عن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاتُه، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، فإن انتقص من فريضته شيء، قال الرب ﷿: انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل بها ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك» (^١).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء» (^٢).
التعليق:
قوله ﷺ: «أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته»، أي: أول ما يحاسب عليه العبد فيما بينه وبين ربه الصلاة.
وقوله: «أول ما يحاسب به بين الناس يوم القيامة في الدماء»، أي: أول ما يحاسب عليه العبد فيما بينه وبين الناس يوم القيامة في الدماء.
وهذا الكلام هو الجمع بين الحديثين؛ لأن في كليهما أول ما يحاسب.
قال النووي ﵀ (^٣): (فيه تغليظ أمر الدماء وأنها أول ما يقضى فيه بين
_________________
(١) أخرجه الترمذي برقم (٤١٣)، والنسائي برقم (٤٦٥)، وفي الكبرى برقم (٣٢٢)، وقال الترمذي: حسن غريب، وصححه الألباني.
(٢) أخرجه البخاري برقم (٦٨٦٤)، ومسلم برقم (١٦٧٨).
(٣) ينظر: شرح النووي على مسلم (١١/ ١٦٧).
[ ١٣١ ]
الناس يوم القيامة، وهذا لعظم أمرها وكثير خطرها، وليس هذا الحديث مخالفًا للحديث المشهور في السنن: «أول ما يحاسب به العبد صلاته»؛ لأن هذا الحديث الثاني فيما بين العبد وبين الله تعالى، وأما حديث الباب فهو فيما بين العباد، والله أعلم بالصواب).
أما الصلاة فشأنها عظيم، ومكانتها في الإسلام عالية، فليس يدانيها شيء من الأعمال، ولا يساويها شيء من الأقوال بعد الشهادتين، حتى قال عبد الله بن العقيلي ﵀: (كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة) (^١).
وللإمام أحمد كلام رائع في شأن الصلاة، وخطر التهاون بها، ذكره في رسالته في الصلاة، وهذه الرسالة أوردها أبو يعلى في كتابه طبقات الحنابلة (^٢).
قال الإمام أحمد بعد كلام له: (واعلموا أن أكثر الناس اليوم ما يكون لهم صلاة، لسبقهم الإمام بالركوع والسجود والرفع والخفض، وقد جاء الحديث قَالَ: «يأتي عَلَى الناس زمان يُصلُّون ولا يُصلُّون» (^٣).
وقد تخوفت أن يكون هذا الزمان، فلو صليت فِي مائة مسجد، ما رأيت أهل مسجد واحد يقيمون الصلاة عَلَى ما جاء عَنِ النَّبِيّ ﷺ وعن أصحابه ﵃، فاتقوا اللَّه وانظروا فِي صلاتكم وصلاة من يصلي معكم.
واعلموا لو أن رجلًا أحسن الصلاة فأتمَّها وأحكمَها، ثم نظر إلى من أساء
_________________
(١) لم أجده في شيء من الكتب، والإمام أحمد يطلق في هذا الكتاب لفظ الحديث على آثار الصحابة والتابعين فلعله من ذلك.
(٢) ينظر: طبقات الحنابلة (١/ ٣٥٢ - ٣٥٨).
(٣) أخرجه الترمذي برقم (٢٦٢٢).
[ ١٣٢ ]
فِي صلاته وضيعها وسبق الإمام فيها، فسكت عنه ولم يُعْلمه فِي إساءته فِي صلاته ومسابقته الإمام فيها، ولم ينهه عَنْ ذلك ولم ينصحه، شاركه فِي وزرِها وعارِها، فالمحسن فِي صلاته شريك المسيء فِي إساءته إذا لم ينهه ولم ينصحْه.
وجاء الحديث عَنْ بلال بْن سعد ﵁ أنه قَالَ: الخطيئة إذا خَفيت لم تضر إلا صاحبها، وإذا ظهرت فلم تغيَّر ضرت العامة (^١)؛ لتركهم ما لزمهم وما وجب عليهم من التغيير، والإنكار على من ظهرت منه الخطيئة.
