عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «الندم توبة» (^١).
التعليق:
هذا الحديث صحيح الإسناد.
والمعنى: ما علم الله ندامة على ذنب من عبد الا غفر الله له قبل أن يستغفر الله.
قال بعضهم: يكفي في التوبة تحقق الندم على وقوعه منه؛ فإنه يستلزم: الإقلاع عنه، والعزم على عدم العود، فهما ناشئان عن الندم لا أصلان معه (^٢).
وقد ضعَّف هذا القول الحافظ ابن حجر ﵀ (^٣) فقال: (وقد تمسك من فسر التوبة بالندم بما أخرجه أحمد وابن ماجه وغيرهما من حديث ابن مسعود ﵁ رفعه: «الندم توبة»، ولا حجة فيه؛ لأن المعنى الحضُّ عليه، وأنه الركن الأعظم في التوبة، لا أنه التوبة نفسها).
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند برقم (٣٥٦٨ - ٤٠١٢)، وابن ماجه برقم (٤٢٥٠)، والطبراني في الأوسط برقم (٥٨٦٤) والحاكم في المستدرك برقم (٧٦١٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ١٥٤). وصححه الحاكم وقال الذهبي: صحيح. وحسنه الحافظ ابن حجر في الفتح (١٣/ ٤٧١)، وقال أحمد شاكر في تحقيق المسند برقم (٣٥٦٨): إسناده صحيح، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (٦٨٠٢).
(٢) ينظر: فتح الباري لابن حجر (١٣/ ٤٧١)، وإرشاد الساري للقسطلاني (١٠/ ٤٣٩).
(٣) ينظر: فتح الباري (١١/ ١٠٣).
[ ٦٤ ]
وذكر الحافظ ﵀ (^١) أيضًا شروط التوبة، ونقل عن القرطبي في المفهم أنه ضعف القول الذي قصرها على التوبة فقط، وبين حقيقة التوبة شروطها ومكمِّلاتها، فقال:
(والتوبة: ترك الذنب على أحد الأوجه.
وفي الشرع:
- ترك الذنب لقبحه.
- والندم على فعله.
- والعزم على عدم العود.
- ورد المظلمة إن كانت، أو طلب البراءة من صاحبها، وهي أبلغ ضروب الاعتذار.
وقال القرطبي ﵀ في المفهم: اختلفت عبارات المشايخ فيها: فقائل يقول: إنها الندم، وآخر يقول: إنها العزم على ألَّا يعود، وآخر يقول: الإقلاع عن الذنب، ومنهم من يجمع بين الأمور الثلاثة وهو أكملها، غير أنه مع ما فيه غير مانع ولا جامع:
أمَّا أولًا: فلأنه قد يجمع الثلاثة ولا يكون تائبًا شرعًا، إذ قد يفعل ذلك شحًّا على ماله، أو لئلا يعيِّره الناس به، ولا تصح التوبة الشرعية إلا بالإخلاص، ومن ترك الذنب لغير الله لا يكون تائبًا اتفاقًا.
وأما ثانيًا: فلأنه يخرج منه من زنى مثلًا ثم جُبَّ ذكرُه، فإنه لا يتأتى منه غير الندم على ما مضى، وأما العزم على عدم العود فلا يتصور منه.
_________________
(١) ينظر: المصدر السابق (١١/ ١٠٣).
[ ٦٥ ]
قال: وبهذا اغتر من قال: إن الندم يكفي في حد التوبة، وليس كما قال، لأنه لو ندم ولم يقلع وعزم على العود لم يكن تائبًا اتفاقًا.
قال: وقال بعض المحققين: هي اختيارُ ترك ذنبٍ سبق حقيقةً أو تقديرًا لأجل الله.
قال: وهذا أسدُّ العبارات وأجمعها؛ لأن التائب لا يكون تاركا للذنب الذي فرغ لأنه غير متمكن من عينه لا تركا ولا فعلا، وإنما هو متمكن من مثله حقيقة، وكذا من لم يقع منه ذنب، إنما يصحُّ منه اتقاء ما يمكن أن يقع لاترك مثل ما وقع، فيكون متقيا لا تائبا.
قال: والباعث على هذا تنبيهٌ إلهيٌّ لمن أراد سعادته لقبح الذنب وضرره، لأنه سم مهلك، يفوت على الإنسان سعادة الدنيا والآخرة، ويحجبه عن معرفة الله تعالى في الدنيا، وعن تقريبه في الآخرة.
قال: ومن تفقد نفسه وجدها مشحونة بهذا السم، فإذا وُفِّق انبعث منه خوف هجوم الهلاك، عليه فيبادر بطلب ما يدفع به عن نفسه ضرر ذلك، فحينئذ ينبعث منه الندم على ما سبق، والعزم على ترك العود عليه.
قال: ثم اعلم أن التوبة إما من الكفر وإما من الذنب؛ فتوبة الكافر مقبولة قطعًا، وتوبة العاصي مقبولة بالوعد الصادق.
ومعنى القبول: الخلاص من ضرر الذنوب حتى يرجع كمن لم يعمل.
ثم توبة العاصي إما من حق الله، وإما من حق غيره: فحق الله تعالى يكفي في التوبة منه الترك على ما تقدم، غير أن منه ما لم يكتف الشرع فيه بالترك فقط، بل أضاف إليه القضاء أو الكفارة.
[ ٦٦ ]
وحق غير الله يحتاج إلى إيصالها لمستحقها، وإلا لم يحصل الخلاص من ضرر ذلك الذنب، لكن من لم يقدر على الإيصال بعد بذله الوسع في ذلك فعفو الله مأمول، فإنه يضمن التبعات، ويبدل السيئات حسنات والله أعلم.
قلت: حكى غيره عن عبد الله بن المبارك في شروط التوبة زيادة فقال: الندم، والعزم على عدم العود، وردُّ المظلمة، وأداء ما ضيع من الفرائض، وأن يعمد إلى البدن الذي رباه بالسحت فيذيبه بالهم والحزن، حتى ينشأ له لحم طيب، وأن يذيق نفسه ألم الطاعة كما أذاقها لذة المعصية. قلت: وبعض هذه الأشياء مكمِّلات).
من فوائد الحديث:
الأول: الإشارة إلى نعمة التوبة، وبيان سعة رحمة الله، حيث أرشد عباده إلى طريق النجاة، ولم يضيق على العصاة، بل فتح لهم باب التوبة والإنابة، وهو سبحانه يحب التائبين ويقبل التوبة كما قال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: ٢٥].
الثاني: أهمية الندم وأنه ركن التوبة الأعظم، ولا تصح التوبة إلا به.
[ ٦٧ ]