عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، يَقُولُ: -وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ- «إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ، صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ، فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» (^١).
معاني الكلمات (^٢):
الكلمة … معناها
بيِّنٌ … ظاهر.
مشتبهات … التي لا يقال فيها: حلال ولا حرام، فهي تشتبه بالشيئين.
اتقى الشبهات … تجنبها.
استبرأ لدينه وعرضه … احتاط لهما، أي: حصل له البراءة لدينه من الذم الشرعي، وصان عرضه عن كلام الناس فيه.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩).
(٢) ينظر: شرح النووي على مسلم (١١/ ٢٧)، وشرح مشكاة المصابيح للطيبي (٧/ ٢٠٩٩)، وكشف المشكل لابن الجوزي (٢/ ٢١٢).
[ ٣٩٠ ]
يرعى حول الحمى … الحمى: هو المرعى الممنوع الذي حماه الإمام، ومنع من أن يُرعى فيه.
يوشك … يقرُب.
يرتع فيه … يرعى غنمه أو إبله في نفس الحمى، بناء على تساهله في المحافظة، وجراءته على الرعي، وعدم الفرق بينه وبين غيره، فيستحق عقاب الملك.
مُضغة … قطعة من اللحم قدر ما يمضغ، وسمي القلب بها لأنها قطعة من الجسد. قال العلماء: المراد تصغير القلب بالنسبة إلى باقي الجسد، مع أن صلاح الجسد وفساده تابعان له.
التعليق:
قال النووي ﵀ (^١): (أجمع العلماء على عظم وقع هذا الحديث وكثرة فوائده، وأنه أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام.
وسبب عظم موقعه أنه ﷺ نبه فيه على إصلاح المطعم والمشرب والملبس وغيرها، وأنه ينبغي ترك المشتبهات، فإنه سبب لحماية دينه وعرضه، وحذر من مواقعة الشبهات، وأوضح ذلك بضرب المثل بالحمى، ثم بين أهم الأمور وهو مراعاة القلب، فقال ﷺ: «ألا وإن في الجسد مضغة …» إلى آخره، فبين ﷺ أن بصلاح القلب يصلح باقي الجسد، وبفساده يفسد باقيه.
_________________
(١) ينظر: شرح النووي على مسلم (١١/ ٢٧).
[ ٣٩١ ]
وأما قوله ﷺ: «الحلال بين والحرام بين»، فمعناه أن الأشياء ثلاثة أقسام:
١ - حلال بين واضح لا يخفى حله؛ كالخبز والفواكه والزيت والعسل، والسمن ولبن مأكول اللحم وبيضه، وغير ذلك من المطعومات، وكذلك الكلام والنظر والمشي وغير ذلك من التصرفات، فيها حلالٌ بين واضح لا شك في حله.
٢ - وأما الحرامُ البيِّن؛ فكالخمر والخنزير والميتة والبول والدم المسفوح، وكذلك الزنى والكذب، والغيبة والنميمة والنظر إلى الأجنبية وأشباه ذلك.
٣ - وأما المشتبهات؛ فمعناه: أنها ليست بواضحة الحلِّ ولا الحرمةِ، فلهذا لا يعرفها كثير من الناس ولا يعلمون حكمها، وأما العلماء فيعرفون حكمَها بنصٍّ أو قياس أو استصحابٍ أو غير ذلك، فإذا تردَّد الشيء بين الحلِّ والحرمة، ولم يكن فيه نصٌّ ولا إجماع، اجتهد فيه المجتهد، فألحقه بأحدهما بالدليل الشرعي، فإذا ألحقه به صار حلالًا، وقد يكون دليله غير خال عن الاحتمال البين، فيكون الورع تركه، ويكون داخلًا في قوله ﷺ: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه».
وما لم يظهر للمجتهد فيه شيء وهو مشتبه، فهل يؤخذ بحله، أم بحرمته، أم يتوقف فيه، ثلاثة مذاهب حكاها القاضي عياض ﵀ وغيره، والظاهر أنها مخرَّجة على الخلاف المذكور في الأشياء قبل ورود الشرع وفيه أربعة مذاهب؛ الأصح أنه لا يحكم بحل، ولا حرمة، ولا إباحة، ولا غيرها، لأن التكليف عند أهل الحق لا يثبت إلا بالشرع، والثاني: أن حكمها التحريم، والثالث: الإباحة، والرابع: التوقف).
[ ٣٩٢ ]
وجاء في شرح المشكاة للطيبي ﵀ (^١): (إن الله تعالى بين الحلال والحرام، بأن مهَّد لكل منهما أصلًا، يتمكن الناظر المتأمل فيه من استخراج أحكام ما يعِنُّ له من الجزئيات، ويعرف أحوالَها، لكن قد يقع في الجزئيات ما يقع فيه الاشتباه، لوقوعه بين الأصلين، ومشاركته لأفراد كل منهما من وجه، فينبغي أن لا يجتريء المكلَّف على تعاطيه، بل يتوقفه ريثما يتأمل فيه، فيظهر له أنه من أي القبيلين هو، فإن اجتهد ولم يظهر له أثر الرجحان، بل رجع طرفُ الذهنِ عن إدراكه حسيرًا، تركه في حيِّز التعارض أسيرًا، وأعرض عما يريبه إلى ما لا يريبه، استبراءً لدينه أن يختل بالوقوع في المحارم، وصيانةً لعرضه عن أن يتهم بعدم المبالاة بالمعاصي والبعد عن الورع، فإنَّ من هجم على الشبهات، وتخطَّى خُطَطَها، ولم يتوقف دونها، وقع في الحرام؛ إذ الغالب أن ما وقع فيه من الشبهات لا يخلو عن المحارم، كما أن الراعي إذا رعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه).