وجاء عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قَالَ: «ويل للعالم من الجاهل حيث لا يُعَلِّمه» (^٢).
فلولا أن تعليم الجاهل واجب عَلَى العالم لازم وفريضة وليس بتطوع، ما كان له الويل فِي السكوت عنه وفي ترك تعليمه، والله تعالى لا يؤاخذ من ترك التطوع، إنما يؤاخذ من ترك الفرائض، فتعليم الجاهل فريضة، فلذلك كان له الويل فِي السكوت عنه وترك تعليمه.
فاتقوا اللَّه تعالى فِي أموركم عامة وفي صلاتكم خاصة، واتقوا الله في تعليم الجاهل، فإن تعليمه فريضة واجب لازم، والتارك لذلك مخطئ آثم.
_________________
(١) ذكره البيهقي في شعب الإيمان برقم (٧٦٠١).
(٢) أخرجه الديلمي في مسند الفردوس (٤/ ٣٩٤)، من حديث أنس ﵁، مطولًا. قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار برقم (٥٢٨): أخرجه الديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس ﵁ بسند ضعيف. قال المحقق أبو عبد الله محمود الحداد: (قلت: لفظ الحديث عنده: «ويل للعالم من الجاهل، وويل للجاهل من العالم». وهكذا رواه أيضًا أبو يعلى الموصلي. وأما قوله: «حيث لا يعلِّمه». فليس من أصل الحديث. والمعنى: ويل للعالم من الجاهل؛ حيث لم يعلِّمه معالم الدين، ولم يرشده إلى طريقه المبين، مع إنه مأمور بذلك، وويل للجاهل من العالم؛ حيث أمره بمعروف أو نهاه عن منكر، فلم يأتمر بأمره ولم ينته بنهيه، إذ العالم حجة الله على خلقه، ومعنى الويل: الخسران).
[ ١٣٣ ]
وأمروا أهل مسجدِكم بإحكام الصلاة وإتمامها، وألَّا يكون تكبيرهم إلا بعد تكبير الإمام، ولا يكون ركوعهم وسجودهم ورفعهم وخفضهم إلا بعد تكبير الإمام، وبعد ركوعه وسجوده ورفعه وخفضه.
واعلموا أن ذلك من تمام الصلاة، وذلك الواجب عَلَى الناس واللازم لهم، كذلك جاء عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وعن أصحابه ﵃.
ومن العجب أن يكون الرجل فِي منزله، فيسمع الأذان فيقوم فزعًا، يتهيأ ويخرج من منزله يريد الصلاة، ولا يريد غيرها، ثم لعله يخرج فِي الليلة المطيرة المظلمة، ويتخبط فِي الطين ويخوضُ الماء وتبتل ثيابه، وإن كان فِي ليالي الصيف فليس يأمن العقارب والهوام فِي ظلمة الليل، ولعله مع هذا أن يكون مريضًا ضعيفًا فلا يدع الخروج إلى المسجد، فيتحمل هذا كله إيثارًا للصلاة وحبًّا لها وقصدًا إليها، لم يخرجه من منزله غيرها، فإذا دخل مع الإمام فِي الصلاة خدعه الشيطان، فيسابق الإمام فِي الركوع والسجود والرفع والخفض؛ خدعًا من الشيطان له، لما يريد من إبطال صلاته وإحباط عمله، فيخرج من المسجد ولا صلاة له.
ومن العجب أنهم كلهم يستيقنون أنه ليس أحد ممن خلف الإمام ينصرف من صلاته حتى ينصرف الإمام، وكلهم ينتظرون الإمام حتى يسلم، وهم كلهم إلا ما شاء اللَّه يسابقونه فِي الركوع والسجود والرفع والخفض، خدعًا من الشيطان لهم، واستخفافًا بالصلاة منهم، واستهانة بها، وذلك حظهم من الإسلام، وقد جاء الحديث قَالَ: «لا حظ فِي الإسلام لمن ترك الصلاة» (^١).
