - تربت يداك) أي افتقرت يداك والتصقتا بالتراب، قال ابن الأثير: ترب الرجل إذا افتقر أي لصق بالتراب وأترب إذا استغنى وهذه الكلمة جارية على ألسنة العرب لا يريدون بها الدعاء على المخاطب ولا وقوع الأمر به كما يقولون: قاتله الله، وقيل معناها لله درك، وقال بعضهم: هو دعاء على الحقيقة اهـ نووي (أتشهد أني رسول الله فقال) ابن صياد (لا) أشهد بأنك رسول الله (بل تشهد) أنت يا محمد بـ (أني رسول الله فقال عمر بن الخطاب) - ﵁ - (ذرني) أي اتركني (يا رسول الله حتى أقتله) أي كي أقتله (فقال رسول الله - ﷺ -) لعمر بن الخطاب (إن يكن) ابن صياد هذا هو الدجال (الذي ترى) وتظن أنَّه يفتن الناس (فلن تستطيع) يا عمر، ولن تقدر (قتله) لأنك لست بقاتله بل قاتله عيسى ابن مريم ﵉. وهذا الحديث مما تفرد به المؤلف عن الأئمة الستة لكنه شاركه أحمد [١/ ٤٥٧]. وأخرج الترمذي في جامعه [رقم ٢٢٤٨] عن أبي بكرة - ﵁ - قال رسول الله - ﷺ -: "يمكث أبو الدجال وأمه ثلاثين عامًا لا يولد لهما ولد ثمَّ يولد لهما غلام أعور أضر شيء وأقله منفعة تنام عينه ولا ينام قلبه" ثمَّ نعت لنا رسول الله - ﷺ - أبويه فقال: "أبوه طوال ضرب اللحم كأن أنفه منقار وأمه فرضاخية" (وفسره في رواية أحمد بعظيمة الشدقين) فقال أبو بكرة فسمعنا بمولود في اليهود بالمدينة فذهبت أنا والزبير بن العوام حتى دخلنا على أبويه فإذا نعت رسول الله - ﷺ - فيهما فقلنا: هل لكما ولد؟ فقالا: مكثنا ثلاثين عامًا لا يولد لنا ولد، ثمَّ ولد لنا
[ ٢٦ / ٢٠٥ ]
٧١٧٢ - (. .) (. .) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيرٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَأَبُو كُرَيبٍ. - وَاللَّفْظُ لأَبِي كُرَيبٍ - (قَال ابْنُ نُمَيرٍ: حَدَّثَنَا. وَقَال الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا) أَبُو مُعَاويَةَ. حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَال: كُنَّا نَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -. فَمَرَّ بِابْنِ صَيَّادٍ. فَقَال لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا" فَقَال: دُخٌّ
_________________
(١) غلام أضر شيء وأقله منفعة تنام عيناه ولا ينام قلبه، فخرجنا من عندهما فإذا هو منجدل في الشمس في قطيفة له وله همهمة فتكشف عن رأسه فقال: ما قلتما؟ قلنا: وهل سمعت ما قلنا؟ قال: نعم تنام عيناي ولا ينام قلبي. قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة. ثمَّ ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن مسعود - ﵁ - فقال:
(٢) (. .) (. .) (حدثنا محمَّد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي (وإسحاق بن إبراهيم وأبو كريب واللفظ لأبي كريب قال ابن نمير حدثنا وقال الآخران أخبرنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن شقيق) بن سلمة أبي وائل الأسدي الكوفي (عن عبد الله) بن مسعود. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة أبي معاوية لجرير بن عبد الحميد (قال) عبد الله (كنا نمشي مع النبي - ﷺ - فمر) النبي - ﷺ - (بابن صياد فقال له) أي لابن صياد (رسول الله - ﷺ - قد خبأت) وسترت (لك) أي لأجل اختبارك هل تعرفه أم لا في قلبي أو في يدي أو في كمي (خبيئًا) بزنة فعيلًا أي شيئًا مخبوءًا أي شيئًا مستورًا فما هو، قوله (خبيئًا) قال النووي: هكذا هو في معظم النسخ وقد نقله القاضي هكذا عن جمهور رواة مسلم وفي بعض النسخ (خبئًا) على زنة مصدر بمعنى اسم مفعول وكلاهما صحيح، قال في المصباح: خبأت الشيء خبأ مهموزًا من باب نفع إذا سترته والذي أضمره النبي - ﷺ - في قلبه للامتحان له قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] (فقال) ابن صياد هو أي الذي أضمرته لي في قلبك (دُخٌّ) بضم الدال وتشديد الخاء المضمومة وهو لغة في الدخان، وحكى صاحب نهاية الغريب فيه فتح الدال وضمها والمشهور في كتب اللغة والحديث ضمها فقط والجمهور على أن المراد بالدخ هنا الدخان وأنها لغة فيه
[ ٢٦ / ٢٠٦ ]
فَقَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "اخْسَأْ. فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ" فَقَال عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ، دَعْنِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ. فَقَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "دَعْهُ. فَإِنْ يَكُنِ الَّذِي تَخَافُ، لَنْ تَسْتَطِيعَ قَتْلَهُ"
_________________
(١) وخالفهم الخطابي فقال لا معنى للدخان هنا لأنه ليس مما يخبأ في كف أو كم كما قال، بل الدخ نبت موجود بين النخيل والبساتين إلا أن يكون معنى خبأت أضمرت لك اسم الدخان فيجوز، والصحيح المشهور أنَّه - ﷺ - أضمر له آية الدخان وهي قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ قال القاضي: وأصح الأقوال أنَّه لم يهتد من الآية التي أضمرها النبي - ﷺ - إلا لهذا اللفظ الناقص على عادة الكهان لذا ألقى الشيطان إليهم بقدر ما يخطف قبل أن يدركه الشهاب، ويدل عليه قوله - ﷺ -: "اخسأ فلن تعدو قدرك" أي القدر الذي يدرك الكهان من الاهتداء إلى بعض الشيء وما لا يتبين منه حقيقته ولا يصل به إلى بيان وتحقيق أمور الغيب اهـ نووي (فقال رسول الله - ﷺ -) لابن صياد لما قال هو دخ (اخسأ) أي اسكت سكوت هوان وذل وحقارة، قال العيني: اخسأ كلمة زجر وإهانة أي اسكت صاغرًا ذليلًا (فـ) إنك (لن تعدو) أي لن تجاوز (قدرك) من حيرة الكهانة واختلاطها إلى درجة معرفة الغيب، وفي القاموس اخسأ مخصوص بزجر الكلب وطرده وتبعيده يقال عند طرده واخسأ ومنه قوله تعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] قال القاضي: تغييره اسكتوا بسكوت هوان فإنها ليست مقام سؤال من خسأت الكلب إذا زجرته فخسأ اهـ (فقال عمر) - ﵁ - (يا رسول الله دعني) أي اتركني (فأضرب عنقه) بالنصب بعد الفاء السببية الواقعة في جواب الأمر أي ليكن منك تركي فضربي إياه (فقال رسول الله - ﷺ -) لعمر (دعه) أي دع ابن صياد واتركه على حاله حيًّا (فإن يكن) ابن صياد الدجال (الذي تخافـ) ـه وتظنه فإنك (لن تستطيع) ولن تقدر (قتله) أي قتل ذلك الدجال الذي تخاف فإن قاتله عيسى ابن مريم - ﵇ -، وجواب النبي - ﷺ - ها هنا وفيما مر مختصر وقد ورد في حديث ابن عمر عند أبي داود في الملاحم رقم [٤٣٢٩] (إن يكن فلن تسلط عليه) يعني الدجال (وإلا يكن فلا خير في قتله) وكذلك وقع عند أحمد في مسنده ووقع في حديث جابر عند أحمد (إن يكن هو فلست صاحبه إنما صاحبه عيسى ابن مريم - ﵇ - وإلا يكن هو فليس لك أن تقتل رجلًا من أهل العهد).
