عن جرير بن عبد الله ﵁، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي صَدْرِ النَّهَارِ، قَالَ: فَجَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ أَوِ الْعَبَاءِ، مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ، بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ، فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: «﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ … إِلَى آخِرِ الْآيَة: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، وَالْآيَةَ الَّتِي فِي الْحَشْرِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحشر: ١٨].
تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ -حَتَّى قَالَ- وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ».
قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ.
قَالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ، حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ، حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَتَهَلَّلُ، كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» (^١).
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (١٠١٧).
[ ٢٨١ ]
معاني الكلمات (^١):
الكلمة … معناها
مجتابي النمار … أي: لابسيها النمار، جمع: نمرة: وهي كساء من صوف ملون مخطط، كأنها أخذت من لون النمر، لما فيها من السواد والبياض، واجتابوها: قطعوها فلبسوها، وأصل الجوب القطع، ومنه: ﴿جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر: ٩].
أراد أنه جاءه قوم لابسي أزر مخططة من صوف.
العباء … جمع: عباءة وعباية لغتان، نوع من الأكسية.
فتمعَّر … أي: تغير مما شق عليه من أمرهم.
الفاقة … الفقر.
تصدق رجل … أي: ليتصدق.
والكومة من الطعام … الصبرة، وأصل الكوم ما ارتفع من الشيء، وهو العظيم من كل شيء.
يتهلل … يستنير ويظهر عليه أمارات السرور.
مذهبة … معناه: فضة مذهبة، وهذا أبلغ في حسن الوجه وإشراقه. وقيل: شبهه في حسنه ونوره بالمذهبة من الجلود، وجمعها: مذاهب، وهي شيء كانت العرب تصنعه من جلود، وتجعل فيها خطوطًا مذهبة يرى بعضها إثر بعض.
_________________
(١) ينظر: كشف المشكل لابن الجوزي (١/ ٤٣٣)، وشرح مشكاة المصابيح للطيبي (٢/ ٦٦٩).
[ ٢٨٢ ]
التعليق:
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ (^١): (هذا حديث عظيم، يتبين منه حرص النبي ﷺ وشفقته على أمته صلوات الله وسلامه عليه، فبينما هم مع رسول الله ﷺ في أول النهار، إذا جاء قوم عامتهم من مضر أو كلهم من مضر مجتابي النمار، مقلدي السيوف ﵃، يعني أن الإنسان ليس عليه إلا ثوبه، قد اجتباه يستر به عورته، وقد ربطه على رقبته، ومعهم السيوف استعدادًا لما يؤمرون به من الجهاد ﵃.
فتمعَّر وجه النبي ﷺ، يعني: تغير وتلوَّن لما رأى فيهم من الحاجة، وهم من مضر، من أشرف قبائل العرب، وقد بلغت بهم الحاجة إلى هذا الحال، ثم دخل بيته ﷺ، ثم خرج، ثم أمر بلالًا فأذن، ثم صلى، ثم خطب الناس ﷺ، فحمد الله ﷺ كما هي عادته، ثم قرأ قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الحشر: ١٨].
ثم حثَّ على الصدقة، فقال: تصدق رجل بديناره، وتصدق بدرهمه، تصدق بثوبه، تصدق بصاع بره، تصدق بصاع تمره، حتى ذكر ولو شق تمرة.
وكان الصحابة ﵃ أحرص الناس على الخير، وأسرعهم إليه،
_________________
(١) ينظر: شرح رياض الصالحين لابن عثيمين (٢/ ٣٤٠).
[ ٢٨٣ ]
وأشدهم مسابقة، فخرجوا إلى بيوتهم فجاءوا بالصدقات، حتى جاء رجل بصرة معه في يده كادت تعجز يده عن حملها، بل قد عجزت، ثم وضعها بين يدي الرسول ﷺ.
ثم رأى جرير كومين من الطعام والثياب وغيرها قد جمع في المسجد، فصار وجه النبي ﷺ بعد أن تمعَّر، صار يتهلل كأنه مذهبة، يعني: من شدة بريقه ولمعانه وسروره ﷺ لما حصل من هذه المسابقة التي فيها سدُّ حاجة هؤلاء الفقراء، ثم قال ﷺ: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء».
والمراد بالسنة في قوله ﷺ: «من سن في الإسلام سنةً حسنة»، ابتدأ العمل بسنة، وليس من أحدث؛ لأن من أحدث في الإسلام ما ليس منه فهو ردٌّ وليس بحسن، لكن المراد بمن سنَّها، أي: صار أول من عمل بها؛ كهذا الرجل الذي جاء بالصرَّة ﵁، فدل هذا على أن الإنسان إذا وفق لسن سنة في الإسلام سواء بادر إليها، أو أحياها بعد أن أميتت «فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده» (^١).
