عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁، قَالَ: ثِنْتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةِ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، ولْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» (^١). رواه مسلم.
معاني الكلمات (^٢):
الكلمة … معناها
كتب الإحسان على كل شيء … أي: أمر بالرفق واللطف.
القِتْلة … بكسر القاف: صورةُ القِتلة وهيئتها، يقال: قتله قِتلةَ سوءٍ.
والذِّبحة … بكسر الذال، وقد جاء في بعض روايات هذا الحديث «فأحسنوا الذبح»، بغير هاء، وهو بالفتح: مصدر، وبالهاء والكسر: الهيئة والحالة.
وليُحد … بضم حرف المضارعة: من أحدَّ السكين أحسن حدَّها.
والشفرة … السكين العظيمة، وما عظُم من الحديد وحُدِّد.
وليُرح … من الإراحة، ويكون بإحداد السكين وتعجيل إمرارها وحسن الصنيعة.
_________________
(١) أخرجه مسلم ببرقم (١٩٥٥) عن أَبي يعلى شَدَّاد بن أوسٍ ﵁.
(٢) ينظر: كشف المشكل لابن الجوزي (٢/ ٢١٠)، وشرح النووي على مسلم (١٣/ ١٠٦)، وسبل السلام للصنعاني (٢/ ٥٢٧).
[ ٣٣٥ ]
التعليق:
قوله: «كتب الإحسان»:
أي: أوجبه كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]. وهو فعل الحسن ضد القبيح، فيتناول الحسنَ شرعًا والحسن عرفًا، وذكر منه ما هو أبعد شيء عن اعتبار الإحسان، وهو الإحسان في القتل، لأي حيوان من آدمي وغيره، في حدٍّ وغيره.
ودل على نفي المُثلة مكافأة، إلا أنه يحتمل أنه مخصَّص بقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] (^١).
قال ابن دقيق العيد ﵀ (^٢): (وهذا الحديث من الأحاديث الجامعة لقواعد كثيرة، ومعنى إحسان القتل: أن يجتهد في ذلك ولا يقصد التعذيب. وإحسان الذبح في البهائم: أن يرفق بالبهيمة ولا يصرعها بغتة ولا يجرها من موضع إلى موضع، وأن يوجهها إلى القبلة، ويسمي ويحمد ويقطع الحلقوم والودجين ويتركها إلى أن تبرد، والاعتراف لله تعالى بالمنة والشكر على نعمه؛ فإنه سبحانه سخر لنا ما لو شاء لسلطه علينا، وأباح لنا ما لو شاء لحرمه علينا).
وقال ابن رجب ﵀ (^٣): (فهذا الحديث نصٌّ في وجوب الإحسان، وقد أمر الله تعالى به، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥].
_________________
(١) ينظر: سبل السلام للصنعاني (٢/ ٥٢٧).
(٢) ينظر: شرح الأربعين النووية (ص ٧٢).
(٣) ينظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب (١/ ٣٨١) بتصرف.
[ ٣٣٦ ]
وهذا الأمر بالإحسان تارة: يكون للوجوب؛ كالإحسان إلى الوالدين والأرحام، بمقدار ما يحصل به البر والصلة، والإحسان إلى الضيف، بقدر ما يحصل به قراه على ما سبق ذكره.
وتارة: يكون للندب، كصدقة التطوع ونحوها.
وهذا الحديث يدل على وجوب الإحسان في كل شيء من الأعمال، لكن إحسان كل شيء بحسبه:
فالإحسان في الإتيان بالواجبات الظاهرة والباطنة: الإتيان بها على وجه كمال واجباتها، فهذا القدر من الإحسان فيها واجب، وأما الإحسان فيها بإكمال مستحباتها فليس بواجب.
والإحسان في ترك المحرمات: الانتهاء عنها، وترك ظاهرها وباطنها، كما قال تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٠]؛ فهذا القدر من الإحسان فيها واجب.
وأما الإحسان في الصبر على المقدورات، فأن يأتي بالصبر عليها على وجهه من غير تسخط ولا جزع.
والإحسان الواجب في معاملة الخلق ومعاشرتهم: القيام بما أوجب الله من حقوق ذلك كله.
والإحسان الواجب في ولاية الخلق وسياستهم، القيام بواجبات الولاية كلها، والقدر الزائد على الواجب في ذلك كله إحسان ليس بواجب.
والإحسان في قتل ما يجوز قتله من الناس والدواب: إزهاق نفسه على أسرع الوجوه وأسهلها وأوحاها من غير زيادة في التعذيب، فإنه إيلام لا حاجة إليه.
[ ٣٣٧ ]
وهذا النوع هو الذي ذكره النبي ﷺ في هذا الحديث، ولعله ذكره على سبيل المثال، أو لحاجته إلى بيانه في تلك الحال فقال: «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة».
والقِتلة والذِّبحة بالكسر، أي: الهيئة، والمعنى: أحسنوا هيئة الذبح، وهيئة القتل، وهذا يدل على وجوب الإسراع في إزهاق النفوس التي يباح إزهاقها على أسهل الوجوه، وقد حكى ابن حزم الإجماع على وجوب الإحسان في الذبيحة.
وأسهل وجوه قتل الآدمي ضربه بالسيف على العنق، قال الله تعالى في حق الكفار: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]، وقال تعالى: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢].