[ ٢٦ / ٢٠٧ ]
٧١٧٣ - (٢٩٠٤) (٧١) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ نُوحٍ، عَنِ الْجُرَيرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. قَال: لَقِيَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ. فَقَال لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟ " فَقَال هُوَ:
_________________
(١) قال الخطابي في معالم السنن [٦/ ١٨١] وقد استشكل في ابن صياد فقيل فيه كيف أقر رسول الله - ﷺ - رجلًا يدعي النبوة كاذبًا ويتركه بالمدينة يساكنه ويجاوره فيها وما معنى ذلك والذي عندي أن هذه القصة إنما جرت معه أيام مهادنة رسول الله - ﷺ - اليهود وحلفاءهم وذلك أنَّه بعد مقدمه المدينة كتب بينه وبين اليهود كتابًا صالحهم فيه على أن لا يهاجموا وأن يتركوا على أمرهم وكان ابن صياد منهم أو دخيلًا في جملتهم اهـ. وقال علي القاري في المرقاة [١٠/ ٢٢١] وإنما لم يقتله - ﷺ - مع أنَّه ادعى بحضرته النبوة لأنه صبي وقد نُهي عن قتل الصبيان أو أن اليهود كانوا يومئذ معاقدين معه - ﷺ - عقد الذمة على أن يتركوا على أمرهم وهو منهم أو من حلفائهم فلم تكن ذمة ابن صياد تنتقض بقوله الذي قال، وقال ابن الملك: وهذا يدل على أن عهد الوالد يجزئ عن ولده الصغير، وقيل إنه ما ادعى النبوة صريحًا لأنَّ قوله أتشهد استفهام لا تصريح فيه اهـ. ثمَّ استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن مسعود بحديث أبي سعيد الخدري - ﵄ - فقال:
(٢) (٢٩٠٤) (٧١) (حدثنا محمَّد بن المثنى حدثنا سالم بن نوح) بن أبي عطاء العطار البصري، صدوق، من (٩) روى عنه في (٧) أبواب (عن) سعيد بن إياس (الجريري) البصري، ثقة، من (٥) روى عنه في (١٠) أبواب (عن أبي نضرة) المنذر بن مالك بن قطعة العبدي البصري، ثقة، من (٣) روى عنه في (١١) بابا (عن أبي سعيد) الخدري المدني - ﵁ - (قال) أبو سعيد (لقيه) أي لقي ابن صياد، ولعله أتى بالضمير المنصوب لكونه مذكورًا في أثناء الكلام السابق اهـ (رسول الله - ﷺ - وأبو بكر وعمر في بعض طرق المدينة) وزقاقها (فقال له) أي لابن صياد (رسول الله أتشهد) يا ابن صياد (أني رسول الله) - ﷺ - (فقال هو) أي ابن صياد
[ ٢٦ / ٢٠٨ ]
أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟ فَقَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ: "آمَنْتُ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ. مَا تَرَى؟ " قَال: أَرَى عَرْشًا عَلَى الْمَاءِ. فَقَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ: "تَرَى عَرْشَ إِبْلِيسَ عَلَى الْبَحْرِ. وَمَا تَرَى؟ " قَال: أَرَى صَادِقَينِ وَكَاذِبًا أَوْ كَاذِبَينِ وَصَادِقًا. فَقَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لُبِسَ عَلَيهِ، دَعُوهُ"
_________________
(١) لرسول الله - ﷺ - (أتشهد) يا محمَّد (أني رسول الله) يريد ابن صياد نفسه (فقال) له (رسول الله - ﷺ - آمنت بالله وملائكته وكتبه، ما ترى) أي أي شيء ترى أنت يا ابن صياد (قال) ابن صياد لرسول الله - ﷺ - (أرى عرشًا) وسريرًا (على الماء) أي على ماء البحر (فقال) له (رسول الله) - ﷺ - لعلك (ترى عرش إبليس على البحر) قال الأبي: وانظر هل هذا العرش الذي يرى هو المذكور في حديث إن إبليس يضع عرشه على الماء ثمَّ يبعث سراياه (وما ترى) يا ابن صياد أي ما هو الشيء الذي تراه زائدًا على ما يراه العامة والذي تزعم أنَّه يخبرك عن المغيبات (قال) ابن صياد (أرى صادقين) بلفظ التثنية (وكاذبًا أو) قال (كاذبين) بلفظ التثنية أيضًا (وصادقًا، فقال رسول الله لبس عليه، دعوه). قوله (آمنت بالله وملائكته وكتبه) وفي حديث ابن عمر الآتي قريبًا (آمنت بالله ورسله) والمعنى إني آمنت برسل الله تعالى ولست منهم وقد بيَّن بعض الشراح السبب في عدم التصريح بالإنكار عليه في دعوى رسالته لأنَّ ابن صياد لم يُصرّح بدعوى الرسالة وإنما سأله على طريق الاستفهام كما مر بقوله (أتشهد أني رسول الله) وليس فيه صراحة بأنه يدّعى كونه رسولًا ويحتمل أيضًا أنَّه أعاد نفس السؤال الذي طرحه عليه رسول الله - ﷺ - تهكمًا ولم يقصد دعوى الرسالة فاحتاط النبي - ﷺ - في الرد عليه والله أعلم. قوله (أرى صادقين وكاذبًا أو كاذبين وصادقًا) أي يأتيني شخصان يخبرانني بما هو صدق وشخص يخبرني بما هو كذب أو شخصان يخبرانني بالكذب وشخص واحد يخبرني بالصدق. والظاهر أن هذا التردد من ابن صياد نفسه وعليه مشى علي القاري في المرقاة [١٠/ ٢٢٥] فقال: والشك من ابن الصياد في عدد الصادق والكاذب يدل على افترائه إذ المؤيد من الله لا يكون كذلك، وقد وقع في حديث ابن عمر الآتي قريبًا يأتيني
[ ٢٦ / ٢٠٩ ]
٧١٧٤ - (٢٩٠٥) (٧٢) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى قَالا: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَال: سَمِعْتُ أَبِي. قَال: حَدَّثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَال: لَقِيَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ - ابْنَ صَائِدٍ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ. وَابْنُ صَائِدٍ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الْجُرَيرِيِّ
_________________
(١) صادق وكاذب فذكر أن قد يأتيه من يخبره بالصدق وقد يأتيه من يخبره كاذبًا ولم يذكر عددًا. قوله (لُبِس عليه) بضم اللام وتخفيف الباء بالبناء للمجهول أي خُلط عليه أمره أي يأتيه به شيطان يخلط عليه الصدق مع الكذب، وذكر الأبي عن بعض المشايخ أن مراده أن النبي - ﷺ - توقف وشك في أن ابن صياد بحالة التكليف وأن معنى لُبس خُلط تخليط المختلط لتناقضه التناقض الذي لا يُفهم معناه والله أعلم. قوله (دعوه) أي اتركوه على حالته ولا تكثروا عليه المسائل لأنه مختل النظر والعقل فلا نتيجة لسؤاله، والخطاب لمن معه من الصحابة. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث الترمذي في الفتن باب ما جاء في ذكر ابن صياد وأحمد [٣/ ٩٧]. ثمَّ ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في الشاهد في حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - مستشهدًا ثانيًا لحديث ابن مسعود بحديث جابر - ﵃ - فقال:
(٢) (٢٩٠٥) (٧٢) (حدثنا يحيى بن حبيب) بن عربي الحارثي البصري، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٩) أبواب (ومحمد بن عبد الأعلى) القيسي البصري، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٥) أبواب (قالا حدثنا معتمر) بن سليمان بن طرخان التيمي البصري، ثقة، من (٩) (قال) معتمر (سمعت أبي) سليمان بن طرخان التيمي البصري، ثقة، من (٥) (قال) سليمان (حدثنا أبو نضرة) المنذر بن مالك (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري - ﵁ - وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة سليمان بن طرخان لسعيد بن إياس الجريري ولكنها متابعة ناقصة لكونها في الشاهد (قال) جابر (لقي نبي الله - ﷺ - ابن صياد ومعه) - ﷺ - (أبو بكر وعمر وابن صائد مع الغلمان) والصبيان (فذكر) سليمان بن طرخان عن جابر (نحو حديث الجريري) عن أبي سعيد الخدري.
[ ٢٦ / ٢١٠ ]
٧١٧٥ - (٢٩٠٦) (٧٣) حدّثني عُبَيدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى. حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَال: صَحِبْتُ ابْنَ صَائِدٍ إِلَى مَكَّةَ. فَقَال لِي: أَمَا قَدْ لَقِيتُ مِنَ النَّاسِ. يَزْعُمُونَ أَنِّي الدَّجَّالُ. أَلَسْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "إِنَّهُ لَا يُولَدُ لَهُ" قَال: قُلْتُ: بَلَى. قَال: فَقَدْ وُلِدَ لِي. أَوَ لَيسَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ وَلَا مَكَّةَ" قُلْتُ: بَلَى. قَال: فَقَدْ وُلِدْتُ بِالْمَدِينَةِ. وَهَذَا أَنَا أُرِيدُ
_________________
(١) وحديث جابر هذا مما انفرد به المؤلف عن أصحاب الأمهات. ثمَّ استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث ابن مسعود بحديث آخر لأبي سعيد الخدري - ﵄ - فقال:
(٢) (٢٩٠٦) (٧٣) (حدثني عبيد الله بن عمر) بن ميسرة (القواريري) أبو شعيب الجشمي مولاهم البصري، ثقة، من (١٠) روى عنه في (١٠) أبواب (ومحمد بن المثنى) البصري (قالا حدثنا عبد الأعلى) بن عبد الأعلى السامي البصري، ثقة، من (٨) روى عنه في (١١) بابا (حدثنا داود) بن أبي هند دينار القشيري، مولاهم أبو بكر المصري أو البصري، ثقة، من (٥) روى عنه في (٨) أبواب (عن أبي نضرة) المنذر بن مالك بن قطعة (عن أبي سعيد الخدري) - ﵁ -. وهذا السند من خماسياته (قال) أبو سعيد (صحبت ابن صائد) من المدينة (إلى مكة فقال لي) ابن صائد (أما) حرف تنبيه واستفتاح أي استمع يا أبا سعيد ما أقول لك (قد لقيت) وصادفت (من) مصائب (الناس) أي من كلامهم في مقالات كثيرة وذلك أنهم (يزعمون) من الزعم وهو القول الفاسد (أني الدجال) الذي يأتي في آخر الزمان (ألست) أنت يا أبا سعيد (سمعت رسول الله - ﷺ - يقول) في وصف الذي يأتي في آخر الزمان (إنه) أي إن الدجال الذي يأتي في آخر الزمان (لا يُولد له) ولد (قال) أبو سعيد (قلت) له أي لابن صياد (بلى) سمعته - ﷺ - يقول ذلك (قال) ابن صياد أما أنا (فقد وُلد لي) ولد فلست بدجال، قال أبو سعيد ثمَّ قال لي ابن صياد (أو ليس) الشأن (سمعت) أنت (رسول الله - ﷺ - يقول) أيضًا إن الدجال الذي يأتي في آخر الزمان (لا يدخل المدينة ولا مكة) قال أبو سعيد (قلت) له أي لابن صياد (بلى) سمعته - ﷺ - يقول ذلك (قال) ابن صياد أما أنا (فقد ولدت بالمدينة وهذا) الذي يقولون فيه ذلك (أنا) والآن (أريد
[ ٢٦ / ٢١١ ]
مَكَّةَ. قَال: ثُمَّ قَال لِي فِي آخِرِ قَوْلِهِ: أَمَا، وَاللهِ، إِنِّي لأَعْلَمُ مَوْلِدَهُ وَمَكَانَهُ وَأَينَ هُوَ. قَال: فَلَبَسَنِي.
