ولما بلَغَ الحاديةَ عَشْرةَ مِنْ عُمُرِه، رَغِبَ إليه والدُهُ أن ينضمَّ إلى الحَلْقةِ في المسجد الجامع الكبير في البُكَيْريَّة؛ ليدرُسَ على الشيخ محمَّد بن عبد الله السُّبَيِّلِ إمامِ الحرَمِ المكي، والشيخ عبد العزيز بن عبد الله السُّبَيِّل (^١)، والشيخِ العلَّامة محمَّد بن مُقبِلِ المُقبِل، وغيرهم مِنْ علماء ذلك الزمان ﵏.
وفي السنةِ الثالثةَ عَشْرةَ مِنْ عُمُرِهِ، سافر إلى الرياض، وانضمَّ مع طلبةِ العلمِ في مسجد الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، وأخيه الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم، وغيرِهم من العلماء آنَذَاك ﵏.
ولما قَدِمَ عبد الله ابنُ العمِّ الشيخِ محمَّد بن عثمان الشاوي ﵀ مِنْ الطائف، أقنَعَهُ بالالتحاقِ بدارِ التوحيدِ في الطائف؛ فالتحَقَ ودرَسَ بها، وبعد أن أخَذَ شهادةَ المتوسِّطةِ مِنْ دار التوحيد، عاد إلى الرياض، وأكمَلَ الثانويةَ في المعهدِ العلميِّ بالرياض.
وفي عام (١٣٧٢ هـ) التحَقَ بكلية الشريعة، والتي كانت تسمَّى آنَذَاكَ: «دارَ العُلُومِ الشرعيَّة»، واستمرَّ فيها حتى تخرُّجه عام (١٣٧٦ هـ)، وكان مِنْ ضمن أوَّلِ دُفْعةٍ تخرَّجت في الكلية، وكان مِنْ مشايخِهِ وأساتذتِهِ الذين درَسَ عليهم في الكلية: الشيخُ محمَّد الأمين الشِّنْقِيطي، مؤلِّفُ تفسيرِ (أضواء البيان)، والشيخُ عبد العزيز بن باز، والشيخُ عبد الرزاق عفيفي، وغيرهم من أهل العلم آنذاك ﵏.
أعمالُه: وبعد تخرُّجه في كلية الشريعة عام ١٣٧٦ هـ، تمَّ تعيينُهُ قاضيًا في المنطقة الشرقية في بَلْدةِ النُّعَيْريَّةِ بتاريخ: (١٥/ ٢/ ١٣٧٧ هـ)، وقام بتأسيسِ المحكمةِ الشرعيَّةِ فيها، وعُيِّنَ رئيسًا لها، واستمَرَّ عمَلُهُ في مَجَالِ القضاء حتى تاريخ: (١٦/ ٨/ ١٣٧٩ هـ).
وفي أثناء وجوده في النُّعَيْريَّةِ قاضيًا تولَّى إمامةَ جامع النُّعَيرِيَّة، وتولَّى الخَطَابةَ يوم الجمعةِ، وفي الأعياد والمناسَبات.
ومن المهامِّ التي تولَّاها أثناءَ عمله قاضيًا في النُّعَيْريَّة: تأسيسُ هيئاتِ الأمرِ بالمعروف، والنهيِ عن المنكَرِ فيها، ثم عُيِّنَ رئيسًا لها، وتولَّى أعمال الحِسْبةِ فيها لفترةٍ وجيزة، حتى تمَّ تعيينُ رئيسٍ مستقِلٍّ لها.
_________________
(١) وهو شقيقُ الشيخِ محمَّد بن عبد الله السُّبَيِّل إمامِ الحرَم المكي ﵀.
[ ٦ ]
وبعد عامَيْنِ تقريبًا من عملِهِ في مجالِ القضاءِ: طلَبَ منه سماحة الشيخ محمدُ بنُ إبراهيم ﵀ الانتقالَ إلى الرياض؛ لتأسيسِ وافتتاحِ كتابةِ العَدْل، والقيامِ بعملِ اللازمِ لها؛ حيثُ لم يكن هناك كتابةُ عَدْلٍ رسميَّةٌ بهذا الاسمِ قبل ذلك في منطقةِ الرياضِ والقَصِيم.
