عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂، قَالَ: قُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ كَيْفَ كَانَ عَمَلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ هَلْ كَانَ يَخُصُّ شَيْئًا مِنَ الْأَيَّامِ؟ قَالَتْ: «لَا، كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً، وَأَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْتَطِيعُ» (^١).
معاني الكلمات (^٢):
الكلمة … معناها
ديمة … أي: يدوم عليه ولا يقطعه، قال أبو عبيد: (أصل الديمة المطر الدائم مع السكون)، وقال لبيد:
(باتت وأسبل واكفٌ من ديمةٍ … يروي الخمائلَ دائمًا تسجامُها
فشبهت عمله في دوامه مع الاقتصاد بديمة المطر).
التعليق:
قال الحافظ ابن حجر ﵀ (^٣): (قوله: «هل كان يخصُّ من الأيام شيئًا؟ قالت: لا»، قال ابن التين: استدل به بعضهم على كراهة تحرِّي صيام يوم من الأسبوع، وأجاب الزين ابن المنيِّر: بأن السائل في حديث عائشة إنما سأل عن
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٤٦٦)، ومسلم (٧٨٣).
(٢) ينظر: شرح النووي على مسلم (٦/ ٧٢)، كشف المشكل لابن الجوزي (٤/ ٣٥٨).
(٣) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٤/ ٢٣٦).
[ ٤٤٩ ]
تخصيص يوم من الأيام من حيث كونها أيامًا، وأما ما ورد تخصيصه من الأيام بالصيام، فإنما خُصِّص لأمر لا يشاركه فيه بقية الأيام؛ كيوم عرفة، ويوم عاشوراء، وأيام البيض، وجميع ما عُيِّن لمعنًى خاصٍّ، وإنما سأل عن تخصيص يوم لكونه مثلا يوم السبت.
ويشكل على هذا الجواب صوم الاثنين والخميس، فقد وردت فيهما أحاديث، وكأنها لم تصح على شرط البخاري فلهذا أبقى الترجمة على الاستفهام، فإن ثبت فيهما ما يقتضي تخصيصُهما استثني من عموم قول عائشة ﵂ لا.
قلت: ورد في صيام يوم الاثنين والخميس عدة أحاديث صحيحة، منها حديث عائشة أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وصححه ابن حبان من طريق ربيعة الجرشي عنها، ولفظه: «أن النبي ﷺ كان يتحرى صيام الاثنين والخميس» (^١)، وحديث أسامة ﵁: «رأيت رسول الله ﷺ يصوم يوم الاثنين والخميس، فسألته، فقال: «إن الأعمال تعرض يوم الاثنين والخميس، فأحب أن يُرفع عملي وأنا صائم» (^٢)، أخرجه النسائي وأبو داود وصححه ابن خزيمة.
فعلى هذا فالجواب عن الإشكال أن يقال: لعل المراد بالأيام المسئول عنها الأيام الثلاثة من كل شهر، فكأن السائل لما سمع أنه ﷺ كان يصوم
_________________
(١) أخرجه الترمذي برقم (٧٤٥)، والنسائي برقم (٢٣٦٠ - ٢٣٦١ - ٢٣٦٢ - ٢٣٦٣)، وابن ماجه برقم (١٧٣٩)، وأحمد في المسند برقم (٢٤٥٠٩ - ٢٤٧٤٨)، وقال الترمذي: حسن غريب، وصححه الألباني.
(٢) أخرجه الترمذي برقم (٧٤٧)، عن أبي هريرة ﵁، وأحمد في المسند (٢١٧٥٣)، والنسائي برقم (٢٣٥٨)، عن أسامة بن زيد ﵁، وصححه الألباني.
[ ٤٥٠ ]
ثلاثة أيام ورغب في أنها تكون أيام البيض، سأل عائشة هل كان يخصُّها بالبيض، فقالت: «لا، كان عمله ديمة»، تعني: لو جعلها البيض لتعيَّنت وداوم عليها، لأنه كان يحب أن يكون عمله دائمًا، لكن أراد التوسعة بعدم تعينها، فكان لا يبالي من أي الشهر صامها كما تقدمت الإشارة إليه في باب صيام البيض، وأن مسلمًا روى من حديث عائشة ﵂: «أنه ﷺ كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وما يبالي من أي الشهر صام» (^١).
وقد أورد ابن حبان حديث الباب وحديث عائشة ﵂ في صيام الاثنين والخميس وحديثها: «كان يصوم حتى نقول لا يفطر» (^٢)، وأشار إلى أن بينهما تعارضًا، ولم يفصح عن كيفية الجمع بينهما، وقد فتح الله بذلك من فضله).
وقال العيني ﵀ (^٣): (قوله: «هل كان يخصُّ شيئًا من الأيام»، أي: بعبادة مخصوصة لا يفعل مثلها في غيره، فقالت: «لا»، قيل: هو معارض بقولها: «ما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان» (^٤)، وأجيب: بأنه لا تعارض؛ لأنه كان كثير الأسفار فلا يجد سبيلًا إلى صيام الثلاثة الأيام من كل شهر فيجمعها في شعبان، وإنما كان يوقع العبادة على قدر نشاطه وفراغه من جهاده).
وقد كان النبي ﷺ ينهى عن الغلو في العبادة ويحذر من ذلك، كما في حديث عائشة ﵂، أن النبي ﷺ دخل عليها وعندها امرأة، فقال: «من
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (١١٦٠).
(٢) تمام الحديث عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، فما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان»، أخرجه البخاري برقم (١٩٦٩)، ومسلم برقم (١١٥٦).
