عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ، قال: «لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَى عَبْدٍ أَحْيَاهُ حَتَّى بَلَغَ سِتِّينَ أَوْ سَبْعِينَ سَنَةً، لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ، لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ» (^١).
وفي رواية للبخاري: قال: «أعْذَرَ الله إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أجَلَهُ حَتَّى بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً» (^٢).
معاني الكلمات (^٣):
الكلمة … معناها
أعذر … قال العلماء: معناه: لم يترك له عذرًا ولا حجة؛ إِذْ أمْهَلَهُ هذه المدَّة، يقال: أعْذَرَ الرجُلُ: إذا بلغ الغاية في العُذْرِ.
قال السندي: أي: أتى بالعذر إليه وأظهره، ومنه قولهم: أعذر من أنذر، أي: أتى بالعذر وأظهره، وهذا مجاز، فإن العذر لا يتوجه على الله، وإنما يتوجه له على العبيد.
والمقصود: أن الله لم يترك له شيئًا في الاعتذار يتمسك به، كذا قيل.
أخَّر أجلَه … يعني: أطاله.
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند (١٣/ ١٣٩) برقم (٧٧١٣)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٢٧ - ٤٢٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٣٧٠)، والبغوي في شرح السنة (٤٠٣٢).
(٢) أخرجه البخاري برقم (٦٤١٩).
(٣) ينظر: فتح الباري لابن حجر (١١/ ٢٤٠).
[ ١٥ ]
التعليق:
معنى الحديث: أن من بلغ الستين لم يبق له اعتذار، كأن يقول: لو مُدَّ لي في الأجل لفعلت ما أمرت به.
يقال: أعذر إليه: إذا بلَّغه أقصى الغاية في العذر، ومكَّنه منه، وإذا لم يكن له عذر في ترك الطاعة مع تمكنه منها بالعمر الذي حصل له، فلا ينبغي له حينئذ إلا الاستغفار والطاعة والإقبال على الآخرة بالكلية.
ونسبة الإعذار إلى الله مَجَازِيَةٌ، والمعنى: أن الله لم يترك للعبد سببًا في الاعتذار يتمسك به، والحاصل: أنه لا يعاقب إلا بعد حُجَّةٍ (^١).
وبالجملة: فالمقصود: أن من بلغ ستين إذا لم يتب، ومات على المعصية، فلو عذبه الله تعالى لكان تطويله العمر وتقريبه إلى الموت مع إصرار ذلك الرجل على المعصية يصير بمنزلة العذر لله في عذابه، فصار كأنه أتى الله إليه بالعذر إن عذبه لإصراره على المعصية، فلم يبق للعبد عذرٌ؛ بل العذر قد قام لله تعالى، والله تعالى أعلم.
وقيل: الهمزة في: «أعذر»، للسلب، أي: أزال عذرَه (^٢)، فإذا لم يتب إلى هذا العمر، لم يكن له عذر، فإن الشاب يقول: أتوب إذا شخت، والشيخ ماذا يقول؟!
وقيل: أقام الله عذره في تطويل عمره وتمكينه من الطاعة مدة مديدة (^٣)، كأن المراد: أنه ألقى إليه عذره بتطويل العمر ليعتذر به، بحيث لا يبقي له إلا الاستغفار والطاعة، والإقبال إلى الآخرة بالكلية.
_________________
(١) ينظر: فتح الباري لابن حجر (١١/ ٢٤٠).
(٢) ذكره ابن الملك في شرح مصابيح السنة (٥/ ٤٢٢)، والعيني في عمدة القاري (٢٣/ ٣٦)، والصنعاني في التنوير شرح الجامع الصغير (١٠/ ٢٥).
(٣) ينظر: اللامع الصبيح للبرماوي (١٥/ ٤٥٣)، وعمدة القاري للعيني (٢٣/ ٣٦).
[ ١٦ ]
وقيل (^١): أي: أعذر إليه غاية الإعذار، الذي لا إعذار بعده، لأن الستين قريبٌ من معترك المنايا (^٢)، وهو سن الإنابة والخشوع والاستسلام لله تعالى وترقبِ المنية ولقاء الله تعالى، فهذا إعذار بعد إعذار في عمر ابن آدم؛ لطفًا من الله لعباده حين نقلهم من حالة الجهل إلى حالة العلم، وأعذر إليهم مرة بعد أخرى، ولم يعاقبهم إلا بعد الحجج اللائحة المُبكِّتة لهم، وإن كانوا قد فطرهم الله تعالى على حب الدنيا وطول الأمل، فلم يتركهم مهملين دون إعذار لهم وتنبيه، وأكبر الإعذار إلى بني آدم بعثه الرسل إليهم.
مراحل عمر الإنسان:
قال ابن الجوزي ﵀ (^٣): (أعذر: أي: أقام العذر في تطويل التعمير. واعلم أن الأسنان أربعة: سن الصِّبا، وسن الشباب، وسن الكهولة، وسن الشيخوخة:
- فسن الصِّبا: هو الذي يكون فيه البدن دائم النشوء والنمو، وهو إلى خمس عشرة سنة.
- وسن الشباب: هو الذي يتكامل فيه النمو ويبتدئ عقِيبه بالانحطاط، ومنتهاه في غالب الأحوال خمسٌ وثلاثون سنة، وقد يبلغ أربعين.
وبعضهم يسمي ما بين الثلاثين إلى الأربعين: سن الوقوف، كأن القوة وقفت فيه، ثم من الأربعين يأخذ في النقص، قال الشاعر:
كأن الفتى يرقى من العمر سُلَّما … إلى أن يجوزَ الأربعينَ وينحطُّ
_________________
(١) قاله ابن بطال في شرح صحيح البخاري (١٠/ ١٥٢).