_________________
(١) موقوف من كلام عمر بن الخطاب ﵁، أخرجه عبد الرزاق في المصنف برقم (٥٨١، ٥٠١٠)، وابن أبي شيبة في المصنف برقم (٣٧٠٧٤)، والخلال في السنة برقم (١٣٧١). قال البغوي في شرح السنة (٢/ ١٧٩): (قلت: اختلف أهل العلم في تكفير تارك الصلاة المفروضة عمدًا، فذهب إبراهيم النخعي، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، إلى تكفيره، قال عمر ﵁: «لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة»، قال ابن مسعود ﵁: «تركها كفر»، قال عبد الله بن شقيق: (كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة)، وذهب الآخرون إلى أنه لا يكفر، وحملوا الحديث على ترك الجحود، وعلى الزجر والوعيد، وقال حماد بن زيد، ومكحول، ومالك، والشافعي: (تارك الصلاة كالمرتد، ولا يخرج به عن الدين)، وقال الزهري، وبه قال أصحاب الرأي: (لا يقتل، بل يحبس ويضرب حتى يصلي، كما لا يقتل تارك الصوم، والزكاة، والحج).
[ ١٣٤ ]
فكل مستخف بالصلاة مستهين بها هو مستخف بالإسلام مستهين به، وإنما حظهم من الإسلام عَلَى قدر حظهم من الصلاة، ورغبتهم فِي الإسلام عَلَى قدر رغبتهم فِي الصلاة.
فاعرف نفسك يا عبد الله، واعلم أن حظَّك من الإسلام وقدر الإسلام عندك بقدر حظك من الصلاة وقدرها عندك.
واحذر أن تلقى اللَّه ﷿ ولا قدر للإسلام عندك، فإن قدر الإسلام فِي قلبك كقدر الصلاة فِي قلبك.
وقد جاء الحديث عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قَالَ: «الصلاة عمود الإسلام» (^١). ألست تعلم أن الفسطاط إذا سقط عموده سقط الفسطاط ولم ينتفع بالطنب (^٢) ولا بالأوتاد، وإذا قام عمود الفسطاط انتفعت بالطنُب والأوتاد، فكذلك الصلاة من الإسلام.
_________________
(١) أخرجه المروزي في تعظيم قدر الصلاة برقم (٢٠٠)، عن الحسن ﵁، عن أبي ذر ﵁، قال: قلت: يا رسول الله، ما تقول في الصلاة؟ قال: «عمود الإسلام». وفيه العوام بن جويرية، ضعيف، كما قال ابن معين في تاريخه (٢/ ١٥٨)، وقال الذهبي في المغني في الضعفاء (٢/ ٤٩٤): العَوام بن جوَيْرِية عَنْ الْحسن، قَالَ ابْن حبَان: كَانَ يروي الموضوعات.
(٢) والطنب: مفرد أطناب، وهي الحبال الَّتِي يشد بهَا الْفسْطَاط، وَهِي الأواخي أَيْضًا. ينظر: غريب الحديث لابن قتيبة (٢/ ٤٠٢).
[ ١٣٥ ]
فانظروا رحمكم اللَّه واعقلوا وأحكموا الصلاة، واتقوا اللَّه فيها وتعاونوا عليها، وتناصحوا فيها بالتعليم من بعضكم لبعض والتذكير من بعضكم لبعض من الغفلة والنسيان، فإن اللَّه ﷿ قد أمركم أن تتعاونوا عَلَى البر والتقوى، والصلاة أفضل البر، وجاء الحديث عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قَالَ: «أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون منه الصلاة، وليصلين أقوام لا خلاق لهم» (^١).
وجاء الحديث أن: «أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن تقبلت منه صلاته تقبل منه سائر عمله، وإن رُدَّت صلاته رُدَّ سائر عمله» (^٢).
فصلاتنا آخر ديننا، وهي أول ما نسأل عنه غدًا من أعمالنا، فليس بعد ذهاب الصلاة إسلامٌ ولا دين، فإذا صارت الصلاة آخر ما يذهب من الإسلام، فكل شيء يذهب آخره فقد ذهب جميعُه، فتمسكوا رحمكم اللَّه بآخر دينكم.