٧١٧٦ - (. .) (. .) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى. قَالا: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَال: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
_________________
(١) مكة، قال) أبو سعيد (ثمَّ قال لي) ابن صياد (في آخر قوله) وكلامه (أما) أي انتبه واستمع ما أقول لك (والله إني لأعلم مولده) أي مولد الدجال الذي يأتي في آخر الزمان أي زمان ولادته (ومكانه) أي مكان ولادته (وأين هو) أي ذلك الدجال الآن (قال) أبو سعيد (فلبسني) أي جعلني ألتبس في أمره وأشك فيه وذلك لأنَّ استدلاله المذكور كان قويًّا في الظاهر مما يقتضي أنَّه ليس الدجال المعهود ولكنه قال في آخر كلامه إنه يعلم مولد الدجال ومكانه وهذا مما أوقعني في الشك مرة أخرى، قال القاضي: أي خلط علي أمره لأنَّ احتجاجاته الأولى قد تلوح ثمَّ قوله أثرها إني لأعرفه وأعرف مولده كالنص في أنَّه هو، وقال السنوسي: ويحتمل أن الدجال أصيب في عقله حتى صار يتناقض التناقض الذي لا يفهم معناه اهـ. قال العلماء: استدل ابن صياد على نفي كونه هو الدجال المعهود بأن النبي - ﷺ - قد أخبر أنَّه لا يولد للدجال وإنه قد وُلد له وكذلك أخبر النبي - ﷺ - أن الدجال لا يدخل مكة والمدينة وإن ابن صياد قد وُلد بالمدينة والآن ذاهب إلى مكة وقد رد بعض العلماء على استدلاله هذا بأن النبي - ﷺ - إنما أخبر أحوال الدجال عند خروجه المعهود وأنه لا يكون له ولد في ذلك الزمان ولا يستطيع أن يدخل مكة والمدينة حينئذ فلا ينافي أن يكون له ولد في ابتداء حياته ولا أن يدخل الحرمين قبل خروجه المعهود ولكن يرد التأويل الأول ما سيأتي في رواية الجريري هو عقيم لا يولد ولكن لينظر فيه لأنه من رواية ابن صياد نفسه. ثمَّ ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي سعيد الخدري هذا - ﵁ - فقال:
(٢) (. .) (. .) (حدثنا يحيى بن حبيب) بن عربي الحارثي البصري (ومحمد بن عبد الأعلى) السامي البصري (قالا حدثنا معتمر) بن سليمان (قال سمعت أبي) سليمان حالة كونه (يحدّث عن أبي نضرة) المنذر بن مالك (عن أبي سعيد الخدري)
[ ٢٦ / ٢١٢ ]
قَال. قَال لِيَ ابْنُ صَائِدٍ، وَأَخَذَتْنِي مِنْهُ ذَمَامَةٌ: هَذَا عَذَرْتُ النَّاسَ. مَا لِي وَلَكُمْ يَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ؟ أَلَمْ يَقُلْ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ -: "إِنَّهُ يَهُودِيٌّ" وَقَدْ أَسْلَمْتُ قَال: "وَلَا يُولَدُ لَهُ" وَقَدْ وُلِدَ لِي. وَقَال: "إِنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَيهِ مَكَّةَ" وَقَدْ حَجَجْتُ.
قَال: فَمَا زَال حَتَّى كَادَ أَنْ يَأْخُذَ فِيَّ قَوْلُهُ. قَال: فَقَال لَهُ: أَمَا،
_________________
(١) - ﵁ -. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة سليمان لداود بن أبي هند (قال) أبو سعيد (قال لي ابن صائد) وقوله (و) الحال أنَّه قد (أخذتني منه) أي من صحبة ابن صياد والمشي معه (ذمامة) أي استحياء وإشفاق من لوم الناس وذمهم لي على مشيي معه، جملة حالية من الياء في قوله لي لأنها من كلام أبي سعيد، وقوله (هذا) مفعول لمحذوف تقديره افهم مني ما سأذكره لك أو مبتدأ خبره محذوف تقديره هذا الآتي ما سأذكره لك ويسمى هذا عند البيانيين تخلصًا أو اقتضابًا وهو الانتقال من أسلوب من الكلام إلى آخر. والحاصل أني خشيت أن يلحقني عار أو لوم من الناس من مصاحبتي لابن صياد، افهم هذا الذي سأذكره لك وهو قوله (عذرت الناس) أي جعلت عامة الناس معذورين فيما يقولون في من أني دجال يأتي في آخر الزمان لأن عوامهم لا علم عندهم بحقيقة الدجال ولكن (ما لي ولكم يا أصحاب محمد) أي وأي شيء ثبت لكم في قولكم في إنه دجال، والحال أنكم تعرفون العلامات التي ذكرها النبي - ﷺ - في الدجال وأنها لا توجد في فكيف تشكون في هذا الأمر أي في أني لست بدجال (ألم يقل نبي الله - ﷺ - إنه) أي إن الدجال الذي يأتي في آخر الزمان (يهودي و) أنا (قد أسلمت) فلست بيهودي (قال) نبي الله - ﷺ - في صفة الدجال (ولا يُولد له و) أنا (قد وُلد لي) ولد فلست بدجال (وقال) نبي الله - ﷺ - في صفة الدجال (إن الله) ﷿ (قد حرّم عليه) أي على الدجال (مكة) أي دخولها (و) أنا (قد) دخلت مكة حين (حججت) فلست بدجال (قال) أبو سعيد (فما زال) ابن صياد يكرر عليّ الكلام (حتى كاد) وقرب (أن يأخذ) ويؤثر (في) بتشديد الياء أي أن يؤثر في قلبي (قوله) أي كلامه بتصديقه فيما يقول من نفي كونه دجالًا (قال) أبو سعيد (فقال له) أي فقال لي ابن صياد ففي الكلام التفات من التكلم إلى الغيبة (أما) أي انتبه واستمع ما
[ ٢٦ / ٢١٣ ]
وَاللهِ إِنِّي لأَعْلَمُ الآنَ حَيثُ هُوَ وَأَعْرِفُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ. قَال: وَقِيلَ لَهُ: أَيَسُرُّكَ أَنَّكَ ذَاكَ الرَّجُلُ؟ قَال: فَقَال: لَوْ عُرِضَ عَلَيَّ مَا كَرِهْتُ.
٧١٧٧ - (. .) (. .) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ نُوحٍ
_________________
(١) أقول لك يا أبا سعيد وهو قوله ولكن (والله إني لأعلم الآن) أي في هذا الزمن الحاضر (حيث هو) أي المكان الذي هو فيه أي الدجال الذي سيأتي في آخر الزمان (وأعرف) أيضًا (أباه وأمه، قال) أبو سعيد (وقيل له) أي لابن صياد في تلك المحاورة ولم أر من ذكر اسم هذا القائل (أيسرك) ويبشرك يا ابن صياد (أنك ذلك الرجل) أي كونك ذلك الدجال (قال) أبو سعيد (فقال) ابن صياد (لو عُرض علي) ذلك الدجال وظهر لي (ما كرهتـ) ـه ولا أنكرته. قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: إن هذه الأشياء اتفقت له بعد أن كبر وبعد موته - ﷺ - وأنه حج البيت وحفظ الحديث عن رسول الله - ﷺ - وذكره الطبري وغيره في عداد الصحابة لكن ظهرت منه في هذه الأحاديث أمور بعضها كفر كقوله لو عُرض عليّ ما كرهت فإن من رضي لنفسه دعوى الألوهية وحالة الدجال فهو كافر، وبعضها يشعر أنه الدجال كقوله إني أعرفه وأعرف مولده وأين هو، زاد الترمذي وأين هو الساعة من الأرض فإن هذه كالنص على أنه هو وما لبس به من أنه أسلم فقد يكفر فيما يستقبل أو يكون إسلامه تقية وهو منافق اهـ من الأبي. قوله (حتى كاد أن يأخذ فيّ) بتشديد ياء فيّ و(قوله) مرفوعٌ على الفاعلية لقوله يأخذ أي يؤثر في قوله وأصدقه في دعواه. قوله (لو عرض عليّ ما كرهت) يعني لو عرض عليّ أن أكون الدجال المعهود لا أكره ذلك وإن قوله هذا مما جعل القاضي عياضًا ﵀ يستيقن أنه لم يكن مسلمًا فإن من يرضى لنفسه أن يكون دجالًا لا يستحق أن يُسمى مسلمًا. وقوله (لو عرض عليّ) قال في المرقاة بصيغة المجهول أي لو عُرض عليّ ما جُبل في الدجال من الإغواء والخديعة والتلبيس (ما كرهت) أي بل أقبله ولا أرده. والحاصل رضي بكونه الدجال وهذا دليل واضح على كفره كذا ذكره المظهر وغيره من الشراح اهـ منه. ثمَّ ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي سعيد هذا - ﵁ - فقال:
(٢) (. .) (. .) (حدثنا محمد بن المثنى حدثنا سالم بن نوح) بن أبي عطاء
[ ٢٦ / ٢١٤ ]
أَخْبَرَنِي الْجُرَيرِيُّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَال: خَرَجْنَا حُجَّاجًا أَوْ عُمَّارًا وَمَعَنَا ابْنُ صَائِدٍ. قَال: فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا. فَتَفَرَّقَ النَّاسُ وَبَقِيتُ أَنَا وَهُوَ. فَاسْتَوْحَشْتُ مِنْهُ وَحْشةً شَدِيدَةً مِمَّا يُقَالُ عَلَيهِ. قَال: وَجَاءَ بِمَتَاعِهِ فَوَضَعَهُ مَعَ مَتَاعِي. فَقُلْتُ: إِنَّ الْحَرَّ شَدِيدٌ فَلَو وَضَعْتَهُ تَحْتَ تِلْكَ الشَّجَرَةِ. قَال: فَفَعَلَ. قَال: فَرُفِعَتْ لَنَا غَنَمٌ. فَانْطَلَقَ فَجَاءَ بِعُسٍّ. فَقَال: اشْرَبْ. أَبَا سَعِيدٍ. فَقُلْتُ:
