عَنْ صخْرِ الغامِديِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا»، قَالَ: وَكَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً، أَوْ جَيْشًا، بَعَثَهُمْ أَوَّلَ النَّهَارِ، وَكَانَ صَخْرٌ رَجُلًا تَاجِرًا، وَكَانَ إِذَا بَعَثَ تِجَارَةً بَعَثَهُمْ أَوَّلَ النَّهَارِ، فَأَثْرَى وَكَثُرَ مَالُهُ (^١).
معاني الكلمات (^٢):
الكلمة … معناها
البكور … أول النهار؛ وهو ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس كما في القاموس.
فأثرى … صار ذا ثروة؛ أي: مال كثير.
التعليق:
الدعاء في هذا الحديث يحتمل أنه دعاء بالبركة لنفس ذلك الوقت، حتى ليتسع لما يعمل فيه، أو ببركة نفس العمل، فيكون العمل فيه مبروكًا، وتقدم الحديث في الأمر بالغدوة في طلب العلم وهذا عام في الأعمال كلها (^٣).
وهذا الحديث لا يدل أن غير البكور لا بركة فيه؛ لأن كل ما فعله الشارع
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند برقم (١٥٤٤٣)، وأبو داود برقم (٢٦٠٦)، والترمذي برقم (١٢١٢)، وابن ماجه برقم (٢٢٣٦)، عن صخر الغامدي ﵁. وحسنه الترمذي. وأخرجه أحمد في المسند برقم (١٣٢٠)، عن علي بن أبي طالب ﵁.
(٢) ينظر: دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين للبكري (٦/ ٤٤١)، ومرقاة المفاتيح للهروي (٦/ ٢٥١٧).
(٣) ينظر: التنوير شرح الجامع الصغير للصنعاني (٣/ ٨٣).
[ ٣٤٢ ]
ففيه البركة ولأمته فيه أكرم الأسوة، إنما خصَّ البكور بالدعاء من بين سائر الأوقات؛ لأنه وقت يقصده الناس بابتداء أعمالهم، وهو وقت نشاط وقيام من دعةٍ فخصه بالدعاء لينال بركة دعوته جميع أمته (^١).
وقد ورد عن ابن عباس ﵄ أنه رأى ابنًا له نائمًا نومة الصبحة فقال له: قم؛ أتنام في الساعة التي تقسم فيها الأرزاق (^٢).
ولا شك أن النوم بعد صلاة الفجر جائز، بمعنى أنه لا يأثم فاعله، ولو لم يكن محتاجًا إليه، ولكن كرهه بعض أهل العلم نظرًا لما يترتب عليه من آثار صحية وغيرها، إلا إذا كان لحاجة.
قال ابن القيم ﵀ (^٣): (نوم الصبحة يمنع الرزق لأن ذلك وقت تطلب فيه الخليقة أرزاقها وهو وقت قسمة الأرزاق فنومه حرمان إلا لعارض أو ضرورة). انتهى.
وقال أيضًا (^٤): (ونوم النهار رديء يورث الأمراض الرطوبية والنوازل، ويفسد اللون، ويورث الطحال، ويرخي العصب، ويكسل، ويضعف الشهوة إلا في الصيف وقت الهاجرة، وأردؤه نوم أول النهار، وأردأ منه النوم آخره بعد العصر).
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ (^٥): (وقد ورد أن الرزق يقسم بعد صلاة
_________________
(١) ينظر: التوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقن (١٨/ ٥٣).
(٢) ينظر: غذاء الألباب شرح منظومة الآداب للسفاريني الحنبلي (٢/ ٣٥٥).
(٣) ينظر: زاد المعاد لابن القيم (٤/ ٢٢٢).
(٤) ينظر: المرجع السابق (٤/ ٢٢١).
(٥) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٢/ ٣٧).
[ ٣٤٣ ]
الصبح، وأن الأعمال ترفع آخر النهار، فمن كان حينئذ في طاعة بورك في رزقه وفي عمله).
من فوائد الحديث:
أولًا: فيه فضل البكور في كل عمل، وهو يشمل طلب العلم والكسب والسفر وغيرها.
ثانيًا: فيه حرص النبي ﷺ على هذه السنة عند بعث السرايا وإرسال الجيوش.
ثالثًا: فيه بركة اتباع السنة، فقد كان صخر الغامدي ﵁ هذا يراعي هذه السُّنَّة، وكان تاجرًا يبعث ماله في أول النهار إلى السفر للتجارة، فكثر ماله ببركة مراعاة السُّنَّة، لأن دعاءه ﷺ مقبولٌ لا محالة (^١).
رابعًا: وفيه سُنِّيَّة السفر في أول النهار (^٢).
_________________
(١) ينظر: مرقاة المفاتيح للهروي (٦/ ٢٥١٧).
(٢) ينظر: شرح مصابيح السنة لابن الملك (٤/ ٣٦٥).
[ ٣٤٤ ]