قال ﷺ: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس» (^١).
التعليق:
أمر الله تعالى بشكر المحسن والثناء على صنيعه، لأن الاعتراف بالجميل من نبل النفس، وجحدُ المعروف من خسَّة النفس ودناءتها، قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠].
وعن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «من صُنِع إليه معروفٌ فليُجزِه، فإن لم يجد ما يُجزيه فليُثْنِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ إِذَا أثْنَى فَقَدْ شَكَرَهُ، وَإِنْ كَتَمَه فَقَدْ كفَرَهُ» (^٢).
وعن عبد الله بن عمر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سأل بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه، فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه» (^٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند برقم (٧٩٣٩ - ٨٠١٩)، أبو داود برقم (٤٨١١)، والترمذي برقم (١٩٥٤)، وصححه الترمذي والألباني.
(٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد برقم (٢١٥)، والبغوي في شرح السنة (١٣/ ١٨٦)، وصححه الألباني.
(٣) أخرجه أبو داود برقم (١٦٧٢)، والنسائي برقم (٢٥٦٧)، وأحمد في المسند برقم (٥٣٦٥ - ٦١٠٦). وصححه الألباني.
[ ٢١١ ]
وقد حذر النبي ﷺ من تجاهل شكر الناس على ما يقدمونه من الخير والمعروف، لأن هذا التجاهل يؤدي إلى عزوف الناس عن فعل المعروف، وهذا خلل في العلاقات الاجتماعية، جاء الإسلام بإصلاحه، حتى تدوم المحبة والمودة بين الناس.
وهذا أيضًا دليل على عدم شكر نعمة الله ﷿، فإن الله أمر بشكر المحسن، فمن لم يشكره فقد ترك امتثال أمر الله، ومن ترك امتثال أمره لم يشكره (^١).
قال الخطابي ﵀ (^٢): (هذا الكلام يُتَأوَّلُ على وجهين:
أحدهما: أن من كان طبعُه وعادته كفران نعمة الناس وترك الشكر لمعروفهم، كان من عادته كفران نعمة الله وترك الشكر له سبحانه.
والوجه الآخر: أن الله سبحانه لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه، إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس ويكفر معروفهم، لاتصال أحد الأمرين بالآخر).
ومن هذا الباب أيضًا ترك المرأة شكرَ نعمة الزوج ومعروفِه.
قال القاضي ابن العربي ﵀ في شرح الموطأ (^٣): (وقد أمر الله تعالى بشكر النعم، وقد جاء في الحديث: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس».
وكفر نعمة الزوج هو من باب كفر نعمة الله ﷿؛ لأن كل نعمةٍ تصل إليها أو يصل بها العشيرُ زوجَه (^٤)، فمن نعمةِ اللهِ أجراها الله على يديه، وهو معنى
_________________
(١) ينظر: التنوير شرح الجامع الصغير للصنعاني (١٠/ ٤٢٩).
(٢) ينظر: معالم السنن للخطابي (٤/ ١١٣).
(٣) ينظر: المسالك في شرح موطأ مالك لأبي بكر بن العربي (٣/ ٢٩٤).
(٤) العشير: المخالط، من المعاشرة، ومنه قول الله ﷿: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج: ١٣].
[ ٢١٢ ]
قوله: «يكفرن الإحسان» (^١)، أراد كفرهن حقَّ الزوج ونعمة الله الذي ينعم بها عليها، فهي تعذب على ذلك في النار).
وقد جاء في الحديث من طرق صحاح، عن النبي ﷺ؛ أنه قال: «لا ينظر الله إلى امرأة لا تعرف حقَّ زوجِها، ولا تشكره، وهي لا تستغني عنه» (^٢).
من فوائد الحديث:
أولًا: أن شكر الله ﷿ فضيلة ينبغي السعي في تحصيلها والقيام بها على أكمل وجه.
ثانيًا: أن من علامات شكر الله ﷿، شكر الخلق على إحسانهم ومعروفهم.
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٢٩)، ومسلم برقم (٩٠٧) عن ابن عباس ﵁، قال: قال النبي ﷺ: «أريت النار فإذا أكثر أهلها النساء، يكفرن»، قيل: أيكفرن بالله؟ قال: «يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئًا، قالت: ما رأيت منك خيرًا قط».
(٢) أخرجه النسائي في الكبرى برقم (٩٠٨٦)، والطبراني في الكبير (١٤١٨٤)، وصححه الحاكم في المستدرك برقم (٢٧٧١) عن عبد الله بن عمرو ﵄.
[ ٢١٣ ]