وكان النبي ﷺ إذا بعث سرية تغزوا في سبيل الله قال لهم: «لا تمثِّلوا ولا تقتلوا وليدًا» (^١).
وخرَّج البخاري من حديث عبد الله بن يزيد ﵄، عن النبي ﷺ أنه: «نهى عن المثلة» (^٢).
وفي البخاري عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لا تعذبوا بعذاب الله ﷿» (^٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (١٧٣١)، عن بريدة ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ، أَوْ سَرِيَّةٍ، أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللهِ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: «اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَمْثُلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا …»، في حديث طويل.
(٢) أخرجه البخاري برقم (٢٤٧٤)، عن عبد الله بْنَ يَزِيدَ الأَنْصَارِيَّ ﵁، قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ النُّهْبَى وَالمُثْلَةِ».
(٣) أخرجه البخاري برقم (٣٠١٧) عن ابن عباس ﵄.
[ ٣٣٨ ]
وخرًّج الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي من حديث ابن مسعود ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ، فمررنا بقرية نمل قد أحرقت، فغضب النبي ﷺ وقال: «إنه لا ينبغي لبشر أن يعذب بعذاب الله ﷿» (^١).
وقد حرق خالد ﵁ جماعة في الردة.
وروي عن طائفة من الصحابة ﵃ تحريق من عمل عمل قوم لوط، وروي عن علي ﵁ أنه أشار على أبي بكر ﵁ أن يقتله ثم يحرقه بالنار، واستحسن ذلك إسحاق بن راهويه؛ لئلا يكون تعذيبًا بالنار.
وأكثر العلماء على كراهة التحريق بالنار حتى للهوام، وقال إبراهيم النخعي ﵀: تحريق العقرب بالنار مثلة).
ونهت أم الدرداء ﵁ عن تحريق البرغوث بالنار.
وقال أحمد: لا يشوى السمك في النار وهو حي، وقال: الجراد أهون، لأنه لا دم له.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه نهى عن صبر البهائم، وهو: أن تحبس البهيمة ثم تضرب بالنبل ونحوه حتى تموت، ففي الصحيحين عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ: «نهى أن تصبر البهائم» (^٢).
وفيهما أيضًا، عن ابن عمر ﵄: أنه مر بقوم نصبوا دجاجة يرمونها، فقال ابن عمر ﵄: من فعل هذا؟ إن رسول الله ﷺ لعن من فعل هذا (^٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند برقم (٤٠١٨)، وأبو داود برقم (٢٦٧٥)، والنسائي في الكبرى برقم (٨٥٦٠)، والطبراني في الأوسط برقم (٢٣٠٤)، عن ابن مسعود ﵁.
(٢) أخرجه البخاري برقم (٥٥١٣)، ومسلم برقم (٥٨/ ١٩٥٦)، عن الحكم بن أيوب ﵁.
(٣) أخرجه البخاري برقم (٥٥١٥)، ومسلم برقم (١٩٥٨).
[ ٣٣٩ ]
وخرَّج مسلم من حديث ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ: «أنه نهى أن يتخذ شيء فيه الروح غرضًا» (^١)، والغرض: هو الذي يرمى فيه بالسهام.
وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة.
فلهذا أمر النبي ﷺ بإحسان القتل والذبح، وأمر أن تحد الشفرة، وأن تراح الذبيحة، يشير إلى أن الذبح بالآلة الحادة يريح الذبيحة بتعجيل زهوق نفسها.
وخرَّج الإمام أحمد، وابن ماجه من حديث ابن عمر ﵄، قال: «أمر رسول الله ﷺ بحدِّ الشفار، وأن توارى عن البهائم، وقال: إذا ذبح أحدكم فليُجْهز» (^٢)، يعني: فليسرع الذبح.
وقد ورد الأمر بالرفق بالذبيحة عند ذبحها.
وقال الإمام أحمد ﵀: تقاد إلى الذبح قودًا رفيقًا، وتوارى السكين عنها، ولا تظهر السكين إلا عند الذبح، أمر رسول الله ﷺ بذلك أن توارى الشفار.
وفي مسند الإمام أحمد عن معاوية بن قرة، عن أبيه: أن رجلًا قال للنبي ﷺ: يا رسول الله إني لأذبح الشاة وأنا أرحمها، فقال النبي ﷺ: «والشاةُ إن رحِمتها رحِمك الله» (^٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (١٩٥٦/ ٥٨)، عن ابن عباس ﵄.
(٢) أخرجه أحمد في المسند برقم (٥٨٦٤)، وابن ماجه برقم (٣١٧٢).
(٣) أخرجه أحمد في المسند برقم (١٥٥٩٢)، والبخاري في الأدب المفرد برقم (٣٧٣)، وصححه الألباني.
[ ٣٤٠ ]
من فوائد الحديث:
أولًا: فيه الأمر بالإحسان، وأن الإحسان يكون في كل شيء.
ثانيًا: فيه شفقة النبي ﷺ على الحيوان، والإحسان عند الذبح، والأمر بسرعة الإجهاز على الذبيحة، وذلك بإحداد الشفرة لتكون ماضية، حتى لا يزيد في ألم الحيوان المذبوح.
[ ٣٤١ ]