عن عقبة بن عامر ﵁، عن النبي ﷺ، قال: «إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج»، ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] (^١). متفق عليه.
معاني الكلمات (^٢):
الكلمة … معناها
استدراج … أي: مكر منه سبحانه، قال تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢]، والمعنى: أخذه بتدريج واستنزال من درجة إلى أخرى، فكلما فعل معصية قابلها بنعمة، وأنساه الاستغفار، فيدنيه من العذاب قليلًا قليلًا، ثم يصبُّه عليه صبًّا.
مقيم على معاصيه … أي: عاكف عليها ملازم لها.
التعليق:
في هذا الحديث التحذير من الاغترار بالنعم مع الاستمرار على المعاصي، وبيان أن هذا استدراج، ومقدمة للأخذ على غرة، كما قيل: يستدرجهم بالنعم حتى يوقعهم بالنقم.
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده (١٧٣١١)، والطبراني في الكبير برقم (٩١٣)، وفي الأوسط برقم (٩٢٧٢)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٤١٣).
(٢) ينظر: فيض القدير للمناوي (١/ ٣٥٤).
[ ٤٢٠ ]
وذلك لأن العبد يعتقد بإدرار نعم الله عليه أنه لكرامته على الله ورضاه عنه، فلا يزال في غيِّه مطلقًا وسنه في ضلاله حتى يأتيه حِمامُه.
فإن قيل: في هذا الاستدراج منه تعالى لعبده إيهام رضاه عنه، وهو سبب إصراره على القبيح. أجيب عنه: بأن المكلف إذا كان عالمًا بقبح القبيح أو متمكنًا من العلم به، ثم رأى نعم الله عليه تتوالى وهو مقيم على عصيانه، كان ترادفها كالمنبه له على الحذر، فلا قبح حينئذ.
وفي كلام نهج البلاغة: (ابن آدم إذا رأيت ربك يتابع عليك نعمَه وأنت تعصيه فاحذره) (^١).
قال إسماعيل بن رافع (^٢): (الأمن من مكر اللَّه: إقامة العبد على الذنب، ثم يتمنى على اللَّه المغفرة).
وقد فسر بعض السلف المكر (^٣): (بأن اللَّه يستدرجهم بالنعم إذا عصوه، من صحة الأبدان، ورغد العيش وغيرها، ويملي لهم، ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]).
قال الهروي ﵀ (^٤): (قال الطيبي: الاستدراج هو الأخذ في الشيء، والذهاب فيه درجة فدرجة، كالمراقي والمنازِل في ارتقائه ونزولِه، ومعنى
_________________
(١) ينظر: التنوير شرح الجامع الصغير للصنعاني (٢/ ٦٠).
(٢) ينظر: فتح المجيد شرح كتاب التوحيد لعبد الرحمن بن حسن التميمي (٣/ ٣٥٨)، وقال: (رواه ابن أبي حاتم).
(٣) ينظر: الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة للشقاوي (٤/ ١٦٧).
(٤) ينظر: مرقاة المفاتيح للهروي (٨/ ٣٢٥٧).
[ ٤٢١ ]
استدراج الله: استدراجهم قليلًا قليلًا إلى ما يهلكهم، ويضاعف عقابهم من حيث لا يعلمون ما يراد بهم، وذلك أن تواتر الله نعمه عليهم مع انهماكِهم في الغَيِّ، فكلما جدد عليهم نعمة ازدادوا بطرًا وجددوا معصية، فيتدرجون في المعاصي بسبب ترادف النعم، ظانين أن تواترَ النعم أثْرةٌ من الله وتقريبٌ، وإنما هي خذلان منه وتبعيد.
«ثم تلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم»، أي: استشهادًا أو اعتضادًا، ﴿فَلَمَّا نَسُوا﴾، أي: عهده سبحانه، أو تركوا أمره ونهيه، وهو المعني بقوله: ﴿مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾، أي: وعظوا به، ﴿فَتَحْنَا﴾، بالتخفيف ويشدد، ﴿عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾، أي: من أسباب النعم التي في الحقيقة من موجبات النقم، ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا﴾، أي: أعطوا من المال والجاه وصحةِ البدن وطول العمر، ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾، أي: فجأة بالموت أو العذاب، فإنه أشد في تلك الحالة، ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾، أي: واجمون ساكتون متحسرون متحيرون آيسون).
