عَنِ العِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ ﵁، قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْفَجْرَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا، فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً، ذَرَفَتْ لَهَا الْأَعْيُنُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، قُلْنَا أَوْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَأَوْصِنَا.
قَالَ: «أُوصِيكُمْ: بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَى بَعْدِي اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (^١).
معاني الكلمات:
الكلمة … معناها
النواجذ … آخر الأضراس.
محدثات الأمور … البدع المخالفة للسنة.
التعليق:
قال ابن رجب ﵀ (^٢): (كان النبي ﷺ كثيرًا ما يعظ أصحابه في غير الخطب الراتبة، كخطب الجمع والأعياد، وقد أمره الله تعالى بذلك، فقال:
_________________
(١) أخرجه أبو داود برقم (٤٦٠٧)، والترمذي برقم (٢٦٧٦)، وأحمد في المسند برقم (١٧١٤٤)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحافظ أبو نعيم: هو حديث جيد من صحيح حديث الشاميين، كما ذكر ابن رجب في جامع العلوم والحكم لابن رجب (٢/ ١٠٩).
(٢) ينظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب (٢/ ٤٦٨ - ٤٧١) باختصار.
[ ١٤٣ ]
﴿وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣]، وقال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥].
ولكنه كان لا يديم وعظهم، بل يتخولهم به أحيانًا، كما في الصحيحين (^١)، عن أبي وائل، قال: كان عبد الله بن مسعود ﵁ يذكِّرنا كل يوم خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، إنا نحب حديثك ونشتهيه، ولوددنا أنك حدثتنا كل يوم، فقال: ما يمنعني أن أحدثكم إلا كراهة أن أملَّكم، إن رسول الله ﷺ كان يتخوَّلنا بالموعظة كراهة السآمة علينا.
وقوله ﷺ: «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة».
فهاتان الكلمتان تجمعان سعادة الدنيا والآخرة.
أما التقوى: فهي كافلة بسعادة الدنيا والآخرة لمن تمسك بها، وهي وصية الله للأولين والآخرين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١].
وأصل التقوى: أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية تقيه منه، فتقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه وقايةً تقيه من ذلك، وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه.
ويدخل في التقوى الكاملة فعل الواجبات، وترك المحرمات والشبهات، وربما دخل فيها بعد ذلك فعل المندوبات، وترك المكروهات، وهي أعلى درجات التقوى، قال الله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ١ - ٣].
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٧٠)، ومسلم برقم (٢٨٢١).
[ ١٤٤ ]
وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: (ليس تقوى الله بصيام النهار، ولا بقيام الليل، والتخليط فيما بين ذلك، ولكن تقوى الله ترك ما حرم الله، وأداء ما افترض الله، فمن رزق بعد ذلك خيرا، فهو خير إلى خير) (^١).
وقال طلق بن حبيب: (التقوى أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله) (^٢).
وقال ابن مسعود ﵁ في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، قال: (أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر) (^٣)، وشكره يدخل فيه جميع فعل الطاعات، ومعنى ذكره فلا ينسى: ذكر العبد بقلبه لأوامر الله في حركاته وسكناته وكلماته فيمتثلها، ولنواهيه في ذلك كله فيجتنبها).
وأما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين: ففيها سعادة الدنيا، وبها تنتظم مصالح العباد في معايشهم، وبها يستعينون على إظهار دينهم وطاعة ربهم، كما
_________________
(١) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٥/ ٣٢)، والبيهقي في الزهد الكبير برقم (٩٦٤)، وذكره المزي في تهذيب الكمال (٢١/ ٤٤٥).
(٢) ذكره ابن المبارك في الزهد برقم (١٣٤٣)، وابن بطة في الإبانة الكبرى برقم (٧٦٦)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٣/ ٦٤).
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير برقم (٨٥٠٢)، والحاكم في المستدرك برقم (٣١٥٩)، والبيهقي في القضاء والقدر برقم (٢٩٢).
