عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُخْدَعُ فِي الْبَيْعِ، فَقَالَ: إِذَا بِعْتَ فَقُلْ: «لَا خِلَابَةَ» (^١). رواه البخاري.
معاني الكلمات:
الكلمة … معناها
أُخْدع … أي: أُغبن.
لا خلابة … لا خديعة.
التعليق:
هذا الرجل اسمه حَبَّان بن منقذ، جاء إلى النبي ﷺ يشكوه أنه دائمًا يخدع في البيع من التجار، وذلك لقلة خبرته بالمعاملات من كبر سِنِّه، وقيل: كان متغيرَ العقلِ لشَجِّ رأسه في الغزو، فجاء أهلُه إلى رسول الله ﷺ، فشكوا إليه لخرفِه الغبنَ، وطلبوا منه ﷺ أن يَحجِرَ عليه، فنهاه عن البيع، فقال الرجل: يا رسولَ الله! لم يكن لي صبرٌ عن البيع، فرفع عنه الحَجْر، وقال: «إذا بايعتَ قل: لا خِلابَة» (^٢)، وكان الرجل إذا بايَعَ بيعًا قال: لا خِلابَة؛ يعني: لا خديعةَ؛ يعني: أبيعُ هذه بشرط أن أردَّ الثمنَ وأستردَّ المَبيعَ إذا ظهرَ لي غُبن فيه.
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٢٤٠٧).
(٢) أخرجه أبو داود برقم (٣٥٠١)، والنسائي برقم (٤٤٨٥)، وأحمد في المسند برقم (١٣٢٧٦) عن أنس بن مالك ﵁.
[ ٣٠٦ ]
واختُلف في أن هذا الشرط كان خاصةً لذلك الرجل، أم لجميع مَنْ شرطَ هذا الشرط؟ (^١)
فعند أحمد: يثبُتُ الردٌّ به لمَن شرطَ هذا الشرط؛ أي: لمَن قال في وقت البيع: «لا خِلابَة»، أو يقول هذا المعنى بلسان آخر.
وعند الشافعي وأبي حنيفة: لا يثبت الخيارُ بالغُبن، سواءٌ قال هذا اللفظَ أو لم يقل.
وعند مالك: يثبت الخيارُ لمَن لا بصيرةَ له بمعرفة المتاع من العاقدين، سواءٌ شرطَ هذا الشرطَ أو لم يشرط، وأما إذا شرطَ المتبايعان أو أحدُهما خيارَ ثلاثةِ أيامٍ فما دونَها جازَ، ويثبت له الخيارُ في القَدْر الذي شَرَطَ.
وأولُ وقت خيار الشرط من وقت العقد في أصحِّ القولَين، ومِن أول تفرُّقهما من المجلس في القول الثاني.
ولا يجوز له الشرطُ أكثرَ من ثلاثة أيام، فإنْ شَرَطَ فسدَ البيعُ عند الشافعي وأبي حنيفة (^٢).
وقال أبو ثور ﵀ (^٣): (إذا كان الغبن فاحشًا لا يتغابن الناس بمثله فسد البيع، وأنه إذا ذكرت هذه الكلمة في العقد، ثم ظهرت فيه غبينةٌ كان له الخيار، وكأنه شرط أن يكون الثمن غير زائد عن ثمن المثل، فيضاهي ما إذا شرط وصفًا
_________________
(١) القول بأنه خاص بمن خاطبه ﷺ ليس بذاك إذ لا بد للخصوصية من دليل، ينظر: مرقاة المفاتيح للهروي (٥/ ١٩١٣).
(٢) ينظر: المفاتيح في شرح المصابيح للمظهري (٣/ ٤٠٨).
(٣) ينظر: شرح مشكاة المصابيح للطيبي (٧/ ٢١٢٢).
[ ٣٠٧ ]
مقصودًا في المبيع فبان خلافُه، وهو قول أحمد ﵀، وذهب أكثر العلماء، إلى أن مجرد هذا اللفظ لا يوجب الخيار بالغبن).
قال التوربشتي ﵀ (^١): (وتأويل الحديث على ذلك أن نقول: لقنه النبي ﷺ هذا القول ليتلفظ به عند البيع؛ فيطلع به صاحبه على أنه ليس من ذوي البصائر في معرفة السلع ومقادير القيمة فيها؛ فيمتنع بذلك عن مظان الغبن، ويرى له كما يرى لنفسه، وكان الناس في ذلك الزمان أحقاء بأن يعينوا أخاهم المسلم، وينظروا له أكثر ما ينظرون لأنفسهم).
