عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ» (^١).
التعليق:
هذا الحديث فيه الحث على الصدقة، وبيان أنها لا تنقص المال، بفضل ما يجعل الله في هذا المال المتبقى من البركة التي تكون بسبب الصدقة، ويمكن أنها تكون سببًا في تتابع الأرزاق على العبد فلا يشعر بنقص في ماله، وفيه أيضًا الحث على العفو والتواضع، وأنهما سبب للعز والرفعة في الدنيا والآخرة.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ (^٢): (هذا الحديث احتوى على فضل الصدقة، والعفو والتواضع، وبيان ثمراتها العاجلة والآجلة، وأن كل ما يتوهمه المتوهم من نقص الصدقة للمال، ومنافاة العفو للعز والتواضع للرفعة، وهم غالط وظن كاذب، فالصدقة لا تنقص المال؛ لأنه لو فرض أنه نقص من جهة، فقد زاد من جهات أُخر؛ فإن الصدقة تبارك المال، وتدفع عنه الآفات وتنميه، وتفتح للمتصدق من أبواب الرزق وأسباب الزيادة أمورًا ما تفتح على غيره، فهل يقابل ذلك النقص بعض هذه الثمرات الجليلة؟
فالصدقة لله التي في محلها لا تنفد المال قطعًا، ولا تنقصه بنصِّ النبي ﷺ، وبالمشاهدات والتجربات المعلومة، هذا كله سوى ما لصاحبها
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٥٨٨).
(٢) ينظر: بهجة قلوب الأبرار للسعدي (ص ٩١).
[ ٤٥٥ ]
عند الله: من الثواب الجزيل، والخير والرفعة، وأما العفو عن جنايات المسيئين بأقوالهم وأفعالهم فلا يتوهم منه الذل، بل هذا عين العز، فإن العز هو الرفعة عند الله وعند خلقه، مع القدرة على قهر الخصوم والأعداء، ومعلوم ما يحصل للعافي من الخير والثناء عند الخلق وانقلاب العدو صديقًا، وانقلاب الناس مع العافي، ونصرتهم له بالقول والفعل على خصمه، ومعاملة الله له من جنس عمله، فإن من عفا عن عباد الله عفا الله عنه.
وكذلك المتواضع لله ولعباده يرفعه الله درجات؛ فإن الله ذكر الرفعة في قوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، فمن أجلّ ثمرات العلم والإيمان: التواضع؛ فإنه الانقياد الكامل للحق، والخضوع لأمر الله ورسوله ﷺ؛ امتثالًا للأمر، واجتنابًا للنهي، مع التواضع لعباد الله، وخفض الجناح لهم، ومراعاة الصغير والكبير، والشريف والوضيع، وضد ذلك التكبر؛ فهو غمط الحق، واحتقار الناس.
وهذه الثلاث المذكورات في هذا الحديث: مقدمات صفات المحسنين؛ فهذا محسن في ماله، ودفع حاجة المحتاجين، وهذا محسن بالعفو عن جنايات المسيئين، وهذا محسن إليهم بحلمه وتواضعه وحسن خلقه مع الناس أجمعين.
وهؤلاء قد وسعوا الناس بأخلاقهم وإحسانهم ورفعهم الله، فصار لهم المحل الأشرف بين العباد، مع ما يدخر الله لهم من الثواب.
وفي قوله ﷺ: «وما تواضع أحد لله»: تنبيه على حسن القصد والإخلاص لله في تواضعه؛ لأن كثيرًا من الناس قد يظهر التواضع للأغنياء ليصيبَ من دنياهم، أو للرؤساء لينال بسببهم مطلوبه.
[ ٤٥٦ ]
وقد يظهر التواضع رياء وسمعة، وكل هذه أغراض فاسدة، لا ينفع العبد الا التواضع لله تقربًا إليه وطلبًا لثوابه، وإحسانًا إلى الخلق؛ فكمال الإحسان وروحه الإخلاص لله).
