عن أبي هريرة ﵁، قال: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ» (^١).
معاني الكلمات (^٢):
الكلمة … معناها
النُّهبة … بفتح النُّون: المصدر، وبالضمِّ: المال المَنْهوب، أي: لا يأخذ مالَ غيره قَهْرًا وظُلْمًا ممن ينظُره ولا يَقدِر على دَفْعه؛ إذ هو ظُلمٌ عظيمٌ.
يرفع الناس إليه فيها أبصارهم … أشار برفع البصر إلى حالة المنهوبين، فإنهم ينظرون إلى من ينهبهم ولا يقدرون على دفعه ولو تضرعوا إليه، ويحتمل أن يكون كناية عن عدم التستر بذلك، فيكون صفةً لازمة للنهب، بخلاف السرقة والاختلاس، فإنه يكون في خفية، والانتهاب أشد لما فيه من مزيد الجراءة وعدم المبالاة.
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٢٤٧٥)، ومسلم برقم (٥٧).
(٢) ينظر: اللامع الصبيح للبرماوي (٧/ ٤٨٣)، وفتح الباري لابن حجر (١٢/ ٥٩).
[ ٣١ ]
التعليق:
هذا الحديث فيه تأويلان كما ذكر ابن الجوزي ﵀ (^١):
أحدهما: أنه يُنزع الإيمان منه.
قال عكرمة: قلت لابن عباس: كيف ينزع الإيمان منه؟ قال: هكذا، وشبك بين أصابعه ثم أخرجها، فإن تاب عاد إليه هكذا، وشبك بين أصابعه.
ووجه هذا أن المعصية تذهله عن مراعاة الإيمان، وهو تصديق القلب، فكأنه ينسى من صدق به.
والثاني: أنه لا يزني وهو كامل الإيمان.
وقال الدكتور سليمان العودة: (معنى هذا الحديث: أنه في حالة هيجان الشهوة يغيب عنه شعوره باطلاع الله ورقابته، وأنه في تلك اللحظة اختفى إيمانه تحت هيجان الشهوة؛ حتى أنه صار لا يمنعه من فعل ذلك المنكر).
وقال علماء السنة: من وقع في هذه الكبائر وغيرها مما هي دون الشرك فإنه لا يكون مرتدًّا عن الإسلام، ولا كافرًا خارجًا من الملة؛ فهو ما زال في دائرة الإسلام، ولهذا فإنه لا يعامل معاملة المرتد، ولا معاملة الكافر، وإنما يأخذ الحدَّ الذي لا ينطبق إلا على المسلمين.
وعلى هذا: فيكون النفي في الحديث هو نفي كمال الإيمان.
قال ابن رجب ﵀ (^٢): (المراد بنفي الإيمان نفي بلوغ حقيقته ونهايته، فإن الإيمان كثيرًا ما ينفى لانتفاء بعض أركانه وواجباته، كقوله ﷺ: «لا يزني
_________________
(١) ينظر: كشف المشكل لابن الجوزي (٢/ ٤٣٦).
(٢) ينظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب (١/ ٣٠٢).
[ ٣٢ ]
الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن»، وقوله: «لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه» (^١).
وقد اختلف العلماء في مرتكب الكبائر: هل يسمى مؤمنًا ناقص الإيمان، أم لا يسمى مؤمنا؟ وإنما يقال: هو مسلم، وليس بمؤمن على قولين، وهما روايتان عن الإمام أحمد.
فأما من ارتكب الصغائر، فلا يزول عنه اسم الإيمان بالكلية، بل هو مؤمن ناقص الإيمان، ينقص من إيمانه بحسب ما ارتكب من ذلك.
والقول بأن مرتكب الكبائر يقال له: مؤمن ناقص الإيمان مروي عن جابر بن عبد الله ﵁، وهو قول ابن المبارك وإسحاق وأبي عبيد وغيرهم، والقول بأنه مسلم، ليس بمؤمن مروي عن أبي جعفر محمد بن علي، وذكر بعضهم أنه المختار عند أهل السنة، وقال ابن عباس ﵄: الزاني ينزع منه نور الإيمان، وقال أبو هريرة ﵁: ينزع منه الإيمان، فيكون فوقه كالظلة، فإن تاب عاد إليه، وقال عبد الله بن رواحة ﵁ وأبو الدرداء ﵁: الإيمان كالقميص، يلبسه الإنسان تارة، ويخلعه تارة أخرى، وكذا قال الإمام أحمد ﵀ وغيره.