_________________
(١) العطار البصري، صدوق، من (٩) روى عنه في (٧) أبواب (أخبرني) سعيد بن إياس (الجريري) البصري، ثقة، من (٥) (عن أبي نضرة) المنذر بن مالك، ثقة، من (٣) (عن أبي سعيد الخدري) - ﵁ -. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة الجريري لداود بن أبي هند وسليمان التيمي (قال) أبو سيعد (خرجنا) من المدينة حالة كوننا (حجاجًا) أي محرمين بالحج (أو) قال أبو سعيد حالة كوننا (عُمّارًا) بضم العين المهملة وتشديد الميم جمع عامر بمعنى معتمر، والشك من أبي نضرة أو ممن دونه (ومعنا ابن صائد قال) أبو سعيد (فنزلنا منزلًا) في الطريق للاستراحة (فتفرّق الناس) أي رفقتنا في الأشجار طلبًا لظلها، قال أبو سعيد (وبقيت أنا وهو) أي ابن صائد في ذلك المنزل (فاستوحشت) أنا (منه) أي من ابن صائد أي كنت مستوحشًا مقشعرًا من الجلوس معه (وحشة شديدة) أي كرهت الجلوس معه (مما يقال عليه) ويُنسب إليه من أنه الدجال أي استوحشت منه لأجل ما يقول الناس فيه (قال) أبو سعيد (وجاء) ابن صائد (بمتاعه فوضعه) أي فوضع متاعه (مع متاعي، فقلت) له (إن الحر شديد فلو وضعته) أي وضعت متاعك (تحت تلك الشجرة) مشيرًا له شجرة قريبة لكان أولى للأمتعة فلو شرطية جوابها محذوف أو هي للتمني فلا جواب لها أي ليت وضعها تحت تلك الشجرة، وأراد أبو سعيد بقوله (فلو وضعته تحت تلك الشجرة) أن لا يختلط متاعه بمتاعه ولكنه اعتذر بأن الحر شديد وأن اجتماع الأمتعة في مكان واحد ربما يمنع الهواء فيزيد في الحر (قال) أبو سعيد (ففعل) ابن صائد ما أمرته به من وضع متاعه تحت شجرة أخرى (قال) أبو سعيد (فرُفعت) أي كشفت وظهرت (لنا) أي لي وله ولرفقتنا (غنم فانطلق) أي ذهب ابن صائد إلى الغنم (فجاء) إليّ (بعُس) أي بقدح لبن من تلك الغنم، والعُس بضم العين المهملة والسين المهملة المشددة القدح الكبير أي جاء به وفيه لبن ليسقيني ذلك اللبن (فقال) لي ابن صائد (اشرب) يا (أبا سعيد) من هذا اللبن، قال أبو سعيد (فقلت) لابن صائد
[ ٢٦ / ٢١٥ ]
إِنَّ الْحَرَّ شَدِيدٌ وَاللَّبَنُ حَارٌّ. مَا بِي إِلَّا أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَشْرَبَ عَنْ يَدِهِ - أَوْ قَال: آخُذَ عَنْ يَدِهِ - فَقَال: أَبَا سَعِيدٍ، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آخُذَ حَبْلًا فَأُعَلِّقَهُ بِشَجَرَةٍ ثُمَّ أَخْتَنِقَ مِمَّا يَقُولُ لِيَ النَّاسُ، يَا أَبَا سَعِيدٍ، مَنْ خَفِيَ عَلَيهِ حَدِيثُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مَا خَفِيَ عَلَيكُمْ، مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، أَلَسْتَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟ أَلَيسَ قَد قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "هُوَ كَافِرٌ" وَأَنَا مُسْلِمٌ؟ أَوَ لَيسَ قَدْ قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "هُوَ عَقِيمٌ لَا يُولَدُ لَهُ" وَقَدْ تَرَكْتُ وَلَدِي بِالْمَدِينَةِ؟ أَوَ لَيسَ
_________________
(١) اعتذارًا عن رد اللبن عليه (إن الحر شديد واللبن حار) فأكره اجتماع حرارتين عليّ لأنه مضر أي فقلت له ذلك والحال أنه (ما بي) أي ما لي عذر في الرد عليه (إلا أني أكره) أي إلا كراهتي (أن أشرب) ذلك اللبن آخذًا (عن يده) أي يد ابن صائد لما يقال عليه من أنه الدجال (أو قال) أبو سعيد إلا أني أكره (أن آخذ) اللبن (عن يده) فأشربه، والشك من أبي نضرة أو ممن دونه (فقال) لي ابن صائد يا (أبا سعيد) والله (لقد هممت) وقصدت الآن (أن آخذ حبلًا) من الحبال (فأعلقه) أي فأعلق ذلك الحبل وأربطه (بشجرة) من الأشجار (ثمَّ أختنق) أي أربط ذلك الحبل بعنقي فأموت خنقًا (مما يقول لي الناس) أي لأجل قول الناس لي إنه الدجال كأنه فهم من استنكاف أبي سعيد أنه إنما لا يريد أن يشرب لبنًا من يده لزعمه أنه الدجال فذكر لأبي سعيد أنه في ضيق شديد مما يقول فيه الناس فربما يهمّ بأن يقتل نفسه بالاختناق ثم قال ابن صائد (يا أبا سعيد من خفي) أي من الذي خفي (عليه حديث رسول الله - ﷺ -) مثل (ما خفي عليكم) يا (معشر الأنصار) فالاستفهام فيه للإنكار بمعنى النفي أي ليس في المسلمين من خفي عليه حديث رسول الله - ﷺ - مثل خفائه عليكم يا معشر الأنصار (ألست) أنت يا أبا سعيد (من أعلم الناس) أي من أكثر الناس علمًا (بحديث رسول الله - ﷺ -) فيكف تشك في إسلامي (أليس) الشأن (قد قال رسول الله - ﷺهو) أي الدجال الذي يأتي في آخر الزمان (كافر و) الحال (أنا مسلم) فكيف تتهموني بالدجال (أو ليس) الشأن (قد قال رسول الله - ﷺهو) أي الدجال الذي يأتي في آخر الزمان (عقيم) أي عاقر (لا يُولد له) ولد (و) أما أنا فـ (قد) وُلد لي ولد و(تركت ولدي بالمدينة أو ليس)
[ ٢٦ / ٢١٦ ]
قَدْ قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ وَلَا مَكَّةَ" وَقَدْ أَقْبَلْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ وَأَنَا أُرِيدُ مَكَّةَ؟
قَال أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: حَتَّى كِدْتُ أَنْ أَعْذِرَهُ. ثُمَّ قَال: أَمَا، وَاللهِ، إِنِّي لأَعْرِفُهُ وَأَعْرِفُ مَوْلِدَهُ وَأَينَ هُوَ الآنَ.
قَال: قُلْتُ لَهُ: تَبًّا لَكَ، سَائِرَ الْيَوْمِ.
٧١٧٨ - (٢٩٠٧) (٧٤) حدَّثنا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ. حَدَّثَنَا بِشْرٌ، (يَعْنِي ابْنَ مُفَضَّلٍ)،
_________________
(١) الشأن (قد قال رسول الله - ﷺ -) هو أي الدجال (لا يدخل المدينة ولا مكة و) أما أنا فـ (قد) ولدت و(أقبلت من المدينة) أي فقد وُلدت في المدينة وأقبلت منها الآن (وأنا أريد مكة) أي دخولها للحج أو للعمرة فأوصاف الدجال منفية عني فكيف تتهموني بكوني دجالًا (قال أبو سعيد الخدري) وقد كرر عليّ ابن صائد كلامه (حتى كدت) وقربت (أن أعذره) أي أن أقبل اعتذاره عما يقول فيه الناس وأصدّقه فيما يقول (ثم) بعدما ذكر لي أولًا (قال) ابن صائد (أما) أي انتبه يا أبا سعيد واسمع مني ما أقول لك يعني قوله (والله إني لأعرفه) أي لأعرف الدجال الذي يأتي في آخر الزمان (وأعرف مولده) أي مكان ولادته (وأين هو الآن) أي في هذا الزمن الحاضر (قال) أبو سعيد (قلت له) أي لابن صائد (تبًا لك) أي خسرانًا وهلاكًا لك (سائر اليوم) أي في باقي اليوم فهو منصوب بفعل محذوف وجوبًا لنيابته عنه تقديره تب الله لك تبًا أي قطع الله لك قطعًا عن كل خير في سائر أيامك، قال الطبري: أي خسارًا لك دائمًا لأن اليوم يراد به الزمان، وتبًا منصوب بفعل لا يظهر أي لقيت تبًا أي خسرانًا اهـ أبي وفي المصباح تبًا له أي هلاكًا له. ثمَّ استشهد المؤلف رحمه الله تعالى رابعًا لحديث ابن مسعود بحديث آخر لأبي سعيد الخدري - ﵄ - فقال:
(٢) (٢٩٠٧) (٧٤) (حدثنا نصر بن علي) بن نصر (الجهضمي) نسبة إلى الجهاضمة حارة في البصرة أبو عمر الأزدي البصري، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٧) أبواب (حدثنا بشر يعني ابن مفضل) بن لاحق الرقاشي البصري، ثقة، من (٨) روى عنه
[ ٢٦ / ٢١٧ ]
عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لابْنِ صَائِدٍ: "مَا تُرْبَةُ الْجَنَّةِ؟ " قَال: دَرْمَكَةٌ بَيضَاءُ، مِسْكٌ، يَا أَبَا الْقَاسِمِ، قَال: "صَدَقْتَ".
٧١٧٩ - (. .) (. .) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْجُرَيرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ؛ أَنَّ ابْنَ صَيَّادٍ سَأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ - عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ؟ فَقَال: "دَرْمَكَةٌ بَيضَاءُ، مِسْكٌ خَالِصٌ"
_________________
(١) في (١٣) بابًا (عن أبي مسلمة) سعيد بن يزيد بن مسلمة الأزدي البصري، ثقة، من (٤) روى عنه في (٤) أبواب (عن أبي نضرة) المنذر بن مالك (عن أبي سعيد) سعد بن مالك الخدري المدني وهذا السند من خماسياته (قال) أبو سعيد (قال رسول الله - ﷺلابن صائد ما تربة الجنة) أي ما لونها وما رائحتها (قال) ابن صائد تربتها (در مكة) أي دقيقة (بيضاء) رائحتها (مسك يا أبا القاسم، قال) النبي - ﷺ - (صدقت) يا ابن صائد فيما أخبرت أي كالمسك يعني أنها في اللون كالدقيق الأبيض وفي الرائحة كالمسك الأذفر، قال النووي: معناه أنها في البياض كالدر مكة وفي طيب الرائحة كالمسك والدر مسك بوزن جعفر هو الدقيق الحواري الخالص البياض اهـ. قال النووي: وذكر مسلم في هذا الحديث روايتين الأولى أن النبي - ﷺ - سأل ابن صائد عن تربة الجنة، والثانية أن ابن صائد سأل النبي - ﷺ-، قال القاضي: قال بعض أهل النظر: الرواية الثانية أظهر وأليق بجنابه - ﷺ -. وهذا الحديث مما انفرد به الإمام مسلم ولكنه شاركه أحمد [٣/ ٤٣]. ثمَّ ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال:
(٢) (. .) (. .) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة عن) سعيد بن إياس (الجريري) البصري (عن أبي نضرة عن أبي سعيد) الخدري. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة الجريري لأبي مسلمة (أن ابن صياد سأل النبي - ﷺ - عن تربة الجنة فقال) له النبي - ﷺ - تربة الجنة (در مكة بيضاء مسك خالص).
[ ٢٦ / ٢١٨ ]
٧١٨٠ - (٢٩٠٨) (٧٥) حدَّثنا عُبَيدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، قَال: رَأَيتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَحْلِفُ بِاللهِ؛ أَنَّ ابْنَ صَائِدٍ الدَّجَّالُ. فَقُلْتُ: أَتَحْلِفُ بِاللهِ؟ قَال: إِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ -. فَلَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيُّ - ﷺ -.