[ ١٤٥ ]
قال علي بن أبي طالب ﵁: (إن الناس لا يصلحهم إلا إمام برٌّ أو فاجر، إن كان فاجرًا عبد المؤمن فيه ربه، وعمل الفاجر فيه إلى أجله) (^١).
وقال الحسن ﵁ في الأمراء: (هم يلون من أمورنا خمسًا: الجمعة والجماعة والعيد والثغور والحدود، والله ما يستقيم الدين إلا بهم، وإن جاروا وظلموا، والله لما يصلح الله بهم أكثر مما يفسدون، مع أن -والله- إن طاعتهم لغيظ، وإن فرقتهم لكفر) (^٢).
أما قوله: «وإن كان عبدًا حبشيًّا»:
قال ابن دقيق العيد ﵀ (^٣): (قال بعض العلماء: العبد لا يكون واليًا، ولكن ضرب به المثل على التقدير وإن لم يكن، كقوله ﷺ: «من بنى لله مسجدًا كمفحص قطاة (^٤)، بنى الله له بيتًا في الجنة» (^٥). ومفحص قطاةٍ لا يكون مسجدًا، ولكن الأمثال يأتي فيها مثل ذلك.
ويحتمل أن النبي ﷺ أخبر بفساد الأمر ووضعه في غير أهله، حتى توضع الولاية في العبيد، فإذا كانت فاسمعوا وأطيعوا؛ تغليبًا لأهون الضررين، وهو الصبر على ولاية من لا تجوز ولايته، لئلا يفضي إلى فتنة عظيمة.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف برقم (٣٧٢٥٤).
(٢) ذكره الآجري في الشريعة (٤/ ١٧٠٨) بلفظ: قال رجل للحسن: يا أبا سعيد ما تقول في أمرائنا هؤلاء؟ فقال الحسن ﵁: ما عسى أن أقول فيهم، هم لحجنا، وهم لغزونا، وهم لقسم فيئنا، وهم لإقامة حدودنا، والله إن طاعتهم لغيظ، وإن فرقتهم لكفر، وما يصلح الله بهم أكثر مما يفسد.
(٣) ينظر: شرح الأربعين النووية (ص ٩٧ - ٩٨).
(٤) والقطاة: قال ابن سيده: وهو طائر معروف، والجمع قطوات. ينظر: شرح ابن ماجه لمغلطاي (ص ١٢١٦)، ومفحص القطاة: هو قدر ما تحضن فيه بيضها، ينظر: فتح الباري لابن حجر (١٢/ ٨٣).
(٥) أخرجه ابن ماجه برقم (٧٣٨) عن جابر بن عبد الله ﵄، وأحمد في المسند برقم (٢١٥٧) عن ابن عباس ﵄. وصححه الألباني.
[ ١٤٦ ]
وقوله: «وإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا»:
هذا من بعض معجزاته ﷺ، أخبر أصحابه بما يكون بعده من الاختلاف وغلبة المنكر، وقد كان عالمًا به على التفصيل، ولم يكن بينه لكل أحد، إنما حذر منه على العموم، وقد بين ذلك لبعض الآحاد؛ كحذيفة ﵁ وأبي هريرة ﵁ وهو دليل على عظم محلهما ومنزلتهما.
وقوله: «فعليكم بسنتي»:
السنة: الطريقة القويمة التي تجرى على السنن وهو السبيل الواضح.
وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، يعني، الذين شملهم الهدى، وهم الأربعة بالإجماع: أبو بكر ﵁، وعمر ﵁، وعثمان ﵁، وعلي ﵁.
وأمر ﷺ بالثبات على سنة الخلفاء الراشدين لأمرين:
أحدهما: التقليد لمن عجز عن النظر.
والثاني: الترجيح لما ذهبوا إليه عند اختلاف الصحابة).
وقد جاء في بعض الأحاديث فضل السنن النوافل، والسنن النوافل مثل: السنن الرواتب، وقيام الليل، وصوم الاثنين والخميس وثلاثة أيام من كل شهر وصيام عاشرواء ويوم عرفه … وغيرها كثير.