والمعنى: أنه إذا كمَّل خصال الإيمان، لبسه، فإذا نقص منها شيءٌ نزعه، وكل هذا إشارة إلى الإيمان الكامل التام الذي لا ينقص من واجباته شيء).
وقال أيضًا (^٢): (وأما اسم الإسلام، فلا ينتفي بانتفاء بعض واجباته، أو انتهاك بعض محرماته، وإنما ينفى بالإتيان بما ينافيه بالكليةِ، ولا يعرف في شيء من السنة الصحيحة نفي الإسلام عمن ترك شيئًا من واجباته، كما ينفى الإيمان
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٦٠١٦)، عن أبي شريح ﵁.
(٢) ينظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب (١/ ١١١).
[ ٣٣ ]
عمن ترك شيئًا من واجباته، وإن كان قد ورد إطلاق الكفر على فعل بعض المحرمات، وإطلاق النفاق أيضًا.
واختلف العلماء: هل يسمى مرتكب الكبائر كافرًا كفرًا أصغر أو منافقًا النفاق الأصغر، ولا أعلم أن أحدًا منهم أجاز إطلاق نفي اسم الإسلام عنه، إلا أنه روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: ما تارك الزكاة بمسلم، ويحتمل أنه كان يراه كافرًا بذلك، خارجًا من الإسلام.
وكذلك روي عن عمر ﵁ فيمن تمكن من الحج ولم يحج أنهم ليسوا بمسلمين، والظاهر أنه كان يعتقد كفرَهم، ولهذا أراد أن يضرب عليهم الجزية).
من فوائد الحديث:
أولًا: ليس كل حديث فيه نفي الإيمان يدلُّ على كفر صاحبه وخروجِه من الملة، لأنه يمكن أن يكون المراد نفي كمال الإيمان، جمعًا بين الأدلة.
ثانيًا: هذا الحديث وأمثاله فرقانٌ بين أهل السنة والخوارج الذين يكفرون بالمعصية.
ثالثًا: الإيمان الكامل يقتضي محبة ما يحبه الله، وكراهة ما يكرهه الله ﷿ والعمل بمقتضى ذلك، فلا يرتكب أحد شيئًا من المحرمات أو يخلُّ بشيء من الواجبات إلا لتقديم هوى النفس المقتضي لارتكاب ذلك على محبة الله تعالى المقتضية لخلافه (^١).
رابعًا: في الحديث دليل على إطلاق اسم الإيمان على الأعمال، وهو متفق عليه عند أهل الحق، ودلائله في الكتاب والسنة أكثر من أن تحصر، وأشهر من
_________________
(١) ينظر: اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى (ص ١٢٧).
[ ٣٤ ]
أن تُشهر، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أجمعوا على أن المراد صلاتكم (^١).
خامسًا: تظاهرت النصوص وتطابقت على كون الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، وهذا مذهب السلف والمحدثين وجماعة من المتكلمين.
والأظهر أن نفس التصديق يزيد بكثرة النظر وتظاهر الأدلة، ولهذا يكون إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا تعتريهم الشُّبه، ولا يتزلزل إيمانهم بعارض؛ بل لا تزال قلوبهم منشرحة نيرة وإن اختلفت عليهم الأحوال، وأما غيرهم من المؤلفة ومن قاربهم ونحوهم فليسوا كذلك، فهذا مما لا يمكن إنكاره.
ولا يتشكك عاقل في أن نفس تصديق أبي بكر الصديق ﵁ لا يساويه تصديق آحاد الناس، ولهذا قال البخاري في صحيحه (^٢): (قال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم ﵃ يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحدٌ يقول: إنه على إيمان جبريل ﵇ وميكائيل ﵇ (^٣).
_________________
(١) ينظر: شرح النووي على مسلم (١/ ١٤٩).
(٢) ينظر: صحيح البخاري، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر (١/ ١٨)، حديث رقم (٤٨).
(٣) ينظر: شرح النووي على مسلم (١/ ١٤٨).
[ ٣٥ ]