عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «حُجِبَتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ، وَحُجِبَتِ الجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ». رواه البخاري (^١).
ورواه مسلم (^٢) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ».
معاني الكلمات (^٣):
الكلمة … معناها
حُجبت … سُترت.
الشهوات … الملذات التي منع الشرع من تعاطيها أو التي قد تؤدي إلى ترك الواجبات أو الوقوع في المحرمات.
بالمكاره … المشاق التي تستلزمها الطاعات وترك المحرمات.
حُفَّت … بالحاء المهملة وتشديد الفاء من الحفاف، وهو ما يحيط بالشيء حتى لا يتوصل إليه إلا بتخطيه، فالجنة لا يتوصل إليها إلا بقطع مفاوز المكاره، والنار لا ينجى منها إلا بترك الشهوات، فكانت الشهوات سببًا لدخول النار، وكانت المكاره سببًا لدخول الجنة.
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٦٤٨٧).
(٢) أخرجه مسلم برقم (٢٨٢٢).
(٣) ينظر: فتح الباري لابن حجر (١١/ ٣٢٠)، وشرح النووي على مسلم (١٧/ ١٦٥)، وكشف المشكل لابن الجوزي (٣/ ٥٠٧)، وعمدة القاري للعيني (٢٣/ ٧٨).
[ ١٧٤ ]
التعليق:
معنى الحديث: أن من يريد الجنة فعليه أن يُكره نفسه على أعمال الطاعات والخير، ومن يريد النجاة من النار، فعليه أن يبتعد عن الشهوات المحرمة، فإنها موصلة إلى النار والعياذ بالله.
قال النووي ﵀ (^١): (قال العلماء هذا من بديع الكلام وفصيحه وجوامعه التي أوتيها ﷺ من التمثيل الحسن. ومعناه: لا يوصل الجنة إلا بارتكاب المكاره والنار بالشهوات، وكذلك هما محجوبتان بهما، فمن هتك الحجاب وصل إلى المحجوب، فهتك حجاب الجنة باقتحام المكاره، وهتك حجاب النار بارتكاب الشهوات.
فأما المكاره: فيدخل فيها الاجتهاد في العبادات والمواظبة عليها، والصبر على مشاقها، وكظم الغيظ والعفو والحلم والصدقة، والإحسان إلى المسيء، والصبر عن الشهوات ونحو ذلك.
وأما الشهوات التي النار محفوفة بها: فالظاهر أنها الشهوات المحرمة، كالخمر والزنا والنظر إلى الأجنبية، والغيبة واستعمال الملاهي ونحو ذلك.
وأما الشهوات المباحة، فلا تدخل في هذه، لكن يكره الإكثار منها؛ مخافة أن يجر إلى المحرمة، أو يقسي القلب، أو يشغل عن الطاعات، أو يحوج إلى الاعتناء بتحصيل الدنيا).
ولذة الشهوات زائلة لا تبقى، وإنما يبقى إثمُها وعارها.
قال عباس الدوري ﵀: (كان بعض أصحابنا يقول: كان سفيان الثوري كثيرًا ما يتمثل بهذين البيتين:
_________________
(١) ينظر: شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٦٥).
[ ١٧٥ ]
تفنى اللذاذةُ ممن نال صفوتَها … من الحرام ويبقى الوزرُ والعارُ
تبقى عواقبُ سوءٍ في مغبَّتها … لا خير في لذةٍ من بعدها النار
وقال الحسين بن مطير:
ونفسَك أكرم عن أمورٍ كثيرةٍ … فما لك نفسٌ بعدَها تستعيرُها
ولا تقرب المرعَى الحرامَ فإنما … حلاوتُه تفنى ويبقى مريرُها
وقال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: (الفتوة ترك ما تهوى لما تخشى).
وروى الخرائطي عن مالك بن دينار قال: بينا أنا أطوف، إذ أنا بجارية متعبدة، متعلقة بأستار الكعبة، وهي تقول: يا رب كم من شهوةٍ ذهبت لذتُها وبقيت تبعتُها، أيا رب! أما لك أدبٌ إلا النار، فما زال مقامها حتى طلع الفجر، فلما رأيت ذلك، وضعت يدي على رأسي خارجًا أقول: ثكلت مالكًا أمُّه؛ جويرية منذ الليلة قد بطَّلتْه!! (^١).