٧١٨١ - (٢٩٠٩) (٧٦) حدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَرْمَلَةَ بْنِ
_________________
(١) ثمَّ استشهد المؤلف رحمه الله تعالى خامسًا لحديث ابن مسعود بحديث جابر - ﵄ - فقال:
(٢) (٢٩٠٨) (٧٥) (حدثنا عبيد الله بن معاذ) بن معاذ (العنبري) البصري (حدثنا أبي) معاذ بن معاذ (حدثنا شعبة عن سعد بن إبراهيم) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة، من (٥) (عن محمد بن المنكدر) بن عبد الله بن الهدير مصغرًا القرشي التيمي، ثقة، من (٣) (قال رأيت جابر بن عبد الله) - ﵁ -. وهذا السند من سداسياته أي سمعت جابرًا (يحلف بالله) على (أن ابن صائد) هو (الدجال) الذي يخرج في آخر الزمان، قال ابن المنكدر (فقلت) لجابر (أتحلف بالله) على أنَّه الدجال فهل لك حجة على ذلك (قال) جابر نعم (إني سمعت عمر) بن الخطاب - ﵁ - (يحلف على ذلك) أي على أن ابن صائد هو الدجال المنتظر (عند النبي - ﷺ - فلم ينكره) أي فلم ينكر على عمر (النبي - ﷺ -) حلفه على ذلك. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في الاعتصام [٧٣٥٥]، وأبو داود في الملاحم باب في خبر ابن صائد [٤٣٣١]. استدل بعض العلماء بهذا الحديث على ابن صياد هو الدجال لأن النبي - ﷺ - لم ينكر على عمر - ﵁ - في حلفه وكذلك ورد عن جمع من الصحابة الجزم بكونه دجالًا. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى سادسًا لحديث ابن مسعود بحديث ابن عمر - ﵃ - فقال:
(٣) (٢٩٠٩) (٧٦) (حدثني حرملة بن يحيى بن عبد الله بن حرملة بن
[ ٢٦ / ٢١٩ ]
عِمْرَانَ التُّجِيبِيُّ. أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ انْطَلَقَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي رَهْطٍ قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ حَتَّى وَجَدَهُ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ عِنْدَ أُطُمِ بَنِي مَغَالةَ. وَقَدْ قَارَبَ ابْنُ صيَّادٍ، يَوْمَئِذٍ الْحُلُمَ. فَلَمْ يَشْعُرْ حَتَّى ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ظَهْرَهُ بِيَدِهِ. ثُمَّ قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لابْنِ صَيَّادٍ: "أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟ " فَنَظَرَ إِلَيهِ
_________________
(١) عمران التجيبي) المصري، ثقة، من (١٠) (أخبرني) عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم المصري، ثقة، من (٩) (أخبرني يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب أن سالم بن عبد الله) بن عمر (أخبره) أي أخبر سالم لابن شهاب (أن عبد الله بن عمر أخبره) أي أخبر سالمًا (أن عمر بن الخطاب انطلق) أي ذهب (مع رسول الله - ﷺ - في رهط) أي حالة كون رسول الله - ﷺ - مع رهط أي مع جماعة من أصحابه (قِبل ابن صياد) أي جهته. وهذا السند من سباعياته (حتى وجده) أي فوجد النبي - ﷺ - ابن صياد (يلعب مع الصبيان عند أطم بني مغالة) والأطم بضم الهمزة والطاء بناء بالحجارة كالحصن، وقيل هو الحصن وجمعه آطام، وبنو مغالة بفتح الميم وتخفيف العين بطن من الأنصار، وفي القسطلاني: الأطم بناء مرتفع ومغالة بطن من الأنصار أو حي من قضاعة، وذكر الزبير بن أبي بكر أن كل ما كان عن يمينك إذا وقفت آخر البلاط مستقبل مسجد النبي - ﷺ - فهو لبني مغالة ومسجده - ﷺ - في بني مغالة وما كان على يسارك فلبني جديلة كذا في عمدة القاري [٤/ ١٨٩] والبلاط موضع مبلّط كان في شرقي المسجد وغربيه وشماله كما في وفاء الوفاء للسمهودي [١/ ٧٣٧] ولعل المقصود في قول الزبير البلاط الغربي لأنه كان يسمى البلاط الأعظم وعليه فتكون أطم بني مغالة على يمين منه في جهة قباء، قال النووي: وذكر مسلم في رواية الحسن الحلواني التي بعد هذه أنه أطم بني معاوية، قال العلماء: المشهور المعروف هو ما في هذه الرواية يعني بني مغالة بالغين المعجمة وباللام (وقد قارب ابن صياد يومئذ) أي يوم إذ رآه النبي - ﷺ - (الحُلم) أي الاحتلام والبلوغ (فلم يشعر) أي لم يعلم ابن صياد حضور النبي - ﷺ - (حتى ضرب رسول الله - ﷺ - ظهره بيده) الشريفة من ورائه (ثمَّ قال رسول الله - ﷺ - لابن صياد أتشهد) يا غلام (أني رسول الله، فنظر إليه) - صلى الله
[ ٢٦ / ٢٢٠ ]
ابْنُ صَيَّادٍ فَقَال: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ. فَقَال ابْنُ صَيَّادٍ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟ فَرَفَضَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَقَال: "آمَنْتُ بِاللهِ وَبِرُسُلِهِ". ثُمَّ قَال لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَاذَا تَرَى؟ " قَال ابْنُ صَيَّادٍ: يَأْتِينِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ. فَقَال لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "خُلِّطَ عَلَيكَ الأَمْرُ". ثُمَّ قَال لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إنِّي
_________________
(١) عليه وسلم (ابن صياد فقال) ابن صياد للنبي - ﷺ - (أشهد أنك رسول الأميين) قال بعض الشافعية يريد العرب لأنها أكثرهم كان لا يكتب اهـ سنوسي (فقال ابن صياد لرسول الله - ﷺ - أتشهد) يا محمَّد (أني رسول الله فرفضه رسول الله) أي ترك سؤاله الإِسلام وأعرض عنه ليأسه عن إسلامه حينئذ (وقال) رسول الله - ﷺ - (آمنت بالله وبرسله) وأنت لست برسول، قال الكرماني: فإن قلت كيف طابق قوله آمنت بالله وبرسله جواب استفهام ابن صياد وأجاب بأنه لما أراد أن يُظهر للقوم حاله أرخى العنان حتى يبينه عند المغترّ به فلهذا قال آخرًا اخسأ اهـ، وقيل يحتمل أراد باستنطاقه إظهار كذبه المنافي لدعوى النبوة ولما كان ذلك هو المراد أجابه بجواب منصف فقال آمنت بالله ورسله اهـ قسطلاني. قوله (فرفضه) كذا وقع عند الصدفي بضاد معجمة، قال القاضي: وهو وهم (قلت) ويحتمل أن يقال ليس بوهم ويكون معناه من الرفض وهو الرمي وكأنه أعرض عنه ولم يلتفت إليه لما سمع منه ما سمع فعل المغضب، وأبعد من هذه ما وقع في البخاري من رواية المروزي فرقصه بالقاف والصاد المهملة، وفي حديث كتاب الأدب من البخاري (فرضّه) بالضاد المعجمة من الرضّ، وقال بعضهم فيه (فرصّه) بالصاد المهملة أي ضغطه وهو من الرصّ بمعنى ضم بعض الشيء إلى بعض ومنه ﴿بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] ومعناه حينئذ ضغطه اهـ من المفهم. (ثم) شرع في سؤاله عما يرى فـ (قال له رسول الله - ﷺ - ماذا ترى) من كهانتك (قال ابن صياد يأتيني) خبر (صادق) أي موافق للواقع (و) خبر (كاذب) أي لا يوافق الواقع (فقال له رسول الله - ﷺ - خُلّط عليك الأمر) أي أمر كهانتك من الكذب والصدق، قال القاضي يريد أن ما يأتيك به شيطانك غير منضبط بخلاف ما يأتي به الملك من الوحي (ثم قال له رسول الله - ﷺ - إني
[ ٢٦ / ٢٢١ ]
قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا" فَقَال ابْنُ صَيَّادٍ: هُوَ الدُّخُّ. فَقَال لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "اخْسَأْ. فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ" فَقَال عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: ذَرْنِي، يَا رَسُولَ اللهِ، أَضْرِبْ عُنُقَهُ. فَقَال لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إِنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيهِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْهُ فَلَا خَيرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ"
_________________
(١) قد خبأت) وسترت في قلبي أو في يدي أو في كمي (لك) أي لأجل اختبارك هل تعرفه أم لا (خبيئًا) أي شيئًا مستورًا فأخبرني عنه إن كنت تعرف المغيبات (فقال ابن صياد هو) أي ذلك الخبيئ (الدخ) بضم الدال والخاء المشددة المضمومة، قال القسطلاني: فأدرك البعض على عادة الكهان في اختطاف بعض الشيء من الشياطين من غير وقوف على تمام البيان (فإن قلت) كيف اطلع ابن صياد أو شيطانه على ما في الضمير؟ أُجيب باحتمال أن يكون النبي - ﷺ - تحدّث مع نفسه أو أصحابه بذلك فاسترق الشيطان ذلك أو بعضه (فإن قلت) ما وجه التخصيص بإخفاء هذه الآية أجاب أبو موسى المديني بأنه أشار بذلك إلى أن عيسى ابن مريم - ﵇ - يقتل الدجال بجبل الدخان فأراد التعريض لابن صياد بذلك اهـ منه (فقال له رسول الله - ﷺ - اخسأ) أي اسكت ذليلًا حقيرًا (فلن تعدو) أي لن تجاوز (قدرك) ودرجتك التي هي درجة الكهانة إلى درجة النبوة التي تدعيها (فقال عمر بن الخطاب) - ﵁ - (ذرني) أي دعني (يا رسول الله - ﷺ - أضرب عنقه فقال له رسول الله - ﷺ -) أي لعمر (إن يكنه) أي إن ابن صياد ذلك الدجال المنتظر (فلن تسلط) وتمكن وتقدر (عليه) أي على قتله لأن قاتله عيسى بن مريم (وإن لم يكنه فلا خير لك في قتله) لأنه ربما يتوب ويؤمن بالله تعالى. وقوله - ﷺ - لعمر بن الخطاب - ﵁ - (إن يكنه فلن تسلط عليه) هذا يدل على أن النبي - ﷺ - لم يتضح له شيء من أمر كونه هو الدجال أم لا وليس هذا نقصًا في حق النبي - ﷺ - لأنه لم يكن يعلم إلا ما علمه الله وهذا مما لم يعلمه الله تعالى به ولا هو مما ترهق إلى علمه حاجة لا شرعية ولا عادية ولا مصلحية ولعل الله تعالى قد علم في إخفائه مصلحة فأخفاه والذي يجب الإيمان به أنه لا بد من خروج الدجال يدعي الإلهية وأنه كذاب أعور كما جاء في الأحاديث الصحيحة الكثيرة التي قد حصلت لمن عاناها العلم القطعي بذلك.