وقد بين النبي ﷺ لأصحابه فضل الأمانة في البيع والشراء وما كان عليه بعض الناس من أمانة في عصور سالفة، فعن أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ: «اشترى رجل من رجل عِقارًا له، فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقارِه جرةً فيها ذهب، فقال له الذي اشترى العقار: خذ ذهبك مني، إنما اشتريت منك الأرضَ، ولم أبتع منك الذهبَ، وقال الذي له الأرض: إنما بعتُك الأرض وما فيها، فتحاكما إلى رجلٍ، فقال: الذي تحاكما إليه: ألكُما ولد؟ قال أحدهما: لي غلام، وقال الآخر: لي جارية، قال: أنكحوا الغلام الجارية وأنفقوا على أنفسهما منه وتصدَّقا» (^٢).
وبين النبي ﷺ: أن الأمانة والنصيحة والصدق في البيع والشراء تجلب البركة، والنماء والخير للبائع والمشتري، وأن الغش والخديعة والكذب تمحق البركة وتجلب سخط الله والعداوة بين الناس، فعن حكيم بن حزام
_________________
(١) ينظر: الميسَّر في شرح مصابيح السنة للتوربشتي (٢/ ٦٦٦)، وشرح مصابيح السنة لابن الملك (٣/ ٤٠١).
(٢) أخرجه البخاري برقم (٣٤٧٢)، ومسلم برقم (١٧٢١).
[ ٣٠٨ ]
﵁، عن النبي ﷺ، قال: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، -أو قال: حتى يتفرقا- فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما» (^١).
وحذر النبي ﷺ من الغش والخداع في البيع، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ مرَّ على صُبرة طعام (^٢) فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللًا فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟» قال: أصابته السماء (^٣) يا رسول الله، قال: «أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس مني» (^٤).
وقد ضرب السلف ﵏ أروع الأمثلة في أمانة البيع والشراء والنصيحة للمسلمين، فعن بشر بن المفضل، قال: جاءت امرأة بمِطْرف خزٍّ إلى يونس بن عبيد ﵀، فعرضَتْه عليه، فنظر إليه فقال لها: بكم؟، قالت: بستين درهما.
قال: فألقاه إلى جار له فقال: كيف تراه بعشرين ومائة؟ قال: هو ثمنه أو نحوه، فقال لها: انطلقي فاستأمري أهلك في بيعه بخمسة وعشرين ومائة، قالت: قد أمروني أن أبيعه بستين درهما، قال: انطلقي فاستأمريهم (^٥).
وعن ربيع الخزاز ﵀، قال: جاءت امرأة شوذب بثوبِ خزٍّ، فألقته على يونس ﵀ فقالت: اشتر هذا، قال: بكم؟ قالت: بمائة، قال: ثوبك خير من
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٢٠٨٢)، ومسلم برقم (١٥٣٢).
(٢) صبرة طعام: الصبرة: الكومة المجموعة من الطعام. ينظر: لسان العرب لابن منظور (٤/ ٤٤١).
(٣) أصابته السماء: أي: المطر. ينظر: لسان العرب لابن منظور (٥/ ١٧٨).
(٤) أخرجه مسلم برقم (١٠٢).
(٥) ذكره البيهقي في شعب الإيمان برقم (٤٩١٤).
[ ٣٠٩ ]
ذلك، قالت: بمائتين، قال: ثوبك خير من ذلك، قالت: بثلاثمائة، قال: ثوبك خير من ذلك، قالت: بأربع مائة -قال أبو بشر ﵀: فأنا أشك حتى بلغ أربع مائة، أو خمس مائة- قال: هذا عندنا إن اشتراه رجل فوضعه عنده حتى جاء طالب ربح فيه فأخذه، قالت: خذه، قال: فلما ذهبت أقبل عليه أصحابه قالوا: يا أبا عبد الله، ما كان عليك لو أخذته بمائة؟ قال: لا شيء، إلا أني ظننت أنها مغرورة فأحببت أن أنصحها (^١).
وعن شعيب بن الحبحاب ﵀، قال: أول ما جرى بيني وبين أبي العالية، أنه جاء إلى السوق يطلب ثوبًا، فأتاني فأخرجت له ثوبًا صالحًا، وأخذت الدراهم، فذهب فأراه فقالوا: هذا خير من دراهمِك، قال: فجاء فقال: ردَّ علينا دراهمنا بارك الله فيك، فرددت عليه الدراهم، وأخذت الثوبَ (^٢).
من فوائد الحديث:
يدل الحديث على أنه لا يجوز الخداع في البيع والشراء، فالدين النصيحة، فينبغي للمسلم أن ينصح لأخيه المسلم في بيعه وشرائه، وبخاصة إذا كان ممن لا خبرة لهم بأمور البيع والشراء.
_________________
(١) ذكره البيهقي في شعب الإيمان برقم (٤٩١٥).
(٢) ذكره البيهقي في شعب الإيمان برقم (٤٩١٩).
[ ٣١٠ ]