(٣) ينظر: عمدة القاري للعيني (٢٣/ ٦٥).
(٤) جزء من الحديث السابق، ينظر: تخريجه.
[ ٤٥١ ]
هذه؟»، فقالت: فلانة -تذكر من صلاتها-، فقال: «مه، عليكم بما تطيقون، فوالله لا يملّ الله حتى تملوا» (^١)، وكان أحب الدين إليه: «مادام عليه صاحبه» (^٢).
قال الإمام ابن رجب ﵀ (^٣): (وقول النبي ﷺ «مه»: زجرٌ لعائشة ﵂ عن قولها عن هذه المرأة في كثرة صلاتها، وأنها لا تنام الليل، وأمرٌ لها بالكفِّ عما قالته في حقِّها؛ فيحتمل أن ذلك كراهيةً للمدح في وجهها؛ حيث كانت المرأة حاضرة، ويحتمل -وهو الأظهر وعليه يدلُّ سياق الحديث- أن النهي إنما هو لمدحها بعمل ليس بممدوح في الشرع، وعلى هذا فكثيرًا ما
_________________
(١) سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل نستطيع أن نثبت صفة الملل والهرولة لله تعالى؟ فأجاب: جاء في الحديث عن النبي ﷺ قوله: «فإنَّ الله لا يَمَلُّ حتى تملوا»، فمن العلماء من قال: إنَّ هذا دليل على إثبات الملل لله، لكن ملل الله ليس كملل المخلوق؛ إذ إنَّ ملل المخلوق نقص؛ لأنه يدل على سأمه وضجره من هذا الشيء، أما ملل الله؛ فهو كمال وليس فيه نقص، ويجري هذا كسائر الصفات التي نثبتها لله على وجه الكمال وإن كانت في حق المخلوق ليست كمالًا، ومن العلماء من يقول: إنَّ قوله: «لا يَمَلُّ حتى تملوا»؛ يراد به بيان أنه مهما عملت من عمل؛ فإنَّ الله يجازيك عليه؛ فاعمل ما بدا لك؛ فإنَّ الله لا يمل من ثوابك حتى تمل من العمل، وعلى هذا، فيكون المراد بالملل لازم الملل، ومنهم من قال: إنَّ هذا الحديث لا يدل على صفة الملل لله إطلاقًا؛ لأنَّ قول القائل: لا أقوم حتى تقوم؛ لا يستلزم قيام الثاني، وهذا أيضًا: «لا يمل حتى تملوا»؛ لا يستلزم ثبوت الملل لله ﷿، وعلى كل حال: يجب علينا أن نعتقد أنَّ الله تعالى مُنَزَّه عن كل صفة نقص من الملل وغيره، وإذا ثبت أنَّ هذا الحديث دليل على الملل؛ فالمراد به ملل ليس كملل المخلوق. ينظر: مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (١/ ١٧٤).
(٢) أخرجه البخاري برقم (٤٣)، وأخرجه مسلم برقم (٧٨٢) بسياق آخر عَنْ عَائِشَةَ ﵁، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حَصِيرٌ، وَكَانَ يُحَجِّرُهُ مِنَ اللَّيْلِ فَيُصَلِّي فِيهِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ، وَيَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ، فَثَابُوا ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَلَّ»، وَكَانَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ إِذَا عَمِلُوا عَمَلًا أَثْبَتُوهُ، وهذا عند البخاري أيضًا.
(٣) ينظر: فتح الباري (١/ ١٦٤).
[ ٤٥٢ ]
يذكر في مناقب العباد من الاجتهاد المخالف للشرع ينهى عن ذكره على وجه التمدح به والثناء به على فاعله، وقد سبق شرح هذا المعنى في قوله ﷺ: «الدين يسر» (^١).
فإن المراد بهذا الحديث: الاقتصاد في العمل والأخذ منه بما يتمكن صاحبه من المداومة عليه، وأن أحب العمل إلى الله مادام صاحبه عليه وإن قل، وقد روي ذلك في حديث آخر.
وكذلك كان حال النبي ﷺ؛ كان عمله ديمة، وكان إذا عمل عملًا أثبته. وقد كان ينهى عن قطع العمل وتركه، كما قال لعبد الله بن عمرو ﵄: «لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل» (^٢)، وقوله: «إن الله لا يمل حتى تملوا» (^٣)، وفي رواية: «لا يسأم حتى تسأموا» (^٤)، الملل والسآمة للعمل يوجب قطعه وتركه، فإذا سأم العبد من العمل ومله قطعه وتركه فقطع الله عنه ثواب ذلك العمل؛ فإن العبد إنما يجازى بعمله، فمن ترك عمله انقطع عنه ثوابه وأجره إذا كان قطعه لغير عذر من مرض أو سفر أو هرم).
من فوائد الحديث:
الأول: عدم تحري يوم من الأيام وتخصيصه بصلاة أو صيام، أو عبادة من العبادات، إلا ما صح بذلك عن النبي ﷺ؛ كصيام يوم عرفة ويوم عاشوراء، والإثنين والخميس، وأيام البيض وغيرها مما صح به الخبر.
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٣٩) عن أبي هريرة ﵁.
(٢) أخرجه البخاري برقم (١١٥٢).
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) أخرجه أحمد في المسند برقم (٢٦٠٩٦).
[ ٤٥٣ ]
الثاني: فيه دليل على استحباب المداومة على العمل الصالح وعدم قطعه وتركه.
الثالث: فيه إشارة إلى قوة النبي ﷺ في العبادة وصبره، وأنه ﷺ يطيق من ذلك ما لا نطيق.
[ ٤٥٤ ]