عَنْ سَلْمَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَرُدُّ القَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي العُمْرِ إِلَّا البِرُّ». أخرجه الترمذي (^١).
معاني الكلمات:
الكلمة … معناها
القضاء … الأمر المقدر.
التعليق:
قال الطيبي ﵀ (^٢): (في تأويل الحديث وجهان:
أحدهما: أن يراد بالقضاء؛ ما يخافه العبد من نزول المكروه ويتوقاه، فإذا وُفق للدعاء دفع الله عنه، فتكون تسميتُه بالقضاء على المجاز.
ويزيد توضيحه ما سئل ﷺ: أرأيت رقًى نسترقيها … إلى قوله: قال: «هي من قدر الله» (^٣)؛ فقد أمر الله تعالى بالدعاء والتداوي، مع علم الخلق بأن المقدور كائن؛ لأن حقيقة المقدور وجودًا أو عدمًا مخفيةٌ عنهم.
وثانيهما: أن يراد به الحقيقة، فيكون معنى ردِّ الدعاءِ القضاءَ، تهوينه وتيسير
_________________
(١) ينظر: سنن الترمذي برقم (٢١٤٩).
(٢) ينظر: شرح مشكاة المصابيح للطيبي (٥/ ١٧٠٩).
(٣) أخرجه الترمذي برقم (٢٠٦٥)، وابن ماجه برقم (٣٤٣٧)، عن أبي خزامة ﵁. قال الترمذي: حديث حسن.
[ ٢٠٤ ]
الأمر فيه، حتى يكون القضاء النازل كأنه لم ينزل به، ويؤيده الحديث التالي: «إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل» (^١).
أما نفعه مما نزل عليه، فصبره عليه، وتحمله له، رضاه به، حتى لا يكون في نزوله متمنيًا خلاف ما كان، وأما نفعُه مما لم ينزل، فهو أن يصرفه عنه، أو يمدُّه قبل النزول بتأييدٍ من عنده، حتى تخف معه أعباءُ ذلك إذا نزل به.
قال أبو حامد الغزالي ﵀: (فإن قيل: فما فائدة الدعاء مع أن القضاء لا مردَّ له؟ فاعلم أن من جملة القضاء ردَّ البلاء بالدعاء، فالدعاء سبب لرد البلاء، ووجود الرحمة، كما أن التُّرسَ سبب لدفع السلاح، والماء سبب لخروج النبات من الأرض، فكما أن الترس يدفع السهم فيتدافعان، كذلك الدعاء والبلاء.
وليس من شرط الاعتراف بالقضاء ألَّا يحمل السلاح، وقد قال تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]؛ فقدر الله تعالى الأمر وقدَّر سببه.
وفي الدعاء من الفوائد ما ذكرنا من حضور القلب، والافتقار، وهما نهاية العبادة والمعرفة.
قوله: «ولا يزيد في العمر إلا البر»: قيل: معناه إذا أبرَّ فلا يضيع عمرُه، فكأنه زاد. وقيل: يزاد في العمر حقيقةً، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: ١١]، وقال تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩].
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند برقم (٢٢٠٤٤)، عن معاذ ﵁. وأخرجه الحاكم في المستدرك برقم (١٨١٥)، عن ابن عمر ﵄، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٤٦): رواه أحمد، والطبراني، وشهر بن حوشب لم يسمع من معاذ، ورواية إسماعيل بن عياش عن أهل الحجاز ضعيفة.
[ ٢٠٥ ]
وذكر في الكشاف أنه لا يطول عمر إنسان ولا يقصر إلا في كتاب.
وصورته: أن يكتب في اللوح المحفوظ: إن حج فلان أو غزا فعمره أربعون سنة، وإن حج وغزا فعمره ستون سنة، فإذا جمع بينهما، فبلغ الستين، فقد عُمِّر، وإذا أفرد أحدهما فلم يتجاوز به الأربعين، فقد نُقص من عمره الذي هو الغاية وهو الستون.