قال المناوي ﵀ (^١): (قال إمام الحرمين: إذا سمعت بحال الكفار وخلودهم في النار، فلا تأمن على نفسك، فإن الأمر على خطر، فلا تدري ماذا يكون، وما سبق لك في الغيب، ولا تغترّ بصفاء الأوقات، فإن تحتها غوامض الآفات. وقال علي كرم الله وجهه: كم من مستدرج بالإحسان، وكم من مفتون بحسن القول فيه، وكم من مغرور بالستر عليه (^٢).
_________________
(١) ينظر: فيض القدير للمناوي (١/ ٣٥٤).
(٢) يروى عن الحسن البصري، ينظر: تفسير السمعاني (٦/ ٣٠)، وفتح القدير للشوكاني (٥/ ٣٢٩)، والنكت والعيون للماوردي (٦/ ٧٢).
[ ٤٢٢ ]
وقيل لذي النون (^١): ما أقصى ما يُخدع به العبد؟، قال: بالألطاف والكرامات، ثم قرأ: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وفي الحكم: خف من وجود إحسانه إليك، ودوام إساءتك معه؛ أن يكون ذلك استدراجًا.
والاستدراج: الأخذ بالتدريج لا مباغتة، والمراد هنا: تقريب الله العبد الى العقوبة شيئًا فشيئًا، واستدراجه تعالى للعبد أنه كلما جدد ذنبًا جدد له نعمة وأنساه الاستغفار فيزداد أشرًا وبطرًا، فيتدرج في المعاصي بسبب تواتر النعم عليه ظانًّا أن تواترها تقريب من الله وإنما هو خذلان وتبعيد).
العقوبات الخفية:
قال ابن الجوزي ﵀ (^٢): (كل شيء خلق الله تعالى في الدنيا، فهو أنموذجٌ ما يكون في الآخرة، وكل شيء يجري فيها أنموذج ما يجري في الآخرة، فأما المخلوق منها، فقال ابن عباس ﵄: ليس في الجنة شيءٌ يشبه ما في الدنيا إلا الأسماء (^٣)، وهذا لأن الله تعالى شوق بنعيم إلى نعيم، وخوف بعذاب من عذاب.
فأما ما يجري في الدنيا، فكل ظالم معاقب في العاجل على ظلمه قبل الآجل، وكذلك كل مذنب ذنبًا، وهو معنى قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣].
وربما رأى العاصي سلامة بدنه وماله، فظن أن لا عقوبة، وغفلته عما عوقب به عقوبة، وقد قال الحكماء: المعصية بعد المعصية عقاب المعصية، والحسنة بعد الحسنة ثواب الحسنة.
_________________
(١) ينظر: تفسير القرطبي (٧/ ٣٢٩).
(٢) ينظر: صيد الخاطر لابن الجوزي (ص ٦٥ - ٦٧) باختصار.
(٣) ينظر: تفسير الطبري (١/ ٤١٦)، والقرطبي (١٩/ ١٤٠)، وابن كثير (١/ ٢٠٥).
[ ٤٢٣ ]
وربما كان العقاب العاجل معنويًّا، كما قال بعض أحبار بني إسرائيل: يا رب! كم أعصيك ولا تعاقبني!، فقيل له: كم أعاقبك وأنت لا تدري! أليس قد حرمتك حلاوةَ مناجاتي؟.
فمن تأمَّل هذا الجنس من المعاقبة، وجده بالمرصاد، حتى قال وهيب بن الورد، وقد سئل: أيجد لذةَ الطاعة من يعصي؟ قال: ولا من همَّ.
فرب شخص أطلق بصره، فحرم اعتبارَ بصيرته، أو لسانه، فحرم صفاءَ قلبه، أو آثر شبهة في مطعمه، فأظلم سرُّه، وحُرم قيام الليل، وحلاوة المناجاة، إلى غير ذلك، وهذا أمر يعرفه أهل محاسبة النفوس.