[ ٢٦ / ٢٢٢ ]
وَقَال سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: انْطَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ الأَنْصَارِيُّ إِلَى النَّخْلِ الَّتِي فِيهَا ابْنُ صَيَّادٍ. حَتَّى إِذَا دَخَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - النَّخْلَ، طَفِقَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ. وَهُوَ يَخْتِلُ أَنْ يَسْمَعَ مِنِ ابْنِ صَيَّادٍ شَيئًا، قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ ابْنُ صَيَّادٍ. فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى فِرَاشٍ
_________________
(١) وقوله (وإن لم يكنه فلا خير لك في قتله) أي لأنه صبي حينئذ وقيل لأنه كان لقومه عهد من النبي - ﷺ - كما عاهد يهود المدينة أو لأنه من حلفاء بني النجار كما سبق وهذا الضمير المتصل في يكنه هو خبرها وقد وضع موضع المنفصل واسمها مستتر فيها ونحوه قول أبي الأسود الدؤلي: خ الخمر تشربها الغواة فإنني رأيت أخاها مجزيًا بمكانها فإن لا يكنها أو تكنه فإنه أخوها غذته أمه بلبانها أي فإن لا يكن هو إياها أو تكن هي إياه. (وقال سالم بن عبد الله) بن عمر (سمعت عبد الله بن عمر) - ﵁ - (يقول) وهذه قصة ثانية وقعت لرسول الله - ﷺ - مع ابن صياد وهو موصولة بالإسناد المذكور في القصة السابقة وقد أفردها أحمد عن عبد الرزاق كذا في فتح الباري [٦/ ١٧٤] (انطلق) أي ذهب (بعد ذلك) اليوم الذي وجد فيه ابن صياد يلعب مع الصبيان (رسول الله - ﷺ - وأُبي بن كعب الأنصاري إلى النخل التي فيها ابن صياد) فوصلوا إليها (حتى إذا دخل رسول الله - ﷺ - النخل طفق) أي شرع النبي - ﷺ - (يتقي) أي يختفي ويستتر عن ابن صياد (بجذوع النخل) وأصولها (وهو) أي والحال أنه - ﷺ - (يختل) بكسر التاء أي يخدع ويستغفل ابن صياد لأجل (أن يسمع من ابن صياد شيئًا) من كلامه (قبل أن يراه ابن صياد) والختل طلب الشيء بحيلة والمعنى أن النبي - ﷺ - يخدع ابن صياد ويستغفله ليسمع شيئًا من كلامه ويعلم هو وأصحابه حاله من أنَّه كاهن أم ساحر أو نحوهما وفيه كشف أحوال من تخاف مفسدته وفيه كشف الإمام الأمور المهمة بنفسه اهـ نووي (فرآه رسول الله - ﷺ - وهو) أي والحال أن ابن صياد (مضطجع على فراش) له
[ ٢٦ / ٢٢٣ ]
فِي قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا زَمْزَمَةٌ، فَرَأَتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّادٍ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ. فَقَالتْ لابْنِ صَيَّادٍ: يَا صَافِ، (وَهُوَ اسْمُ ابْنِ صَيَّادٍ)، هَذَا مُحَمَّدٌ. فَثَارَ ابْنُ صَيَّادٍ. فَقَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ: "لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ".
قَال سَالِمٌ: قَال عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي النَّاسِ فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ
_________________
(١) مغطيًا (في قطيفة) أي في كساء مخمل (له) أي لابن صياد (فيها) أي في تلك القطيفة (زمزمة) أي صوت خفي لا يكاد يُفهم أو لا يُفهم، والقطيفة كساء له خمل أي هدب، قوله (زمزمة) يقال زمزم يزمزم زمزمة من باب زلزل إذا صوت وقيل في شأن ماء زمزم سميت به لصوت كان من جبريل عندها يشبه الزمزمة، وذكر النووي أن هذا اللفظ وقع في أكثر نسخ مسلم بزايين معجمتين (زمزمة) ووقع في بعضها برائين مهملتين (رمرمة) ووقع في البخاري بالوجهين والرمرمة برائين الحركة (فرأت أم ابن صياد رسول الله - ﷺ - وهو) أي والحال أنه - ﷺ - (يتقي) أي يستتر (بجذوع النخل) وأصولها (فقالت) أمه ونادته (لابن صياد يا صاف وهو اسم ابن صياد) وهو منادى مرخم صافي بالضم على لغة من لا ينتظر وبالكسر على لغة من ينتظر (هذا محمد) يختلك (فثار ابن صياد) أي نهض من مضجعه ووثب وقام بسرعة، وفي رواية للبخاري في الشهادات (فتناهى ابن صياد) أي أمسك عما كان يقوله (فقال رسول الله - ﷺ - لو تركته) أمه على حاله أي لو لم تخبره أمه ولم تعلمه بمجيئنا لـ (بين) لنا من حاله ما نعرف به حقيقة أمره وهذا يقتضي الاعتماد على سماع الكلام وإن كان السامع محتجبًا عن المتكلم إذا عرف صوته اهـ، قال الطبري: أي كان يعبّر عن حاله في نومه هل هو الدجال أم لا. وقد يشكل هذا مع قوله - ﷺ - رفع القلم عن ثلاثة فذكر النائم حتى ينتبه والإجماع على أن النائم لا يؤاخذ بما صدر منه من قول أو غيره. ويجاب بأن هذا ليس من باب المؤاخذة وإنما هو من باب النظر في قرائن الأحوال فإن النائم الغالب عليه أنه يتكلم في نومه بما يكون له وعليه في حال اليقظة فلعله - ﷺ - كان ينتظر أن يخرج منه في حال نومه ما يدل على حاله دلالة خاصة اهـ. و(قال سالم) بن عبد الله أيضًا بالسند السابق (قال) لنا (عبد الله بن عمر) - ﵄ - (فقام رسول الله - ﷺ -) خطيبًا (في الناس فأثنى على الله بما هو
[ ٢٦ / ٢٢٤ ]
أَهْلُهُ ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّال فَقَال: "إِنِّي لأُنْذِرُكُمُوهُ. مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ أَنْذَرَهُ قَوْمَهُ. لَقَدْ أَنْذَرَهُ نُوحٌ قَوْمَهُ. وَلَكِنْ أَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ. تَعَلَّمُوا أَنَّهُ أَعْوَرُ. وَأَنَّ اللهَ ﵎ لَيسَ بِأَعْوَرَ".
قَال ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيُّ؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَال، يَوْمَ حَذَّرَ النَّاسَ الدَّجَّال: "إِنَّهُ مَكْتُوبٌ بَينَ عَينَيهِ كَافِرٌ
_________________
(١) أهله ثم ذكر) رسول الله - ﷺ - (الدجال) الذي يأتي في آخر الزمان (فقال إني لأنذركموه) أي لأنذركم من فتنته وأخوفكم عنها (ما من نبي) من الأنبياء (إلا وقد أنذره) أي أنذر وخوّف منه (قومه) أي أمته لشدة فتنته، قال الأبي: إنما أنذروه قومهم لعظم فتنته بما يظهر على يديه من الفتن ولما لم يتعين لواحد منهم زمن خروجه توقع كل منهم أن يخرج في زمن أمته فبالغ في التحذير منه فيجب الإيمان بخروجه والعزم على معاداته لو أدركه وصدق اللجأ إلى الله تعالى في الحفظ منه اهـ (لقد أنذره) أي أنذر وخوّف منه (نوح) - ﵇ - (قومه) مع أنهم في أوائل الزمان (ولكن أقول لكم) أيتها الأمة (فيه) أي في الدجال أي في الإنذار منه (قولًا لم يقله نبي) من الأنبياء في إنذاره (لقومه) وذلك قولي هذا (تعلموا) قال النووي: اتفق الرواة على ضبطه بفتح العين واللام المشددة ومعناه اعلموا وتحققوا وأيقنوا يقال تعلم بفتح اللام المشددة بمعنى اعلم، وقال ذلك تنبيهًا على صفاته الدالة على الحدوث والنقص المنزه عنها الخالق تعالى وإنما هو تنبيه للعقول القاصرة لأن من عجز عن إزالة نقصه فهو عن غيره أعجز فلا يصلح للألوهية اهـ من الأبي، أي اعلموا وانتبهوا (أنه) أي أن الدجال الفتّان (أعور) إحدى عينيه اليمنى أو اليسرى على الخلاف المذكور فيه (وأن الله ﵎ ليس بأعور) وسيأتي تفصيل علامات الدجال في الباب اللاحق إن شاء الله تعالى (قال ابن شهاب) بالسند السابق أخبرني غير عمر بن ثابت (وأخبرني) أيضًا (عمر بن ثابت الأنصاري) الخزرجي المدني، ثقة، من (٣) روى عنه في (٢) بابين الصوم والفتن (أنه) أي أن عمر (أخبره بعض أصحاب رسول الله - ﷺ -) والجهالة في الصحابة لا تضر في السند (أن رسول الله - ﷺ - قال يوم حذر) وخوّف (الناس الدجال) أي فتنته (إنه) أي إن الشأن والحال (مكتوب بين عينيه كافر) أي حروف هذه الكلمة هكذا "كـ فـ ر" كما
[ ٢٦ / ٢٢٥ ]
يَقْرَؤُهُ مَنْ كَرِهَ عَمَلَهُ أَوْ يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ". وَقَال: "تَعَلَّمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ ﷿ حَتَّى يَمُوتَ"
