عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شِرَّةً، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً، فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا سَدَّدَ وَقَارَبَ فَارْجُوهُ، وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالأَصَابِعِ فَلَا تَعُدُّوهُ»: أخرجه الترمذي (^١)، وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
وعَنْ عبد الله بْنِ عَمْرٍو ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةٌ، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي، فَقَدْ أَفْلَحَ، وَمَنْ كَانَتْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ». أخرجه أحمد (^٢).
معاني الكلمات (^٣):
الكلمة … معناها
شِرَّة … بكسر المعجمة وتشديد الراء، أي: جدَّة وحرصًا ونشاطًا ورغبة، قال القاضي: الشره: الحرص على الشيء والنشاط فيه.
فترة … أي: وهنًا وضعفًا وسكونًا.
فأرجوه … أي: أرجو له النجاة مداومة على ما هو عليه.
وإن أشير إليه بالأصابع … بسبب مبالغته الشديدة التي لم يؤمر بها شرعًا، وإنما عرفه الناس بذلك، وعظمت مبالغته في أعينهم حتى أشير إليه تعظيمًا.
_________________
(١) أخرجه الترمذي برقم (٢٤٥٣)، وحسنه الألباني.
(٢) أخرجه أحمد في المسند برقم (٦٩٥٨).
(٣) ينظر: التنوير شرح الجامع الصغير للصنعاني (٤/ ٨٩)، والتحبير لإيضاح معاني التيسير للصنعاني (١/ ٣٠٧).
[ ٢٣٢ ]
فلا تَعُدُّوه … أي: ممن تُرجى له النجاة، لما هو عليه من العجب والرياء.
سنتي … طريقتي التي شرعتها.
التعليق:
معنى الحديث: أن الإنسان يبالغ في العبادة أو العمل أولًا، وكل مبالغ تسكن شرتُه وتفترُ مبالغته، فإن جعل صاحب الشِّرَّةِ عملَه متوسطًا من غير غلو ولا تفريط، وتجنب طرفي أفراط الشِّرةِ وتفريطَ الفترة، فأرجو له الفلاح والصلاح والخير، وإن لم يكن مشهورًا بين الناس، فإنه يمكنه الدوام على الوسط، و: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ» (^١).
«وإن أشير إليه بالأصابع»، أي: اجتهد وبالغ في العمل ليصير مشهورًا بالعبادة والزهد بين الناس، وصار مشهورًا مشارًا إليه، «فلا تعدوه»، أي: لا تعتدوا به، ولا تحسبوه من الصالحين لكونه مرائيًا، ولم يقل: فلا ترجوه؛ إشارة إلى أنه قد سقط، ولم يمكنه تدارك ما فرط (^٢).
قال الطيبي ﵀ (^٣): (إن لكل شيء من الأعمال الظاهرة والأخلاق الباطنة طرفين: إفراطًا وتفريطا، فالمحمود القصدُ بينهما، فإن رأيت أحدًا يسلك سبيل القصد، فأرجوه أن يكون من الفائزين ولا تقطعوا له؛ فإن الله هو الذي يتولى السرائر.
وإن رأيته يسلك سبيلَ الإفراط والغلوِّ حتى يشار إليه بالأصابع، فلا تفشو القولَ فيه بأنه من الخائنين؛ فإن الله هو الذي يطَّلع على الضمائر).
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٦٤٦٤) ومسلم برقم (٧٨٣) عن عائشة ﵂ مرفوعًا.
(٢) ينظر: فيض القدير للمناوي (٢/ ٥١٢)، والتيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي (١/ ٣٤٠).
(٣) ينظر: شرح مشكاة المصابيح للطيبي (١١/ ٣٣٧٤).
[ ٢٣٣ ]
من فوائد الحديث:
أولًا: في الحديث الحث على التوسط في العبادة والبعد عن الغلو والجفاء.
ثانيًا: فيه التحذير من الرياء وملاحظة المخلوقين.
ثالثًا: فيه عدم القطع لمسلم بجنة ولا نار، بل يحكم عليه بما يظهر من عمله بغير قطع، لأن الله هو الذي يتولى سرائر العباد.
رابعًا: فيه أن الفلاح مرتبط باتباع السنة، والهلاك عاقبة مفارقة السنة.
[ ٢٣٤ ]