وذلك لأن السنة في الإسلام ثلاثة أقسام:
سنة سيئة: وهي البدعة، فهي سيئة وإن استحسنها من سنها، لقول النبي ﷺ: «كل بدعة ضلالة» (^٢).
_________________
(١) زيادة يقتضيها السياق، وقد ذكر الشيخ ذلك بعد أسطر.
(٢) أخرجه مسلم برقم (٨٦٧) عن جابر ﵁.
[ ٢٨٤ ]
وسنة حسنة: وهي على نوعين:
النوع الأول: أن تكون السنة مشروعة ثم يترك العمل بها ثم يُجددها من يجددها، مثل قيام رمضان بإمام، فإن النبي ﷺ شرع لأمته في أول الأمر الصلاة بإمام في قيام رمضان (^١)، ثم تخلف خشية أن تفرض على الأمة، ثم ترك الأمر في آخر حياة النبي ﷺ، وفي عهد أبي بكر ﵁ وفي أول خلافة عمر، ثم رأى عمر ﵁ أن يجمع الناس على إمام واحد ففعل، فهو ﵁ قد سن في الإسلام سنة حسنة؛ لأنه أحيا سنة كانت قد تركت.
والنوع الثاني: من السنن الحسنة أن يكون الإنسان أول من يبادر إليها، مثل حال الرجل الذي بادر بالصدقة حتى تتابع الناس ووافقوه على ما فعل.
فالحاصل أن من سن في الإسلام سنة حسنة، ولا سنة حسنة إلا ما جاء به الشرع؛ فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده.
وقد أخذ هذا الحديث أولئك القوم الذين يبتدعون في دين الله ما ليس منه، فيبتدعون أذكارًا ويبتدعون صلوات ما أنزل الله بها من سلطان، ثم يقولون: هذه سنة حسنة، نقول: لا، كل بدعة ضلالة وكلها سيئة، وليس في البدع من حسن، لكن المراد في الحديث من سابق إليها وأسرع، كما هو ظاهر السبب في الحديث، أو من أحياها بعد أن أميتت فهذا له أجرها وأجر من عمل بها).
_________________
(١) يشير إلى حديث أم المؤمنين عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ صلى ذات ليلة في المسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة، فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ، فلما أصبح قال: «قد رأيت الذي صنعتم ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم وذلك في رمضان». أخرجه البخاري برقم (١١٢٩) ومسلم برقم (٧٦١).
[ ٢٨٥ ]
من فوائد الحديث:
أولًا: فيه إشفاق النبي ﷺ على أمته، ورحمته أهل الفاقة والحاجة. قال حسان بن ثابت ﵁ في مرثيته للرسول ﷺ (^١):
وَمَا فَقَدَ الْمَاضُونَ مِثْلَ مُحَمّدٍ … وَلَا مِثْلُهُ حَتّى الْقِيَامَةِ يُفْقَدُ
ثانيًا: فيه استحباب جمع الناس للأمور المهمة ووعظهم وحثهم على مصالحهم وتحذيرهم من القبائح (^٢).
ثالثًا: فيه مسارعة الصحابة ﵃ إلى أفعال الخير والبر وتسابقهم في طاعة الله ورسوله ﷺ.
رابعًا: فيه الفرح إذا أصاب المسلمين خير، وإذا رآهم على خير، قال النووي ﵀ (^٣): (وأما سبب سروره ﷺ، ففرحًا بمبادرة المسلمين إلى طاعة الله تعالى، وبذل أموالهم لله، وامتثال أمر رسول الله ﷺ، ولدفع حاجة هؤلاء المحتاجين، وشفقة المسلمين بعضهم على بعض، وتعاونهم على البر والتقوى، وينبغي للإنسان إذا رأى شيئا من هذا القبيل أن يفرح ويظهر سروره).
خامسًا: قوله: «من سنَّ في الإسلام سنةً حسنة فله أجرها … إلى آخره»: فيه الحث على الابتداء بالخيرات وسن السنن الحسنات، والتحذير من اختراع الأباطيل والمستقبحات.
_________________
(١) سوف يذكر الشيخ المرثية كاملة في نهاية الكتاب.
(٢) ينظر: شرح النووي على مسلم (٧/ ١٠٢).
(٣) ينظر: شرح النووي على مسلم (٧/ ١٠٣)
[ ٢٨٦ ]
وسبب هذا الكلام في هذا الحديث؛ أنه قال في أوله: فجاء رجل بصرةٍ كادت كفُّه تعجز عنها، فتتابع الناس، وكان الفضل العظيم للبادي بهذا الخير، والفاتح لباب هذا الإحسان.
وفي هذا الحديث تخصيص قوله ﷺ: «كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة»، وأن المراد به: المحدثات الباطلة والبدع المذمومة (^١).
_________________
(١) ينظر: شرح النووي على مسلم (٧/ ١٠٤)
[ ٢٨٧ ]