وهذه السنن غير السنن التي في قوله ﷺ: «عليكم بسنتي»؛ لأن الثاني المقصود الدين كاملًا أو الملة.
قوله: «وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة»:
تحذير للأمة من اتباع الأمور المحدثة المبتدعة، وأكد ذلك بقوله: كل بدعة ضلالة.
[ ١٤٧ ]
والمراد بالبدعة: ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، فأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه، فليس ببدعة شرعًا، وإن كان بدعة لغة، وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁، أن النبي ﷺ كان يقول في خطبته: «إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» (^١) (^٢).
فقوله ﷺ: «كل بدعة ضلالة» من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله: «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد» (^٣).
فكل من أحدث شيئًا، ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه، فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات، أو الأعمال، أو الأقوال الظاهرة والباطنة.
وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع، فإنما ذلك في البدع اللغوية، لا الشرعية، فمن ذلك قول عمر ﵁ لما جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد، وخرج ورآهم يصلون كذلك فقال: نعمت البدعة هذه (^٤).
وروي عنه أنه قال: إن كانت هذه بدعة، فنعمت البدعة (^٥).
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (٨٦٧).
(٢) ينظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب (٢/ ١٢٧).
(٣) أخرجه البخاري برقم (٢٦٩٧)، ومسلم برقم (١٧١٨)، عن عائشة ﵂.
(٤) أخرجه مالك في الموطأ برقم (٢٧٩)، والبيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى برقم (٢٥٣)، وفي فضائل الأوقات برقم (١٢١).
(٥) أخرجه عمر بن شبة في تاريخ المدينة (٢/ ٧١٥)، والمروزي في مختصر قيام الليل (ص ٢٣٧).
[ ١٤٨ ]
وروي عن أبي بن كعب ﵁، قال له: إن هذا لم يكن، فقال عمر ﵁: قد علمت، ولكنه حسن (^١).
ومراده أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت، ولكن له أصول من الشريعة يرجع إليها، فمنها أن النبي ﷺ كان يحث على قيام رمضان، ويرغب فيه، وكان الناس في زمنه يقومون في المسجد جماعات متفرقة ووحدانا، وهو ﷺ صلى بأصحابه في رمضان غير ليلة، ثم امتنع من ذلك معللًا بأنه خشي أن يكتب عليهم (^٢)، فيعجزوا عن القيام به، وهذا قد أُمن بعده ﷺ، وروي عنه أنه كان يقوم بأصحابه ليالي الأفراد في العشر الأواخر (^٣).
ومنها أنه ﷺ أمر باتباع سنة خلفائه الراشدين ﵃ (^٤)، وهذا قد صار من سنة خلفائه الراشدين ﵃، فإن الناس اجتمعوا عليه في زمن عمر ﵁ وعثمان ﵁ وعلي ﵁.
ومن ذلك: أذان الجمعة الأول، زاده عثمان ﵁ لحاجة الناس إليه، وأقره علي ﵁، واستمر عمل المسلمين عليه، وروي عن ابن عمر ﵄ أنه قال: هو بدعة، ولعله أراد ما أراد أبوه ﵁ في قيام رمضان.
_________________
(١) أخرجه الضياء في المختارة برقم (١١٦١).
(٢) أخرجه البخاري برقم (٩٢٤)، عن عروة ﵁، أن عائشة ﵁، أخبرته: أن رسول الله ﷺ خرج ذات ليلة من جوف الليل، فصلى في المسجد، فصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس، فتحدثوا، فاجتمع أكثر منهم، فصلوا معه، فأصبح الناس، فتحدثوا، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله ﷺ، فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر أقبل على الناس، فتشهد، ثم قال: «أما بعد، فإنه لم يخف علي مكانكم، لكني خشيت أن تفرض عليكم، فتعجزوا عنها».
(٣) أخرجه أبو داود برقم (١٣٧٥)، والترمذي برقم (٨٠٦)، والنسائي برقم (١٦٠٥)، عن أبي ذر ﵁.
(٤) سبق تخريجه.