وقال الإمام ابن رجب ﵀ (^٢): (ثم ذكر النبي ﷺ كلمة جامعة لصلاح حركات ابن آدم وفسادها، وأن ذلك كلَّه بحسب صلاح القلب وفساده، فإذا صلح القلب صلحت إرادته، وصلحت جميع الجوارح، فلم تنبعث إلا إلى طاعة الله واجتناب سخطه، فقنعت بالحلال عن الحرام، وإذا فسد القلب فسدت إرادته، ففسدت الجوارح كلها، وانبعث في معاصي الله ﷿ وما فيه سخطه، ولم تقنع بالحلال؛ بل أسرعت في الحرام بحسب هوى القلب وميله عن الحق.
_________________
(١) ينظر: شرح مشكاة المصابيح للطيبي (٧/ ٢٠٩٨).
(٢) ينظر: فتح الباري لابن حجر (١/ ٢٢٩).
[ ٣٩٣ ]
فالقلب الصالح: هو القلب السليم الذي لا ينفع يوم القيامة عند الله غيره، وهو أن يكون سليما عن جميع ما يكرهه الله، من إرادة ما يكرهه الله ويسخطه، ولا يكون فيه سوى محبة الله وإرادته، ومحبته ما يحبه الله وإرادة ذلك، وكراهة ما يكرهه الله والنفور عنه.
والقلب الفاسد: هو القلب الذي فيه الميل على الأهواء المضلة، والشهوات المحرمة، وليس فيه من خشية الله ما يكف الجوارح عن اتباع هوى النفس؛ فالقلب ملك الجوارح وسلطانها، والجوارح جنوده ورعيته المطيعة له المنقادة لأمره، فإذا صلح الملك صلحت رعاياه وجنوده المطيعة له المنقادة لأوامره، وإذا فسد الملك فسدت جنوده ورعاياه المطيعة له المنقادة لأوامره ونواهيه.
وقد بوب البخاري على هذا الحديث: (باب فضل من استبرأ لدينه)، والمقصود من إدخاله هذا الحديث في هذا الباب: أن من اتقى الأمور المشتبهة عليه، التي لا تتبين له أحلال هي أو حرام؟ فإنه مستبراءٌ لدينه بمعنى: أنه طالب له البراء والنزاهة مما يدنسه ويشينه؛ ويلزم من ذلك أن من لم يتق الشبهات فهو معرضٌ دينَه للدنس والشين والقدح، فصار بهذا الاعتبار الدين تارة يكون نقيًّا نزها بريًّا، وتارة يكون دنسًا متلوثًا.
والدين يوصف تارة بالقوة والصلابة، وتارة بالرقة والضعف، كما يوصف بالنقص تارة وبالكمال تارة أخرى، ويوصف الإسلام تارة بأنه حسن، وتارة بأنه غير حسن، والإيمان يوصف بالقوة تارة وبالضعف أخرى.
هذا كلُّه إذا أخذ الدين والإسلام والإيمان بالنسبة إلى شخصٍ شخص، فأما إذا نظر إليه بالنسبة إلى نفسِه من حيث هو هو فإنه يوصف بالنزاهة.
[ ٣٩٤ ]
قال أبو هريرة: الإيمان نزِهٌ، فإن زنا فارقه الإيمان، فإن لام نفسه وراجع راجعه الإيمان (^١).
خرجه الإمام أحمد في كتاب الإيمان. ومن كلام يحيى بن معاذ: الإسلام نقي فلا تدنسه بآثامك) (^٢).
من فوائد الحديث:
أولًا: في هذا الحديث يسر الإسلام وسماحته في مسائل الحلال والحرام، فهي واضحة لكل أحد، ولا حجة لأحد في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله.
ثانيًا: فيه أن المشتبهات، وإن كان لا يعلمهن كثير من الناس، إلا أن الراسخين في العلم يعلمونها، ولذلك أمر الله ﷿ بسؤالهم فقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
ثالثًا: فيه فضيلة اتقاء الشبهات، وأن في اتقائها سلامة الدين والعرض.
رابعًا: فيه أن من وقع في الشبهات واعتاد عليها، ولم يبال بكونها غير واضحة الحِلِّيَّةِ، جره ذلك إلى الوقوع في الحرام والتهاون بارتكابه.
خامسًا: قال ابن رجب ﵀ (^٣): (وفي الحديث دليل على صحة القياس وتمثيل الأحكام وتشبيهها).
_________________
(١) أخرجه أبو بكر الخلال في السنة برقم (١٢٥٩)، والآجري في الشريعة برقم (٢٢٩)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة برقم (١٨٧٠)، والبيهقي في شعب الإيمان برقم (٤٩٨٠).
(٢) ذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة بلفظ: (الليل طويل فلا تقصره بمنامك، والنهار نقي فلا تدنسه بآثامك)، وكذا ذكر في مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي (١٥/ ٤٠٥).
(٣) ينظر: فتح الباري لابن رجب (١/ ٢٢٩).
[ ٣٩٥ ]
سادسًا: وفيه دليل على أن المصيب من المجتهدين في مسائل الاشتباه واحد؛ لأنه جعل المشتبهات لا يعلمها كثير من الناس مع كون بعضهم في طلب حكمها مجتهدين، فدل على أن من يعلمها هو المصيب العالم بها دون غيره ممن هي مشتبهة عليه وإن كان قد يجتهد في طلب حكمها ويصير إلى ما أداه إليه اجتهادة وطلبه.
سابعًا: فيه عظم شأن القلب، وأنه على صغر حجمه هو ملك الأعضاء وقائدها، فإذا استقام استقامت، وإذا فسد فسدت.
[ ٣٩٦ ]