وليعلم المتهاون بصلاته المستخفُّ بها المسابق الإمام فيها أنه لا صلاة له، وأنه إذا ذهبت صلاته فقد ذهب دينه، فعظموا الصلاة رحمكم اللَّه، وتمسكوا بها، واتقوا اللَّه فيها خاصة، وفي أموركم عامة.
واعلموا أن اللَّه ﷿ قد عظم خطر الصلاة فِي القرآن، وعظم أمرها وشرفها وشرف أهلها، وخصها بالذكر من بين الطاعات كلها فِي مواضع من القرآن كثيرة وأوصى بها خاصة.
_________________
(١) صح بهذا السياق موقوفًا عن ابن مسعود ﵁، أخرجه الطبراني في الكبير برقم (٨٦٩٩)، وعبد الرزاق في المصنف برقم (٥٩٨١)، وابن أبي شيبة في المصنف برقم (٣٧٥٨٥)، والخلال في السنة برقم (١٣٩١)، والخرائطي في مكارم الأخلاق برقم (١٧٦).
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط برقم (١٨٥٩)، والطوسي في مستخرجه (٢/ ٣٦٥)، والضياء في المختارة برقم (٢٥٧٨) مرفوعًا، من حديث أنس بن مالك ﵁. وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (٢٥٧٣).
[ ١٣٦ ]
فمن ذلك أن اللَّه تعالى ذكر أعمال البر التي أوجب لأهلها الخلود فِي الفردوس، فافتتح تلك الأعمال بالصلاة، وختمها بالصلاة، وجعل تلك الأعمال التي جعل لأهلها الخلود فِي الفردوس بين ذكر الصلاة مرتين قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]؛ فبدأ من صفتهم بالصلاة عند مديحه إياهم، ثم وصفهم بالأعمال الطاهرة الزاكية المرضية إلى قول اللَّه ﷿: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٨ - ١١]، فأوجب اللَّه ﷿ لأهل هذه الأعمال الشريفة الزاكية المرضية الخلود فِي الفردوس، وجعل هذه الأعمال بين ذكر الصلاة مرتين.
ثم عاب اللَّه ﷿ الناس كلهم وذمهم، ونسبهم إلى اللؤم والهلع والجزع والمنع للخير، إلا أهل الصلاة، فإنه استثناهم منهم فقَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ١٩ - ٢١]، ثم استثنى المصلين منهم فقال: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٢ - ٢٥].
ثم وصفهم بالأعمال الزاكية الطاهرة المرضية الشريفة إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٣٣]، ثم ختم بثنائه عليهم ومدحهم بأن ذكرهم بمحافظتهم عَلَى الصلاة فقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج: ٣٤ - ٣٥]، فأوجب لأهل هذه الأعمال الكرامة فِي الجنة، وافتتح ذكر هذه الأعمال بالصلاة وختمه بالصلاة، فجعل ذكر هذه الأعمال بين ذكر الصلاة مرتين.
ثم ندب اللَّه ﷿ رسولَه ﷺ إلى الطاعة كلها جملة، وأفرد الصلاة بالذكر من بين الطاعة كلها، والصلاة هي من الطاعة، فقال ﷿: ﴿اتْلُ
[ ١٣٧ ]
مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، ففي تلاوة الكتاب فعل جميع الطاعات واجتناب جميع المعصية، فخصَّ الصلاة بالذكر فقال: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾.
وإلى الصلاة خاصة ندبه اللَّه ﷿ فقال: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢]، فأمره أن يأمر أهله بالصلاة ويصطبر عليها، ثم أمر اللَّه تعالى جميع المؤمنين بالاستعانة عَلَى طاعته كلها بالصبر، ثم خص الصلاة بالذكر من بين الطاعة كلها، فقرنها مع الصبر بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣]، فكذلك أمر اللَّه تعالى بني إسرائيل بالاستعانة بالصبر والصلاة عَلَى جميع الطاعة، ثم أفرد الصلاة من بين الطاعة فقال: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥].