قال ابن الجوزي ﵀ (^١): (قد اعترض معترض فقال: كيف يخبر الرسول ﷺ بما ينافي الحقائق، ونحن نعلم أن من تصدق من دينار بقيراط نقص؟
فأجاب العلماء فقالوا: إن الرسول ﷺ لم يقصد هذا، وإنما أراد أن البركة تخلف الجزء المنفصلَ فيكون كأنه لم يزَلْ.
ووقع لي في هذا جواب آخر ينطبق على أصل السؤال، فقلت: للإنسان داران، فإذا نقل بعض ماله بالصدقة إلى الدار الأخرى لم ينقص مالُه حقيقةً، وقد جاء في الحديث: «فيُرَبِّيها لأحدكم حتى تكونَ كالجبل» (^٢)، وصار كمن بعث بعض ماله إلى إحدى داريْه أو قسمه في صندوقين، فيراد من هذا أن ما خرج منك لم يخرج عنك).
وقال الصنعاني ﵀ (^٣) في قوله ﷺ: «ما نقصَتْ صدقةٌ من مال»: (لأن الله يُخْلِفها بنصِّ: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩]، قال الفاكهاني: أخبرني من أثق به أنه تصدق من عشرين درهمًا بدرهم فوزنها فلم تنقصْ قال: وأنا
_________________
(١) ينظر: كشف المشكل لابن الجوزي (٣/ ٥٨٦).
(٢) نصُّ الحديث عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، وإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبه، كما يربي أحدكم فُلوَّه، حتى تكون مثل الجبل»، أخرجه البخاري برقم (١٤١٠)، ومسلم برقم (١٠١٤).
(٣) ينظر: التنوير شرح الجامع الصغير للصنعاني (٩/ ٥١٦).
[ ٤٥٧ ]
وقع لي ذلك. وقيل: هو عائد إلى الدنيا بالبركة فيه ودفع المفسدات عنه. وقيل: إلى الآخرة بالثواب والتضعيف والقولان جاريان في عزِّ العبد بعفوِه ورفعته بتواضعِه. وقال النووي (^١): قد يكون المراد الوصفان معًا في الأمور الثلاثة).
قال القاضي عياض ﵀ (^٢): (وقوله: «وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًّا»: فيه أيضًا وجهان:
أحدهما: ظاهره أن من عرف بالصفح والعفو ساد وعظم في القلوب وزاد عزُّه.
الثاني: أن يكون أجره على ذلك في الآخرة وعزته هناك.
وقوله: «وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله»: فيه وجهان كذلك:
أحدهما: أن الله تعالى يمنحه ذلك في الدنيا جزاء على تواضعه له، وأن تواضعه يثبت له في القلوب محبة ومكانة وعزةً.
والثاني: أن يكون ذلك ثوابه في الآخرة على تواضعه.
وهذه الوجوه كلها في الدنيا ظاهرة موجودة، وقد صدق ﵇ فيما أخبر منها، وقد يكون جمع الوجهين في جميعها، وكان هذا كلُّه تنبيها على ردِّ قول من يقول: الصبر والحلم الذل، ومن قاله من الجملة فإنما أراد به شِبهَه في الاحتمال وعدم الانتصار).
وقد قيل في بعض الحكم: (لا حسب كالتواضع، ولا شرف كالعلم) (^٣).
_________________
(١) ينظر: شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٤٢).
(٢) ينظر: إكمال المعلم للقاضي عياض (٨/ ٥٩).
(٣) ينظر: البصائر والذخائر لأبي حيان التوحيدي (١/ ١١)، ونثر الدر لأبي سعد الآبي (١/ ١٢٤).
[ ٤٥٨ ]
وكلاهما، أي: التواضع والعلم، رفعة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١].
من فوائد الحديث:
الأول: فضل الصدقة والحث عليها.
الثاني: أنها لا تنقص المال على الحقيقة، بل تزيده.
الثالث: أن العفو سبب للسيادة والشرف والعز في الدنيا والآخرة.
الرابع: أن التواضع سبب لتثبيت المحبة في القلوب، والرفعة في الدنيا والآخرة.
[ ٤٥٩ ]