_________________
(١) سيأتي عن المؤلف في الباب التالي (يقرؤه) أي يقرأ ذلك المكتوب ويعرف قراءته (من كره عمله) وكذّبه (أو) قال النبي - ﷺ - (يقرؤه كل مؤمن) بالله وكافر به، وزاد أبو أمامة عند ابن ماجه يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب وهذا إخبار بالحقيقة لأن الإدراك في البصر يخلقه الله تعالى للعبد كيف شاء ومتى شاء فهذا يراه المؤمن. بعين بصره ولو كان لا يعرف الكتابة ولا يراه الكافر ولو كان يعرف الكتابة اهـ قسطلاني (وقال) رسول الله - ﷺ - (تعلموا) أي اعلموا (أنه لن يرى أحد منكم ربه ﷿ حتى يموت) وهذا نص جلي في أن الله تعالى لا يُرى في هذه الدار وهو موافق لقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] أي في الدنيا ولقوله تعالى لموسى - ﵇ - ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] أي في الدنيا ولقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وَحْيًا﴾ [الشورى: ٥١] وحاصل هذا أن الصادق قد أخبر أن الله تعالى لا يراه أحد في الدنيا والدجال يراه الناس فليس بإله اهـ مفهم، وقد زاد النبي - ﷺ - إيضاحًا لم يذكره أحد غيره من الأنبياء في وصف هذا الخبيث من ثلاثة أوجه: أحدها بقوله: "ولكن أقول لكم فيه قولاٌ لم يقله نبي من الأنبياء لأمته إنه أعور وإن الله ليس بأعور" وهذا تنبيه للعقول القاصرة أو الغافلة على أن من كان ناقصًا في ذاته عاجزًا عن إزالة نقصه لم يصلح لأن يكون إلهًا لعجزه وضعفه ومن كان عاجزًا عن إزالة نقصه كان أعجز عن نفع غيره وعن مضرته، وثانيها قوله: "إنه مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب" وهذا أمر مشاهد للحس يشهد بكذبه وكفره. وثالثها قوله: "تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت" اهـ من المفهم بتصرف، والسر في تخصيصه - ﷺ - ببيان ذلك لأن الدجال إنما يخرج في أمته دون غيرها من الأمم وإنما خص نوحًا بالذكر لأنه مقدم المشاهير من الأنبياء كما خُصّ بالتقديم في قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] اهـ قسطلاني. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في مواضع منها في كتاب الفتن ذكر الدجال [٧١٢٧]، وأبو داود في الملاحم باب في خبر ابن صائد [٤٣٢٩]، والترمذي في الفتن باب ما جاء في علامة الدجال [٢٢٣٥]، وأحمد [٢/ ١٤٨]. ثمَّ ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عمر - ﵄ - فقال:
[ ٢٦ / ٢٢٦ ]
٧١٨٢ - (. .) (. .) حدَّثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. قَالا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، (وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَال: انْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَمَعَهُ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِهِ. فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. حَتَّى وَجَدَ ابْنَ صَيَّادٍ غُلامًا قَدْ نَاهَزَ الْحُلُمَ. يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ عِنْدَ أُطُمِ بَنِي مُعَاويَةَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ. إِلَى مُنْتَهَى حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ ثَابِتٍ، وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ يَعْقُوبَ، قَال: قَال أُبَيٌّ، (يَعْنِي فِي قَوْلِهِ: لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ)، قَال: لَوْ تَرَكَتْهُ أُمُّهُ، بَيَّنَ أَمْرَهُ
_________________
(١) (. .) (. .) (حدثنا الحسن بن علي الحلواني) الهذلي المكي أبو علي الخلال، ثقة، من (١١) روى عنه في (٨) أبواب (وعبد بن حميد) بن نصر الكسي، ثقة، من (١١) (قالا حدثنا يعقوب وهو ابن إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، ثقة، من (٩) (حدثنا أبي) إبراهيم، ثقة، من (٨) (عن صالح) بن كيسان الغفاري المدني، ثقة، من (٤) (عن ابن شهاب أخبرني سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر) - ﵁ -. وهذا السند من سباعياته، غرضه بيان متابعة صالح ليونس بن يزيد (قال) ابن عمر (انطلق رسول الله - ﷺ -) إلى ابن صياد (ومعه) - ﷺ - (رهط من أصحابه فيهم عمر بن الخطاب حتى وجد) - ﷺ - (ابن صياد غلامًا قد ناهز) وقارب (الحلم) أي البلوغ حالة كونه (يلعب مع الغلمان عند أطم) وحصن (بني معاوية) بالعين المهملة وبالواو وبالياء التحتانية. هذا بظاهره معارض لما تقدم أن النبي - ﷺ - لقي ابن صياد عند أطم بني مغالة وبنو معاوية هم بنو جديلة وكانوا في جهة مخالفة لبني مغالة كما تقدم عن عمدة القاري، وذكر النووي عن العلماء أن المشهور في حديث الباب أطم بني مغالة دون بني معاوية (وساق) صالح بن كيسان (الحديث) السابق (بمثل حديث يونس إلى منتهى) وآخر (حديث عمر بن ثابت) الأنصاري (و) لكن (في الحديث) والرواية (عن يعقوب) بن إبراهيم الزهري (قال) ابن عمر (قال أُبي) بن كعب (في قوله) أي بدل قوله أولًا (قال رسول الله - ﷺ - لو تركته بيّن، قال) رسول الله - ﷺ - (لو تركته أمه بيَّن أمره).
[ ٢٦ / ٢٢٧ ]
٧١٨٣ - (. .) (. .) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ وَسَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ. جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مَرَّ بِابْنِ صَيَّادٍ فِي نَفَرٍ مِنْ أصْحَابِهِ. فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ عِنْدَ أُطُمِ بَنِي مَغَالةَ. وَهُوَ غُلامٌ، بِمَعْنَى حَدِيثِ يُونُسَ وَصَالِحٍ. غَيرَ أَنَّ عَبْدَ بْنَ حُمَيدٍ لَمْ يَذْكُرْ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ، فِي انْطِلاقِ النَّبِيِّ - ﷺ - مَعَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، إِلَى النَّخْلِ.
٧١٨٤ - (٢٩١٠) (٧٧) حدَّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، قَال: لَقِيَ ابْنُ
_________________
(١) ثمَّ ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث ابن عمر - ﵄ - فقال:
(٢) (. .) (. .) (وحدثنا عبد بن حميد وسلمة بن شبيب) المسمعي النيسابوري، ثقة، من (١١) روى عنه في (٥) أبواب (جميعًا) أي كلاهما رويا (عن عبد الرزاق) بن همام بن نافع الحميري الصنعاني (أخبرنا معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر) - ﵄ -. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة معمر ليونس وصالح بن كيسان (أن رسول الله - ﷺ - مر بابن صياد في نفر من أصحابه فيهم عمر بن الخطاب) - ﵁ - ووقع في حديث جابر "ثم جاء النبي - ﷺ - ومعه أبو بكر وعمر ونفر من المهاجرين والأنصار وأنا معهم" ولأحمد من حديث أبي الطفيل أنه حضر ذلك أيضًا كذا في فتح الباري [٦/ ١٧٤] (وهو) أي والحال أن ابن صياد (يلعب مع الغلمان) أي مع الصبيان (عند أطم بني مغالة وهو) أي ابن صياد (غلام) أي صبي غير بالغ. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة معمر ليونس وصالح، وساق معمر (بمعنى حديث يونس وصالح غير أن) أي لكن أن (عبد بن حميد لم يذكر حديث ابن عمر في انطلاق النبي - ﷺ - مع أُبي بن كعب إلى النخل). ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى سابعًا لحديث ابن مسعود بحديث حفصة بنت عمر أم المؤمنين - ﵃ - فقال:
(٣) (٢٩١٠) (٧٧) (حدثنا عبد بن حميد حدثنا روح بن عبادة) بن العلاء القيسي البصري، ثقة، من (٩) روى عنه في (١٤) بابا (حدثنا هشام) بن حسان الأزدي القردوسي البصري، ثقة، من (٦) (عن أيوب) السختياني (عن نافع قال) نافع (لقي ابن
[ ٢٦ / ٢٢٨ ]
عُمَرَ ابْنَ صَائِدٍ فِي بعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ. فَقَال لَهُ قَوْلًا أَغْضَبَهُ. فَانْتَفَخَ حَتَّى مَلأَ السِّكَّةَ. فَدَخَلَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى حَفْصَةَ وَقَدْ بَلَغَهَا. فَقَالتْ لَهُ: رَحِمكَ اللهُ، مَا أَرَدْتَ مِنِ ابْنِ صَائِدٍ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَال: "إِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ غَضْبَةٍ يَغْضَبُهَا"؟
_________________
(١) عمر ابن صائد في بعض طرق المدينة فقال) ابن عمر (له) أي لابن صائد (قولًا) أي كلامًا (أغضبه) أي أغضب ابن صائد، وفي رواية حماد بن سلمة عن أيوب عند أحمد (فسبه ابن عمر ووقع فيه) أي وقع ابن عمر في عرضه، وسيأتي تفصيله في الرواية الآتية (فانتفخ) ابن صائد أي كبر حجمه من غضبه (حتى ملأ) ابن صائد بجسمه (السكة) أي الزقاق والسكة بكسر السين وفتح الكاف المشددة الطريق بين الدور يُجمع على سكك، قال أبو عبيد أصل السكة الطريق المصطفة بالنخل، قال: وسميت الأزقة سككًا لاصطفاف الدّور فيها اهـ نووي، وقال القرطبي: يعني أن ابن عمر قال لابن صياد قولًا غضب ابن صياد لأجله فانتفخ ابن صياد حتى ملأ السكة وهي الطريق وهذا الانتفاخ محمول على حقيقته وظاهره ويكون هذا أمرًا خارقًا للعادة في حق ابن صياد ويكون من علامات أنه الدجال لأن هذا موافق لما قالته حفصة رضي الله تعالى عنها عن النبي - ﷺ - "إنما يخرج من غضبة غضبها" ويحتمل أيضًا أن يكون ذلك من آثار سحره أو تخييله (فدخل ابن عمر على حفصة) أم المؤمنين - ﵃ - (وقد بلغها) أي والحال أنه قد بلغ ووصل إلى حفصة خبر ما جرى بين ابن عمر وابن صياد من المشاغبة والمغاضبة (فقالت) حفصة (له) أي لابن عمر (رحمك الله) تعالى يا شقيق نفسي (ما أردت) أي أي شيء قصدت وطلبت (من) المشاغبة مع (ابن صياد) وفي رواية حماد عند أحمد (ما يولعك به) والمعنى لماذا تتعرض له بدون حاجة فإنه كان دجالًا فربما يضرك كلامه وغضبه (أما علمت) يا أُخي (أن رسول الله - ﷺ - قال إنما يخرج) من سجنه في البحر إلى الناس في آخر الزمان (من غضبة) أي لأجل غضبة (يغضبها) يتحلل بها عنه سلاسله. وقوله (يغضبها) ضميره مفعول به وفيه إشعار لشدة غضبه حيث أوقع غضبه على الغضبة وهي المرة من الغضب ويجوز أن يكون مفعولًا مطلقًا على قول من يجوز أن يكون ضميرًا اهـ ابن مالك. وهذا الحديث انفرد به الإمام مسلم عن الأئمة الستة ولكنه أخرجه أحمد [٦/ ٢٨٣].