وعلى ضدِّه يجد من يتقي الله تعالى من حسن الجزاء على التقوى عاجلًا، كما في حديث أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ: «يقول الله تعالى: النظرة إلى المرأة سهم مسموم من سهام الشيطان، من تركه ابتغاء مرضاتي، آتيته إيمانًا يجد حلاوته في قلبه» (^١). فهذه نبذة من هذا الجنس تنبه على مغفلها.
فأما المقابلة الصريحة في الظاهر، فقلَّ أن تحتبس، ومن ذلك قول النبي ﷺ: «الصبحة تمنع الرزق» (^٢)، و: «إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه» (^٣).
ومثل هذا إذا تأمله ذو بصيرة، رأى الجزاءَ وفهِم، كما قال الفضيل: إني لأعصي الله ﷿ فأعرف ذلك في خلق دابتي وجاريتي (^٤).
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك برقم (٧٨٧٥) عن حذيفة بنحوه، والطبراني في الكبير برقم (١٠٣٦٢) عن ابن مسعود ﵄ بنحوه.
(٢) أخرجه أحمد في المسند برقم (٥٣٠) وإسناده ضعيف، وضعفه البيهقي في الآداب برقم (٦٧٥)، قال: (والصبحة النوم عند الصباح).
(٣) أخرجه ابن ماجه برقم (٤٠٢٢)، والنسائي في الكبرى (١١٧٧٥)، وأحمد في المسند برقم (٢٢٤١٤).
(٤) ينظر: تاريخ دمشق لابن عساكر (٤٨/ ٣٨٣)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٤/ ٨٤).
[ ٤٢٤ ]
وعن أبي عثمان النيسابوري: أنه انقطع شسعُ نعله في مُضيِّه إلى الجمعة، فتعوق لإصلاحة ساعةً، ثم قال: إنما انقطع؛ لأني ما اغتسلت غسل الجمعة (^١).
ومن عجائب الجزاء في الدنيا أنه لما امتدت أيدي الظلم من إخوة يوسف: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠]، امتدت أكفُّهم بين يديه بالطلب يقولون: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: ٨٨]، ولما صبر هو يوم الهَمَّة، ملك المرأة حلالًا، ولما بغت عليه بدعواها: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ [يوسف: ٢٥]، أنطقها الحق بقولها: ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ﴾ [يوسف: ٥١].
ولو أن شخصًا ترك معصية لأجل الله تعالى، لرأى ثمرة ذلك، وكذلك إذا فعل طاعة، ولقد رأينا من سامح نفسه بما يمنع منه الشرع طلبًا للراحة العاجلة، فانقلبت أحواله إلى التنغصِ العاجل، وعُكست عليه المقاصد).
وقال أيضًا (^٢): (من أراد دوام العافيةَ والسلامةَ فليتق الله ﷿، فإنه ما من عبد أطلق نفسَه في شيء ينافي التقوى، وإن قلَّ، إلا وجد عقوبتَه عاجلةً أو آجلةً، ومن الاغترار أن تسيء، فترى إحسانًا، فتظن أنك قد سومحْت، وتنسى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، وربما قالت النفس: إنه يَغفر، فتسامحت! ولا شك أنه يغفر، ولكن لمن يشاء.
وأنا أشرح لك حالًا، فتأمله بفكرك تعرف معنى المغفرة؛ وذلك أن من هفا هفوة، لم يقصدها، ولم يعزم عليها قبل الفعل، ولا عزم على العود بعد الفعل، ثم انتبه لما فعل، فاستغفر الله، كان فعله -وإن دخله عمدًا- في مقام خطإٍ، مثل أن يعرض له مستحسن، فيغلبه الطبع، فيطلق النظر، وتشاغل في حال نظره بالتذاذ الطبع
_________________
(١) ذكر ابن القيم هذه القصة في مدارج السالكين (٢/ ٤٣٧) عن الشيخ أبي بكر محمد بن موسى الواسطي.
(٢) ينظر: صيد الخاطر لابن الجوزي (ص ١٩٣ - ١٩٥).