وذكر نحوه في معالم التنزيل، ثم قال: فقيل للقائل: إن الله يقول: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]، فقال: هذا إذا حضر الأجل، فأما ما قبل ذلك، فيجوز أن يزاد وينقص، وقرأ: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠].
إذا علم الله تعالى أن زيدًا يموت سنة خمسمائة استحال أن يموت قبلها أو بعدها، فاستحال أن تكون الآجال التي عليها علم الله أن تزيد أو تنقص، فيتعين تأويل الزيادة أنها بالنسبة إلى ملَك الموت أو غيره ممن وكِّل بقبض الأرواح، وأمرَه بالقبض بعد آجالٍ محدودة، فإنه تعالى بعد أن يأمره ذلك أو يثبت في اللوح المحفوظ ينقص منه أو يزيد على ما سبق به علمه في كل شيء، وهو معنى قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩].
وعلى ما ذُكر يحمل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٢]، فالإشارة بالأجل الأول إلى ما في اللوح المحفوظ، وما عند ملك الموت وأعوانه، وبالأجل الثاني إلى قوله: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]).
[ ٢٠٦ ]
والحاصل أن القضاء المعلَّق يتغير، وأما القضاء المُبرَم فلا يبدَّل ولا يغير (^١).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد حفظه الله (^٢): (وأمَّا قوله ﷺ: «لا يَردُّ القضَاءَ إلاَّ الدعاءُ، ولا يزيد في العُمر إلاَّ البرُّ»؛ فلا يدلُّ على تغيير ما في اللَّوح المحفوظ، وإنَّما يدلُّ على أنَّ اللهَ قدَّر السَّلامةَ من الشرور، وقدَّر أسبابًا لتلك السَّلامة، والمعنى أنَّ اللهَ دفع عن العبد شرًّا؛ وذلك مقدَّرٌ بسببٍ يفعله وهو الدّعاء، وهو مقدَّرٌ، وكذلك قدَّر أن يطولَ عُمرُ الإنسان، وقدَّر أن يحصلَ منه سببُ لذلك، وهو البِرُّ وصلة الرَّحم، فالأسبابُ والمسبَّباتُ كلُّها بقضاء الله وقدره.
وكذلك يُقال في قوله ﷺ: «مَنْ سرَّه أن يُبسَط له في رزقه أو يُنسَأ له في أثره فليَصِلْ رَحِمَه» (^٣)، وأجَلُ كلّ إنسان مُقدَّرٌ في اللوح المحفوظ، لا يتقدَّم عنه ولا يتأخَّر، كما قال الله ﷿: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون: ١١]، وقال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤].
وكلُّ مَنْ مات أو قُتل فهو بأجله، ولا يُقال كما قالت المعتزلة: إنَّ المقتولَ قُطع عليه أجلُه، وأنَّه لو لَم يُقتَل لعاش إلى أجل آخر؛ فإنَّ كلَّ إنسان قدَّر الله له أجلًا واحدًا، وقدَّر لهذا الأجل أسبابًا، فهذا يموتُ بالمرض، وهذا يموت بالغرق، وهذا يموتُ بالقتل، وهكذا.
_________________
(١) ينظر: مرقاة المفاتيح للهروي (٤/ ١٥٢٨).
(٢) ينظر: شرح حديث جبريل (ص ٦٤).
(٣) أخرجه البخاري (٢٠٦٧)، ومسلم (٢٥٥٧) عن أنس بن مالك ﵄.
[ ٢٠٧ ]
ولا يجوز الاحتجاجُ بالقدر على ترك مأمور ولا على فعل محظور، فمَن فعل معصيةً لها عقوبة محدَّدة شرعًا، واعتذر عن فعله بأنَّ ذلك قدَرٌ، فإنَّه يُعاقَبُ بالعقوبة الشرعية، ويُقال له: إنَّ معاقبتَك بهذه العقوبة قدَرٌ أيضًا).