[ ٢٦ / ٢٢٩ ]
٧١٨٥ - (. .) (. .) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا حُسَينٌ، (يَعْنِي ابْنَ حَسَنِ بْنِ يَسَارٍ)، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ. قَال: كَانَ نَافِعٌ يَقُولُ: ابْنُ صَيَّادٍ، قَال: قَال ابْنُ عُمَرَ: لَقِيتُهُ مَرَّتَينِ. قَال: فَلَقِيتُهُ فَقُلْتُ لِبَعْضِهِمْ: هَلْ تَحَدَّثُونَ أَنَّهُ هُوَ؟ قَال: لَا، وَاللهِ. قَال: قُلْتُ: كَذَبْتَنِي، وَاللهِ، لَقَدْ أَخْبَرَنِي بَعْضُكُمْ أَنَّهُ لَنْ يَمُوتَ حَتَّى يَكُونَ أَكْثَرَكُمْ مَالًا وَوَلَدًا، فَكَذَلِكَ هُوَ زَعَمُوا الْيَوْمَ
_________________
(١) ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث حفصة رضي الله تعالى عنها فقال:
(٢) (. .) (. .) (حدثنا محمد بن المثنى حدثنا حسين يعني ابن حسن بن يسار) النصري مولاهم أي مولى بني نصر بن معاوية أبو عبد الله البصري، ثقة، من (٨) روى عنه في (٣) أبواب (حدثنا) عبد الله (بن عون) بن أرطبان المزني البصري، ثقة، من (٦) (عن نافع) عن ابن عمر عن حفصة - ﵃ -. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة ابن عون لأيوب السختياني (قال) ابن عون (كان نافع يقول ابن صياد) مبتدأ (قال: قال ابن عمر) قال الأول فعل ماضي والثاني توكيد لفظي للأول أو مقحم وابن فاعل لقال الأول، وجملة (لقيته مرتين) مقول لقال الأول، وجملة القول الأول خبر المبتدأ ولكنه خبر سببي، والتقدير قال ابن عون كان نافع يقول ابن صياد قائل فيه ابن عمر لقيته مرتين مرة حاورت فيها مع أصحابه ومرة حاورت فيها معه أي مع ابن صياد كما بينهما بقوله (قال) ابن عمر (فلقيته) أي فلقيت ابن صياد في أول مرة (فقلت لبعضهم) أي لبعض من عند ابن صياد أي قلت لبعض أصحاب ابن صياد، وفي رواية روح عند أحمد فأما مرة فلقيته ومعه بعض أصحابه فقلت لبعضهم (هل تحدّثون) بحذف إحدى التاءين كأنه مضارع تحدّث الخماسي أي قلت لبعض أصحابه هل تتحدثون فيما بينكم (أنه) أي أن ابن صياد (هو) أي رسول، قال ابن عمر (قال) لي ذلك البعض الذي سألته وخاطبت معه (لا والله) لا نتحدث بذلك ولا نقوله ولا نعتقده (قال) ابن عمر فـ (قلت) لذلك البعض الذي قال لا والله (كذبتني) أي أخبرتني بالكذب بقولك لا والله، قال ابن عمر (والله لقد أخبرني بعضكم) أي بعض أصحاب ابن صياد (أنه) أي أن ابن صياد (لن يموت) ابن صياد (حتى يكون أكثركم) أي أكثر أصحابه (مالاُ وولدًا) قوله (فكذلك هو زعموا اليوم) فيه تقديم وتأخير والتقدير فزعموا أنه كان كذلك اليوم أي
[ ٢٦ / ٢٣٠ ]
قَال: فَتَحَدَّثْنَا ثمَّ فَارَقْتُهُ. قَال: فَلَقِيتُهُ لَقْيَةً أُخْرَى وَقَدْ نَفَرَتْ عَينُهُ. قَال: فَقُلْتُ: مَتَى فَعَلَتْ عَينُكَ مَا أَرَى؟ قَال: لَا أَدْرِي. قَال: قُلْتُ: لَا تَدْرِي وَهِيَ فِي رَأْسِكَ؟ قَال: إِنْ شَاءَ اللهُ خَلَقَهَا فِي عَصَاكَ هَذِهِ. قَال: فَنَخَرَ
_________________
(١) فزعم أصحابه أن ابن صياد كان كذلك أي كان اليوم أكثر أصحابه مالًا وولدًا، ولعل مراده أن مثل هذا القول الجازم لا يقال إلا بالوحي فقولكم هذا يدل على أنكم تزعمون فيه أنه يُوحى إليه، وعبارة القرطبي مثل هذا الخبر لا يتوصل إليه إلا بالنقل ولم يكن عندهم شيء يعتمدونه إلا الخبر عن رسول الله - ﷺ - فهو مرفوع بالمعنى لا باللفظ فكأنه قال ابن عمر لبعض أصحاب ابن صياد: أخبرني بعضكم عن النبي - ﷺ - "أنه لن يموت حتى يكون أكثركم مالًا وولدًا". (قال) ابن عمر (فتحدثنا) مع بعض أصحابه تلك اللقية أي في المرة الأولى (ثم فارقته) أي فارقت ابن صياد، قال الطبري: ولا يُتوهم أن الخطاب لابن صياد لأنه لم يتكلم معه في هذه اللقية وإنما تكلم معه في المرة الثانية المذكورة بقوله (قال) ابن عمر (فلقيته) أي لقيت ابن صياد (لقية أخرى) أي مرة أخرى، قال القرطبي: كذا وقع (لقية) بضم اللام لأكثرهم والصواب الفتح في اللام من لقية لأنه مرة من اللقاء ولم يحكه ثعلب إلا بضمها (وقد نفرت) بالنون والفاء المفتوحتين أي والحال أنه (قد نفرت) أي ورمت ونتأت أي خرجت وارتفعت (عينه) قال القاري في المرقاة [١٠/ ٢٢٧] وكأن الجلد ينفر من اللحم للداء الحادث بينهما، وذكر القاضي عياض في ضبطه وجوهًا، والظاهر أنها كلها تصحيف (قال) ابن عمر (فقلت) لابن صياد (متى فعلت عينك ما أرى) عليها من الورم والنتوء أي متى تورمت عينك ونتأت (قال) ابن صياد لابن عمر (لا أدري) ولا أعلم متى تورمت ونفرت (قال) ابن عمر (قلت) لابن صياد (لا تدري وهي في رأسك) والكلام على تقدير همزة الاستفهام الإنكاري أي أفلا تدري ولا تعلم متى تورمت عينك، والحال أنها في رأسك (قال) ابن صياد لابن عمر (إن شاء الله خلقها) أي خلق الله هذه العلة الموجودة في عيني أو خلق الله هذه العين المعيبة (في عصاك) أي بسبب عصاك (هذه) الموجودة في يدك أي خلق الله هذه العلة الموجودة في عيني بسبب ضربك إياها بعصاك هذه الموجودة في يدك، قال في المرقاة: أي خلق هذه العلة أو هذه العين المعيبة في عصاك بحيث لا تدري وهي أقرب شيء إليك اهـ (قال) ابن عمر (فنخر) ابن
[ ٢٦ / ٢٣١ ]
كَأَشَدِّ نَخِيرِ حِمَارٍ سَمِعْتُ. قَال: فَزَعَمَ بَعْضُ أَصْحَابِي أَنِّي ضَرَبْتُهُ بِعَصًا كَانَتْ مَعِيَ حَتَّى تَكَسَّرَتْ، وَأَمَّا أَنَا، فَوَاللهِ مَا شَعَرْتُ.
قَال: وَجَاءَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنينَ فَحَدَّثَهَا فَقَالتْ: مَا تُرِيدُ إِلَيهِ؟ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ قَال: "إِنَّ أَوَّلَ مَا يَبْعَثُهُ عَلَى النَّاسِ غَضَبٌ يَغْضَبُهُ"
_________________
(١) صياد أي صوت بأنفه وصاح نخيرًا (كأشد نخير حمار سمعتـ) ـه ينخر وقد ضربه ابن عمر بعصًا له حتى انكسرت لشدة موجدته عليه، والنخير صوت الأنف يعني مد النفس في الخيشوم يقال نخر ينخر نخيرًا من بابي ضرب ونصر إذا صوّت بأنفه (قال) ابن عمر (فزعم) أي قال (بعض أصحابي) ورفقتي الذين كانوا معي في ذلك الوقت (أني ضربته) أي ضربت ابن صياد (بعصا كانت معي حتى تكسرت) تلك العصا، قال ابن عمر (وأما أنا فوالله ما شعرت) ولا علمت حين ضربته، وكون ابن عمر لم يشعر بضربه لابن صياد بالعصا حتى تكسرت كان ذلك لشدة موجدته عليه وكأنه تحقق منه أنه الدجال (قال) ابن عمر (وجاء) ابن صياد (حتى دخل على) حفصة (أم المؤمنين) رضي الله تعالى عنها (فحدّثها) أي فحدّث ابن صياد لحفصة خبر ما جرى بيني وبينه (فقالت) لي حفصة (ما تريد إليه) أي أي حاجة تريد منه حتى أوصلتك إلى ضربه (ألم تعلم) يا أخي (أنه قد قال) رسول الله - ﷺ - (إن أول ما يبعثه) أي يبعث الدجال ويخرجه (على الناس) في آخر الزمان (غضب يغضبه) انفكت عنه بسببه سلسلته والله أعلم. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث ثمانية: الأول حديث ابن مسعود ذكره للاستدلال به على الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والثاني حديث أبي سعيد الخدري ذكره للاستشهاد، والثالث حديث جابر ذكره للاستشهاد، والرابع حديث أبي سعيد الثاني ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعتين، والخامس حديث أبي سعيد الثالث ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة، والسادس حديث أبي سعيد الرابع ذكره للاستشهاد، والسابع حديث ابن عمر ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعتين، والثامن حديث ابن عمر الثاني ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة والله ﷾ أعلم. ***
[ ٢٦ / ٢٣٢ ]