ومثل ذلك ما أخبر اللَّه ﷿ به من حُكمه ووصيته خليله إبراهيم ﵇ ولوطًا ﵇ وإسحاق ﵇ ويعقوب ﵇ فقال: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩]، إلى قوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا﴾ [الأنبياء: ٧١]، إلى قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٢]، إلى قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٣]، فذكر الخيرات كلها جملة وهي جميع الطاعات واجتناب جميع المعصية، وأفرد الصلاة بالذكر، وأوصاهم بها خاصة.
ومثل ذلك ما ذكر عَنْ إِسْمَاعِيل ﵇ فِي قوله: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٥]، فبدأ بالصلاة.
[ ١٣٨ ]
ومثل ذلك عَنْ نجيه مُوسَى ﵇ فِي قوله: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ [طه: ٩]، إلى قوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، فأجمل الطاعة واجتناب المعصية فِي قوله لموسى ﵇: ﴿فَاعْبُدْنِي﴾، وأفرد الصلاة وأمر بها خاصة، وقال الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأعراف: ١٧٠]، والتمسك بالكتاب يأتي عَلَى جميع الطاعة واجتناب جميع المعصية، ثم خص الصلاة بالذكر فقال: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾.
وإلى تضييع الصلاة نسب الله ﷿ من أوجب له العذاب قبل المعاصي فقال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]، فمن اتباع الشهوات ركوب جميع المعاصي، فنسبهم اللَّه ﷿ إلى جميع المعصية فِي تضييع الصلاة.
فهذا ما أخبر الله تعالى به من آي القرآن من تعظيم الصلاة، وتقديمها بين يدي الأعمال كلها، وإفرادها بالذكر من بين جميع الطاعات، والوصية بها دون أعمال البر عامة، فالصلاة خطرها عظيم وأمرها جسيم.
وبالصلاة أمر اللَّه ﵎ رسوله ﷺ أول ما أوحى إليه بالنبوة قبل كل عمل وقبل كل فريضة.
وبالصلاة أوصى النَّبِيّ ﷺ عند خروجه من الدنيا فقال: «اللَّه اللَّه فِي الصلاة وفيما ملكت أيمانكم» (^١). فِي آخر وصيته إياهم.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في الآداب برقم (٥١)، عن أم سلمة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يقول في مرضه: «الله الله الصلاة وما ملكت أيمانكم»، قالت: فجعل يتكلم به وما يفيض، وفي رواية أخرى: حتى جعل يلجلجها في صدره، وما يفيض بها لسانه.
[ ١٣٩ ]
وجاء الحديث أنها آخر وصية كل نَبِيّ لأمته، وآخر عهده إليهم عند خروجه من الدنيا، وجاء فِي حديث آخر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه كان يجود بنفسه ويقول: «الصلاة الصلاة الصلاة» (^١).
فالصلاة أول فريضة فرضت عليهم، وهي آخر ما أوصى به أمته، وآخر ما يذهب من الإسلام، وهي أول ما يسأل عنه العبد من عمله يوم القيامة، وهي عمود الإسلام، وليس بعد ذهابها دين ولا إسلام، فالله اللَّه فِي أموركم عامة، وفي صلاتكم خاصة، فتمسكوا بها، واحذروا تضييعها والاستخفاف بها، ومسابقة الإمام فيها، وخداع الشيطان أحدكم عنها، وإخراجه إياكم منها، فإنها آخر دينكم، ومن ذهب آخر دينه، فقد ذهب دينه كله، فتمسكوا بآخر دينكم).
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ (^٢): (وقد جمع النسائي في روايته في حديث بن مسعود ﵁ بين الخبرين ولفظه: «أول ما يحاسب العبد عليه صلاته، وأول ما يقضى بين الناس في الدماء» (^٣).
وتقدم في تفسير سورة الحج ذكر هذه الأولية بأخص مما في حديث الباب، وهو عن علي ﵁ قال: أنا أول من يجثو للخصومة يوم القيامة (^٤)، يعني: هو ورفيقاه حمزة ﵁ وعبيدة ﵁، وخصومهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة الذين بارزوا يوم بدر.