وبعد الانتهاءِ مِنْ عمليَّةِ تأسيسِ وافتتاحِ كتابةِ العَدْلِ: عُيِّنَ رئيسًا لها؛ فكان أوَّلَ رئيسٍ لكتابةِ العَدْلِ بالرياض، وقد رتَّب فضيلتُهُ ما يَلزَمُ لها مِنْ الأنظِمةِ والقوانينِ والموظَّفينَ، وباشَرَ العمَلَ فيها بتاريخ: (١٨/ ٨/ ١٣٧٩ هـ).
وخلالَ فَتْرةِ عملِهِ رئيسًا لكتابة العَدْلِ: كُلِّفَ بالعمَلِ عضوًا قضائيًّا احتياطيًّا بهيئةِ المنازَعاتِ التجاريَّةِ في الفترةِ المسائيَّةِ في حالةِ تغيُّبِ أحدِ أعضاء الهيئة، وذلك بتاريخ: (٢٨/ ٥/ ١٣٨٩ هـ)، ثم صار بعد ذلك عضوًا رسميًّا، بعد أن طلَبَ أحدُ الأعضاءِ مِنْ الشيخِ محمَّد بن جُبَير ﵀ إعفاءَهُ مِنْ الهيئة، للتفرُّغِ إلى عملِهِ الرسمي.
ومِن الأعمالِ التي تولَّاها: قيامُهُ بعقودِ الأَنكِحةِ بين الناس؛ حيثُ عَمِل مأذونًا للأنكحة، وقد تم تعيينُهُ في هذا العمل بتاريخ: (٥/ ٤/ ١٣٩٢ هـ)، بجانبِ عملِهِ في كتابةِ العَدْلِ بالرياض.
ومِن الأعمالِ التي تولَّاها أيضًا: تعيينُهُ عضوًا مؤسِّسًا في مؤسَّسةِ الجزيرةِ للصِّحَافةِ والطِّبَاعةِ والنَّشْر، ثم انتُخِبَ أيضًا مِنْ قِبَلِ زملائِهِ وعُيِّنَ عضوًا إداريًّا بتاريخ: (١/ ٨/ ١٣٩٨ هـ). كلُّ ذلك بجانبِ عمَلِهِ في كتابة العَدْل.
ومِن الأعمالِ أيضًا: تعيينُهُ مستشارًا لمعالي وزيرِ العَدْلِ آنذاكَ الشيخ إبراهيم بن محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ، بتاريخ: (١٥/ ٣/ ١٣٩٨ هـ)، وبعد فترةٍ وجيزةٍ مِنْ عمَلِهِ مستشارًا طلَبَ الإعفاءَ والتقاعُدَ المبكِّر، فتحقَّق له ما يريد؛ وذلك بتاريخ: (٩/ ٢/ ١٣٩٩ هـ)؛ لأنه كان يريدُ إراحةَ نفسِهِ مِنْ الأعمالِ الرسميَّة، والتفرُّغَ لكتابةِ البحوث، والعبادةِ، وغير ذلك.
بعد التقاعُد: وبعد التقاعُدِ قرَّر الانتقالَ إلى مكَّةَ المكرَّمةَ حرَسَها الله، وسكَنَ بجوارِ الحرَمِ المكي، وكان يصلِّي فيه الصلواتِ الخمسَ، ويحضُرُ الدروسَ والمحاضَرات، وقد ساعَدَهُ ذلك على استعادةِ حِفْظِهِ لكتاب الله.
ولقد رأيتُ مِنْ الوالدِ حفظه الله أثناءَ إقامتِهِ في مكَّةَ عنايةً بكتاب الله؛ تلاوةً وحفظًا، وفهمًا وتدبُّرًا؛ حتى إنه ترَكَ لأبنائِهِ جميعَ أعمالِهِ وتجاراتِه، منذ رُبُعِ قَرْنٍ تقريبًا، وسكَنَ بجوارِ الحرَمِ المكي، حتى لا يَشغَلَهُ شيءٌ عن القرآنِ ومدارَسَتِه، وكان ولا يزال: يَختِمُ القرآنَ في كلِّ يومٍ مَرَّةً؛ لا
[ ٧ ]