[ ١٤٩ ]
ومن ذلك جمع المصحف في كتاب واحد، توقف فيه زيد بن ثابت ﵁ وقال لأبي بكر ﵁ وعمر ﵁: كيف تفعلان ما لم يفعله النبي ﷺ؟ ثم علم أنه مصلحة، فوافق على جمعه، وقد كان النبي ﷺ يأمر بكتابة الوحي (^١)، ولا فرق بين أن يكتب مفرقًا أو مجموعًا، بل جمعه صار أصلح.
وكذلك جمع عثمان ﵁ الأمةَ على مصحفٍ واحدٍ وإعدامه لما خالفه خشية تفرق الأمة، وقد استحسنه علي ﵁ وأكثر الصحابة ﵃، وكان ذلك عين المصلحة.
وكذلك قتال من منع الزكاة توقف فيه عمر ﵁ وغيره حتى بين له أبو بكر ﵁ أصله الذي يرجع إليه من الشريعة، فوافقه الناس على ذلك (^٢).
_________________
(١) كما في قوله ﷺ: «لا تكتبوا عني شيئًا إلا القرآن، من كتب عني شيئًا سوى القرآن فليمحه». أخرجه مسلم برقم (٣٠٠٤)، وأحمد في المسند واللفظ له برقم (١١٠٨٥)، عن أبي سعيد الخدري ﵁. وهذا زمن نزول القرآن، وقد أذن النبي ﷺ بعد ذلك بكتابة الحديث. ومن عناية النبي ﷺ بتدوين وكتابة القرآن الكريم أنه خصص مجموعة من أصحابه ﵃ لكتابة القرآن الكريم، وكان يُطلَق عليهم لقب (كتبة الوحي)، قال ابن كثير في الفصول (ص ٢٥٥): (أما كتاب الوحي: فقد كتب له أبو بكر ﵁، وعمر ﵁، وعثمان ﵁، وعلي ﵁، والزبير ﵁، وأبي بن كعب ﵁، وزيد بن ثابت ﵁، ومعاوية بن أبي سفيان ﵁، ومحمد بن مسلمة ﵁، والأرقم بن أبي الأرقم ﵁، وأبان بن سعيد بن العاص ﵁، وأخوه خالد ﵁، وثابت بن قيس ﵁، وحنظلة بن الربيع الأسيدي الكاتب ﵁، وخالد بن الوليد ﵁، وعبد الله بن الأرقم ﵁، وعبد الله بن زيد بن عبد ربه ﵁، والعلاء بن عتبة ﵁، والمغيرة بن شعبة ﵁، وشرحبيل بن حسنة ﵁، وقد أورد ذلك الحافظ أبو القاسم في كتابه أتم إيراد، وأسند ما أمكنه عن كل واحد من هؤلاء إلا شرحبيل بن حسنة ﵁.
(٢) ينظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب (٢/ ١٢٧ - ١٢٩).
[ ١٥٠ ]
من فوائد الحديث:
أولًا: في الحديث فضل الوعظ والتذكير وحرص النبي ﷺ على ذلك مع أصحابه.
ثانيًا: فيه أن بلاغة الموعظة والصدق فيها أبلغ في تأثيرها في النفوس.
ثالثًا: فيه أن الوصية بتقوى الله هي أولى ما يوصى به، لما في الالتزام بها من حصول خيري الدنيا والآخرة.
رابعًا: فيه الوصية بطاعة أولي الأمر في المعروف لما في ذلك من تماسك أمر الأمة وقوتها وتفرغها لمواجهة أعدائها.
خامسًا: في الحديث إشارة إلى الفتن التي ستحدث بعد وفاة النبي ﷺ والاختلاف في هذه الأمة.
سادسًا: فيه الأمر بالتمسك بالسنة وبخاصة عند الفتن والاختلاف.
سابعًا: فيه الأخذ بهدي الخلفاء الراشدين وتقديم أقوالهم على أقوال غيرهم من الصحابة.
ثامنًا: فيه التحذير من البدع والمحدثات في الدين.
[ ١٥١ ]