_________________
(١) لعله يريد ما أخرجه الإمام أحمد في المسند برقم (٥٨٥)، وأبو داود برقم (٥١٥٦)، من حديث علي ﵁، ولفظه: كان آخر كلام رسول اللَّه ﷺ: «الصلاة الصلاة، اتقوا اللَّه فيما ملكت أيمانكم». وصححه الشيخ الألباني في الإرواء برقم (٢١٧٨).
(٢) ينظر: فتح الباري (١١/ ٣٩٧).
(٣) أخرجه النسائي برقم (٣٩٩١).
(٤) أخرجه البخاري برقم (٣٩٦٥).
[ ١٤٠ ]
قال أبو ذر ﵁: فيهم نزلت ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩]، الآية (^١). وتقدم شرحه هناك.
وفي حديث الصور الطويل عن أبي هريرة ﵁ رفعه: «أول ما يقضى بين الناس في الدماء، ويأتي كل قتيل قد حمل رأسَه فيقول: يا ربِّ سل هذا فيم قتلني» (^٢). الحديث.
وفي حديث نافع بن جبير ﵁ عن ابن عباس ﵁ رفعه: «يأتي المقتول معلقا رأسَه بإحدى يديه مُتَلَبِّبًا قاتلَه (^٣) بيده الأخرى، تشخُب (^٤) أوداجه دمًا، حتى يقفا بين يدي الله» (^٥). الحديث.
ونحوه عند بن المبارك عن عبد الله بن مسعود ﵁ موقوفًا.
وأخرج ابن ماجه عن ابن عباس رفعه: «نحن آخرُ الأمم وأولُ من يحاسب يوم القيامة») (^٦).
من فوائد الحديثين:
أولًا: في الحديث الأول تعظيم شأن الصلاة، وأنها أهم الأركان العملية بعد الشهادتين.
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (٣٠٣٣).
(٢) أخرجه أبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن عبدوَيْه البغدادي الشافعي البزَّاز في كتاب الفوائد الغيلانيات برقم (١١١١).
(٣) متلببًا قاتله: أي: آخذًا بعنق قاتله بيده.
(٤) تشخب: تسيل.
(٥) أخرجه الطبراني في الكبير برقم (١٠٧٤٢)، وفي الأوسط برقم (٤٢١٧).
(٦) أخرجه ابن ماجه برقم (٤٢٩٠)، وأحمد في المسند برقم (٢٥٤٦).
[ ١٤١ ]
ثانيًا: فيه أن الصلاة هي ميزان الأعمال يوم القيامة، فإن أحسن العبد صلاته، رجي له النجاح والفلاح، وهذا يدعو إلى الاهتمام بما يصلح الصلاة من أركان وواجبات وسنن، وكذلك الاهتمام بالخشوع في الصلاة، لأنه روح الصلاة ولبها.
ثالثًا: في الحديث بيان فضل التطوع وأهميته في إكمال الصلاة لتكون مقبولة عند الله تعالى.
قال ابن عبد البر ﵀ (^١): (أما إكمال الفريضة من التطوع، فإنما يكون ذلك والله أعلم فيمن سها عن فريضة فلم يأت بها، أو لم يحسن ركوعها، ولم يدر قدر ذلك.
وأما من تعمد تركها أو نسي ثم ذكرها فلم يأت بها عامدًا، واشتغل بالتطوع عن أداء فرضه وهو ذاكر له، فلا تكمل له فريضته تلك من تطوعه، والله أعلم).
رابعًا: أما الحديث الثاني فقد قال ابن حجر ﵀ (^٢): (وفي الحديث عظم أمر الدم، فإن البداءة إنما تكون بالأهم، والذنب يعظم بحسب عظم المفسدة وتفويت المصلحة، وإعدام البنية الإنسانية غاية في ذلك، وقد ورد في التغليظ في أمر القتل آيات كثيرة وآثار شهيرة).
_________________
(١) ينظر: التمهيد لابن عبد البر (٢٤/ ٨١).
(٢) ينظر: فتح الباري (١١/ ٣٩٧).
[ ١٤٢ ]