عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خَيْرُ مَاءٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مَاءُ زَمْزَمَ، فِيهِ طَعَامٌ مِنَ الطُّعْمِ، وَشِفَاءٌ مِنَ السُّقْمِ، وَشَرُّ مَاءٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مَاءٌ بِوَادِي بَرَهُوتٍ، بَقِيَّةُ حَضْرَمَوْتَ كَرِجْلِ الْجَرَادِ مِنَ الْهَوَامِّ، يُصْبِحُ يَتَدَفَّقُ، وَيُمْسِي لَا بَلَالَ بِهَا» (^١).
معاني الكلمات (^٢):
الكلمة … معناها
فيه طعام من الطعم … أي: طعام إشباع أو طعام شبعٍ.
وشفاء من السقم … أي: شفاء من الأمراض.
بوادي بَرَهوت … بفتح الباء والراء: بئر عميقة. وبسكون الراء وهي المشار إليها في الآية: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ [الحج: ٤٥].
بقية حضرموت … قال الزمخشري: برهوت بئر بحضرموت، يقال: إن بها أرواح الكفار (^٣)، أو اسم للبلد الذي فيه هذا البئر، أو واد باليمن. انتهى.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير (١١١٦٧)، وفي الأوسط برقم (٣٩١٢ - ٨١٢٩). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٩٨): رواه الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات، وصححه ابن حبان، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (٣٣٢٢)، وينظر: السلسلة الصحيحة برقم (١٠٥٦).
(٢) ينظر: التنوير شرح الجامع الصغير للصنعاني (٦/ ١٩)، وفيض القدير للمناوي (٣/ ٣٨٩)، وكشف المشكل لابن الجوزي (٣/ ٥٢٨).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره برقم (١٨٥٧٤)، وعبد الرزاق في المصنف برقم (٩١١٨)، عن علي بن أبي طالب ﵁ موقوفًا.
[ ٢٦٧ ]
رجل الجراد … أي: جماعة من جراد، وهذا من أسماء الجماعات التي لا واحد لها من لفظها، يقال: رجل من جراد، وسرب من ظباء، وخيط من نعام، وعانة من حمير.
من الهوام … أي: فيها هوام كثيرة ككثير الجراد.
يصبح يتدفق … أي: يتدفق ماء لكثرته.
ويُمسِي لا بِلالَ بها … بكسر الباء، جمع بلل، أي: ليس بها قطرة ماء بل ولا أرضها مبتلة.
التعليق:
قصة زمزم:
روى البخاريُّ (^١) عن ابن عباس ﵄ قال: «أول ما اتخذ النساء المِنْطقَ (^٢) من قِبل أمِّ إسماعيل، اتخذت مِنْطقًا لتُعفيَ أثرَها (^٣) على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي تُرضعُه، حتى وضعهما عند البيت عند دوحة (^٤)، فوق زمزم في أعلى المسجد (^٥)، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جرابًا فيه تمر، وسقاءً فيه ماء.
ثم قفَّى إبراهيم (^٦) منطلقًا، فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي، الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارًا،
_________________
(١) في صحيحه برقم (٣٣٦٤).
(٢) المنطق: ما يشد به الوسط. ينظر: العين للفراهيدي (٥/ ١٠٤).
(٣) لتعفي أثرها: تخفيه. ينظر: المعجم الوسيط لإبراهيم مصطفى وآخرين (٢/ ٦١٢).
(٤) دوحة: شجرة كبيرة. ينظر: تهذيب اللغة للهروي (٥/ ١٢٤).
(٥) في أعلى المسجد: أي: أعلى مكان المسجد، لأن المسجد لم يكن بني يومئذ.
(٦) قفَّى إبراهيم: ولَّى راجعًا إلى الشام. ينظر: جامع الأصول، لابن الأثير (١٠/ ٢٩٥).
[ ٢٦٨ ]
وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله الذي أمرك بهذا؟ قال نعم، قالت: إذن لا يضيِّعنا. ثم رجعت، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثَّنِيةِ (^١) حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الكلمات، ورفع يديه فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ حتى بلغ: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧]).
وجعلت أم إسماعيل تُرضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السِّقاء عطشت وعطش ابنُها، وجعلت تنظر إليه يتلوى، أو قال يتلبط (^٢)، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعِها (^٣)، ثم سعت سعيَ الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا، ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس ﵄: «قال النبي ﷺ: «فذلك سعيُ الناس بينهما».
فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا، فقالت: صَهٍ (^٤) -تريد نفسها-، ثم تسمَّعت، فسمعت أيضًا، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غِوَاثٌ (^٥)، فإذا هي بالملَك عند موضع زمزم، فبحث بعَقِبِه، أو قال: بجناحِه، حتى ظهر الماءُ،
_________________
(١) الثنية: مكان مرتفع في جبل بأعلى مكة حيث دخل النبي ﷺ مكة. ينظر: العين للفراهيدي (٨/ ٢٤٣).
(٢) يتلبط: أي: يتقلب في الأرض. ينظر: تهذيب اللغة للهروي (١٣/ ٢٣٩).
(٣) رفعت طرف درعها: أي قميصها، لئلا تعثر في ذيله. ينظر: مختارالصحاح للرازي (١/ ١٠٤).
(٤) صه: اسم فعل أمر، أي: اسكت. ينظر: تهذيب اللغه للهروي (٥/ ٢٢٩).
(٥) إن كان عندك غواث: إن كان عندك خير يستغاث به. ينظر: لسان العرب لابن منظور (٢/ ١٧٤).
[ ٢٦٩ ]
فجعلت تُحَوِّضُه (^١) وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائِها، وهو يفور بعد ما تغرف».
قال ابن عباس ﵄: قال النبي ﷺ: «يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم -أو قال: لو لم تغرف من الماء-، لكانت زمزم عينًا معينًا» (^٢).
قال: فشربت وأرضعت ولدَها، فقال لها الملك: لا تخافوا الضيعة (^٣)، فإن ها هنا بيت الله، يبني هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله».
قال ابن حجر ﵀ (^٤): (سُميت زمزم لكثرتها يقال: ماء زمزم، أي: كثير، وقيل: لاجتماعها، نُقل عن ابن هشام. وقال أبو زيد: الزمزمة من الناس: خمسون ونحوهم. وعن مجاهد: إنما سميت زمزم: لأنها مشتقة من الهزمة، والهزمة الغمز بالعقب في الأرض. أخرجه الفاكهي بإسناد صحيح عنه. وقيل: لحركتها، قاله الحربيُّ. وقيل: لأنها زمَّت بالميزان لئلا تأخذ يمينًا وشمالًا).
وأما بئر برَهوت: ففي الفردوس عن الأصمعي عن رجل من أهل برَهوت أنهم يجدون الريح الفظيع المنتن فيها، ثم يمكثون جثيًّا، فيأتيهم الخبر بأن عظيمًا من الكفار مات، فيرَوْن أن الريحَ منه، وقد أخذ جمعٌ من الشافعية أنه يُكره استعمالُ هذا الماء في الطهارة وغيرها (^٥).
_________________
(١) تحوضه: تجعله مثل الحوض، حتى لا يذهب. ينظر: لسان العرب لابن منظور (٧/ ١٤١).
(٢) عينًا معينًا: أي: ظاهرًا جاريًا على وجه الأرض. ينظر: العين للفراهيدي (٢/ ٢٥٥)، تهذيب اللغة للهروي (٣/ ١٣٣).
(٣) الضيعة: الهلاك. ينظر: مقاييس اللغة لابن فارس (٣/ ٣٨٠).
(٤) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٣/ ٤٩٣).
(٥) ينظر: فيض القدير للمناوي (٣/ ٤٨٩)، التنوير شرح الجامع الصغير للصنعاني (٦/ ١٩).
[ ٢٧٠ ]
من فوائد الحديث:
الأول: في الحديث أن المياه تتفاضل من حيث العذوبة والنقاء، وأن الله يضع في بعض المياه من البركة والتأثير ما لا يضعه في غيره.
الثاني: فيه فضيلة ماء زمزم، وأنه يغني شاربَه عن الطعام، وقد مكث أبو ذر في الحرم ثلاثين بين يوم وليلة لا طعام له غير ماء زمزم، قال كما في حديث مسلم: «ما كان لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنتُ حتى تكسرت عكن بطني، وما أجد على كبدي سَخْفةَ جوع» (^١)، أي: انطوت وانثنت طاقات لحمُ بطنه من السِّمن، ولم يجد رقةَ الجوع وضعفَه وهزالَه، وهذا من بركة زمزم وفضلها (^٢).
الثالث: فيه أن ماء زمزم سبب في الشفاء من الأمراض، إذا شرب بنية صالحة رحمانية.
الرابع: فيه أن بعض الآبار لا يصلح ماؤها لخبثه وتكاثر الهوام والحشرات به.
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (٢٤٧٣).
(٢) ينظر: إكمال المعلم للقاضي عياض (٧/ ٥٠٦)، وشرح النووي على مسلم (١٦/ ٢٩).
[ ٢٧١ ]