[ ٤٢٥ ]
عن تلمح معنى النهي، فيكون كالغائب أو كالسكران، فإذا انتبه لنفسه، ندم على فعله، فقام الندم بغسل تلك الأوساخ، التي كانت كأنها غلطة لم تقصد، فهذا معنى قوله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١].
فأما المداوم على تلك النظرة، المردِّدُ لها، المصِرُّ عليها، فكأنه في مقام متعمد للنهي، مبارز بالخلاف، فالعفوُ يبعُد عنه بمقدار إصرارِه، ومن البعد ألا يرى الجزاء على ذلك، كما قال ابن الجلاء: رآني شيخي وأنا قائم أتأمل حدثًا نصرانيًّا، فقال: ما هذا؟! لترين غبَّها ولو بعد حين؛ فنسيت القرآن بعد أربعين سنة! (^١).
واعلم أنه من أعظم المحن الاغترارُ بالسلامة بعد الذنب، فإن العقوبة تتأخر، ومن أعظم العقوبة ألا يحسُّ الإنسان بها، وأن تكون في سلب الدِّين، وطمس القلوب، وسوء الاختيار للنفس، فيكون من آثارها سلامة البدن، وبلوغ الأغراض.
قال بعض المعتبرين: أطلقت نظري فيما لا يحلُّ لي، ثم كنت أنتظر العقوبة، فأُلجئت إلى سفر طويل، لا نيةَ لي فيه، فلقيت المشاقَّ، ثم أعقب ذلك موت أعزِّ الخلق عندي، وذهاب أشياء كان لها وقعٌ عظيم عندي، ثم تلافيت أمري بالتوبة، فصلُح حالي، ثم عاد الهوى، فحملني على إطلاق بصري مرة أخرى، فطُمس قلبي، وعدمت رقتَه، واستُلب مني ما هو أكثر من فقدِ الأول، ووقع لي تعويضٌ عن المفقود بما كان فقدُه أصلح.
فلما تأملت ما عُوِّضتُ وما سُلب مني، صحتُ من ألم تلك السياط، فها أنا أنادي من على الساحل: إخواني! احذروا لُجَّةَ هذا البحر، ولا تغتروا بسكونه، وعليكم بالساحل، ولازموا حصنَ التقوى، فالعقوبة مُرَّةٌ.
_________________
(١) ذكره ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦/ ٨٤)، وينظر: بغية الطلب في تاريخ حلب (٣/ ١٢٣٧)، وفيهما: (فنسيت القرآن بعد عشرين سنة).
[ ٤٢٦ ]
واعلموا أن في ملازمة التقوى مراراتٍ من فقد الأغراضِ والمشتهيات، غير أنها في ضرب المثل كالحِميةِ تعقب صحةً، والتخليط ربما جلب موتَ الفجأة، وبالله، لو نمتم على المزابل مع الكلاب في طلب رضا المبتلي، كان قليلًا في نيل رضاه، ولو بلغتم نهاية الأماني من أغراض الدنيا، مع إعراضه عنكم، كانت سلامتُكم هلاكًا، وعافيتكم مرضًا، وصحتكم سقمًا، والأمر بآخره، والعاقل من تلمح العواقب، فصابروا رحمكم الله تعالى هجيرَ البلاء، فما أسرع زوالَه! والله الموفق، إذ لا حول إلا به، ولا قوة إلا بفضله).
من فوائد الحديث:
أولًا: في الحديث التحذير من المعاصي وأنها سبب غضب الله على العبد ومكره به.
ثانيًا: فيه التحذير من الاغترار بتتابع النعم مع المداومة على المعصية، وأن ذلك قد يكون مكرا بالعبد، ومقدمة لهلاكه.
ثالثًا: فيه أن العقوبة على المعصية قد تتأخر، ولكنها لا تتخلف، إذا لم يتب منها صاحبها.
رابعًا: فيه أن الله تعالى يهيئ أسباب الضلال لمن يريد إضلاله، وهذا يوافق مذهب أهل السنة والجماعة في أن الله تعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء.
[ ٤٢٧ ]