وطائفةٌ بالبيتِ والليلُ مظلمٌ … تقولُ ومنها دمْعُها يتسجَّمُ
أيا ربِّ كم من شهوةٍ قد رزئتُها … ولذة عيشٍ حبلُها يتصرَّمُ
أما كان يكفي للعبادِ عقوبةً … ولا أدبًا إلا الجحيمُ المضرَّمُ
فما زال ذاك القول منها تضرعًا … إلى أن بدا فجرُ الصباح المقدَّمٌ
فشبكت مني الكفَّ أهتف خارجًا … على الرأس أُبدي بعضَ ما كنت أكتُمُ
وقلت لنفسي إذا تطاولَ ما بها … وأعيا عليها ورْدُها المتغنَّمُ
_________________
(١) أخرجه الخرائطي في اعتلال القلوب برقم (١٣٣)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٢/ ٥١٦)، والفاكهي في أخبار مكة برقم (٦٥٢).
[ ١٧٦ ]
ألا ثكلتْك اليوم أمُّك مالكا … جويريةٌ ألهاك منها التكلُّمُ
فمازلت بطالا بها طولَ ليلةٍ … تنال بها حظًّا جسيمًا وتغنَمُ) (^١)
وأما الطاعات والمكاره، فإن تعبها يزول، ويبقى أجرها وثوابها حتى يدخل صاحبها الجنة، وفي الحديث عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيرا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا، والله يا رب ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا، من أهل الجنة، فيصبغ صبغة في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤسا قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا، والله يا رب ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط» (^٢).
من فوائد الحديث:
أولًا: أنَّ الجنة لا تُنال إلا بالصبر على المكاره، ولذلك كان السلف ﵏ لا يحبون البقاء في الدنيا إلا لمكابدة الطاعات، وكانوا يجدون في ذلك أعظم اللذة والنعيم.
وروى ابن المبارك في الزهد أن أبا الدرداء ﵁ قال: (لولا ثلاث ما أحببت البقاء: ساعة ظمأ الهواجر، والسجود في جوف الليل، ومجالسة أقوام ينتقون جيد الكلام كما ينتقى أطايب الثمر) (^٣).
_________________
(١) ينظر: روضة المحبين لابن القيم (ص ٣٣٠).
(٢) أخرجه مسلم برقم (٢٨٠٧).
(٣) ينظر: الزهد لابن المبارك (١/ ٩٤) برقم (٢٧٧)، وأورده أحمد في الزهد برقم (٧٢٢) بلفظ: «لولا ثلاث لأحببت أن أكون، في بطن الأرض لا على ظهرها؛ لولا إخوان لي يأتوني ينتقون طيب الكلام كما ينتقى طيب التمر، أو أعفر وجهي ساجدا لله ﷿، أو غدوة أو روحة في سبيل الله ﷿».
[ ١٧٧ ]
ثانيًا: أنَّ النَّار لا يُنْجَى منها إلا بفطام النفس عن الشهوات المحرمة، قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم: ٥٩].
قال البغوي ﵀ (^١): (أي المعاصي وشرب الخمر، يعني آثروا شهوات أنفسهم على طاعة الله. ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ قال وهب: الغي: نهر في جهنم بعيد قعره خبيث طعمه، وقال ابن عباس ﵄: الغي: واد في جهنم وإن أودية جهنم لتستعيذ من حره أعد للزاني المصر عليه ولشارب الخمر المدمن عليها، ولآكل الربا الذي لا ينزع عنه، ولأهل العقوق ولشاهد الزور).
فالشهوات: هي ما تميل إليه النفس، من غير تعقل، ولا تبصر، ولا مراعاة لدين، ولا مراعاة لمروءة.
فالزنى -والعياذ بالله- شهوة الفرج، تميل إليها النفس كثيرًا، فإذا هتك الإنسان هذا الحجاب، فإنه سيكون سببًا لدخوله النار (^٢).
_________________
(١) ينظر: تفسير البغوي (٥/ ٢٤١).
(٢) ينظر: شرح رياض الصالحين لابن عثيمين (٢/ ٨٧).
[ ١٧٨ ]