(٢) ومعترك المنايا: هو من الستين إلى السبعين.
(٣) ينظر: كشف المشكل لابن الجوزي (٣/ ٥٣٢).
[ ١٧ ]
- وسن الكهول: الذي قد تبين فيه الانحطاط والنقصان مع بقاء من القوة، ومنتهاه في أكثر الأحوال ستون سنة، فمن بلغ الستين فقد انتهى وأثَّر فيه ضعف القوة وجاءته نذر الموت، ودخل في سن المشايخ، وفي ذلك الزمان يزيد انحطاط القوة، ويقوى ظهور الضعف إلى آخر العمر …، سمعت سفيان الثوري يقول: من بلغ سنَّ النبي ﷺ فلْيرتَدْ لنفسه كفنًا).
وجاءكم النذير:
وطول العمر من النذر التي يرسلها الله تعالى إلى عباده ليتأهبوا للقائه وينتهوا عن معصيته، وقد بكَّت الله تعالى أهل النار ووبخهم وذكَّرهم بإمهاله لهم، وتأخيرِهِ قَبْضَ أرواحِهِم، فقال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]، ومعنى الآية: أولم نعمِّركم حتى شبتم، وهذا قول ابن عباس ﵄، فالشيب: هو النذير في قول ابن عباس ﵄.
والأكثر أن: ﴿النَّذِيرُ﴾: هو رسول الله ﷺ، وهو قول علي ﵁ وابن زيد ﵁، وجماعة. وحجة هذا: أن الله تعالى بعث الرسل ﵈ مبشرين ومنذرين إلى عباده قطعًا لحجتهم: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].
وفيه قولٌ ثالث: أنه الموت إذا رآه ينزل بغيره، ففي فقد الآباء والأبناء والأحباب نذير بقرب الموت، وداع إلى قصر الأمل والتوثق بالعمل (^١).
وقولٌ رابع: أن النذير هو الحُمَّى، ذكره الماوردي كما قال ابن الجوزي (^٢).
وروي عن علي ﵁ وابن عباس ﵄ وأبي هريرة ﵁ في الآية
_________________
(١) ينظر: التوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقن (٢٩/ ٤١٢).
(٢) ينظر: زاد المسير لابن الجوزي (٣/ ٥١٤).
[ ١٨ ]
السالفة: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ [فاطر: ٣٧]، قال: يعني: ستين سنة، وعن ابن عباس ﵄ أيضًا: أربعون، وعن الحسن البصري ومسروق مثله، وحديث أبي هريرة ﵁ في الباب حجة لقول علي ﵁ ومن وافقه في تأويل الآية.
وقول من قال: أربعون سنة له وجه صحيح أيضًا، والحجة له قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف: ١٥]؛ فذكر الله تعالى: أن من بلغ الأربعين فقد آن له أن يعلم مقدار نعم الله عليه، وعلى والديه، ويشكرها.
قال مالك ﵀: أدركت أهل العلم ببلدنا وهم يطلبون الدنيا والعلم، ويخالطون الناس حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة، فإذا أتت عليهم اعتزلوا الناس، واشتغلوا بالعبادة حتى يأتيهم الموت.
فبلوغ الأربعين نَقْلٌ لابن آدم من حالة إلى حالة أرفع منها في الاستعبار، والإعذار إليه.
وقد أسلفنا قولًا: أن النذير: الشيب، وله وجه، وذلك أنه يأتي في سن الاكتهال، وهو علامة لمفارقة سن الصِّبا الذي هو سن اللهو واللعب، وهو نذير أيضًا، ألا ترى قول إبراهيم ﵇ حين رأى الشيب: يا رب ما هذا، فقال له: وقار، قال: رب زدني وقارًا؟
فبان رفقُ الله تعالى بعباده المؤمنين، وعظيم لطفه بهم، حتى أعذر عليهم ثلاث مرات، الأولى بنبيه، ثم بالأربعين، ثم بالستين؛ لتتم حجته عليهم، وهذا أجلٌّ لإعذار الحكام إلى المحكوم عليهم مرة بعد أخرى (^١).
_________________
(١) ينظر: التوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقن (٢٩/ ٤١٤ - ٤١٥).
[ ١٩ ]
ومن فقه الإمام البخاري: لما كان بلوغ الستين غاية الإعذار إلى ابن آدم، خشي الإمام البخاري أن يظن من لا يتسع فهمُه أن من بلغ الستين وهو غير تائب أن ينفذ عليه الوعيد، فييأس من التوبة والمغفرة، فذكر بعد ذلك قوله ﵊: «لن يوافي عبد يوم القيامة يقول: لا إله إلا الله، يبتغي بها وجه الله، إلا حرم الله عليه النار» (^١)؛ وسواء أتى بها بعد الستين، أو بعد المائة لو عُمِّرها.
وقد ثبت بالكتاب والسنة: أن التوبة مقبولة مالم يغرغر ابن آدم، ويعاين قبض روحه (^٢).
من فوائد الحديث:
أولًا: محبة الله تعالى للعذر، ولذلك يرسل لعباده النذر والعلامات ليتوبوا وينيبوا.
ثانيًا: المسارعة إلى التوبة واستدراك ما فات بالعمل الصالح قبل الممات.
ثالثًا: قصر الأمل والاعتبار بمرور الليالي والأيام.
رابعًا: في الحديث إشارة إلى أن من بلغ ستين سنة ينبغي له الإقبال على الآخرة بالكلية، لاستحالة أن يرجع إلى الحالة الأولى من النشاط والقوة (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٦٤٢٣).
(٢) ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (١٠/ ١٥٣)، والتوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقن (٢٩/ ٤١٥).
(٣) ينظر: فتح الباري لابن حجر (١١/ ٢٤٠).
[ ٢٠ ]