وقد ذكر العلماء التوفيق بين قوله ﷺ: «لا يردُّ القضاءَ إلا الدعاء»، وقوله ﷺ: «وَإِنَّ رَبِّي قَال: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي إِذَا قَضَيتُ قَضَاء فَإنَّهُ لَا يُرَدُّ» (^١)، قالوا: (ويرتفع الإشكال بأن يقال إن القضاء الذي لا يرده دعاء ولا غيره هو الذي سبق علم الله تعالى بأنه لا بد من وقوعه والقضاء الذي يردُّه الدعاء أو صلة الرحم؛ هو الذي أظهره الله بالكتابة في اللوح المحفوظ الذي قال الله تعالى فيه: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، والله أعلم) (^٢).
ولذلك فقولهم: (اللهم إني لا أسألك ردَّ القضاء؛ بل أسألك اللطف فيه)، خطأ.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ (^٣): (من العبارات المشهورة بين العامة مع أنها تخالف العقيدة الصحيحة قولهم: (اللهم إني لا أسألك رد القضاء، ولكن أسألك اللطف فيه)، وهذا غلط مخالف للحديث، وهو قوله ﷺ: «لا يرد القضاء إلا الدعاء»، وكم من شيء أراده الله ﷿ فرفعه بالدعاء، ألم تعلموا أن النبي ﷺ قال في صلاة الكسوف: «إن الله يخوف عباده بذلك، فإذا
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (٢٨٨٩) عن ثوبان ﵁.
(٢) ينظر: الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم للهرري (٢٦/ ٩٦).
(٣) ينظر: شرح رياض الصالحين لابن عثيمين (٥/ ٣٤٦)، وفتح ذي الجلال والإكرام له أيضًا (٥/ ٤٩٧).
[ ٢٠٨ ]
رأيتموهما فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه والصلاة»، وذلك حتى نردَّ الشر الذي انعقد سببه، والذي أنذرنا به بهذا الكسوف.
فإذا دعوت الله تعالى بكشف ضر فهذا قد كتب في الأزل في اللوح المحفوظ أن الله تعالى يرفع هذا الضر عنك بدعائك، فكله مكتوب. وأنت إذا قلت: لا أسألك ردَّ القضاء ولكن أسألك اللطف فيه، كأنك تقول: ما يهمني ترفع البلاء أو لا ترفع، لكن الإنسان يطلب رفع كل ما نزل به، فلا تقل: اللهم إني لا أسألك رد القضاء، ولكن أسألك اللطف فيه، بل قل: اللهم إني أسألك العفو والعافية، اللهم اشفني من مرضي، اللهم أغنني من فقري، اللهم اقض عني الدين، اللهم علمني ما جهلت، وما أشبه ذلك.
أما لا أسألك رد القضاء، فالله تعالى يفعل ما يشاء، ولا أحد يرده، لكن أنت مفتقر إلى الله، أما هذا الكلام فلا أصل له ولا يجوز، بل قد قال النبي ﷺ: «لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت»، وهي أهون من: (اللهم لا أسألك رد القضاء)؛ «لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، وليعزم المسألة، فإن الله تعالى لا مكره له» (^١)، وفي لفظ: «فإن الله لا يتعاظمه شيء» (^٢).
وسئل الشيخ عبد الله البسام ﵀: هل الدعاء يردُّ القدر؟ (^٣).
قال: إن الدعاء من القدر؛ لأنه قد كان من قِبَلِ الله -جل وعلا-، وربما قَدَرٌ رُتِّبِ رفعه على الدعاء، وفي الحديث: «لا يُردُّ القضاءُ إلا الدعاء».
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٦٣٣٩)، ومسلم برقم (٢٦٧٩) عن أبي هريرة ﵁.
(٢) أخرجه مسلم برقم (٢٦٧٩).
(٣) سمعته من الشيخ عبد الله البسام ﵀ في درسه في الحرم المكي.
[ ٢٠٩ ]
من فوائد الحديث:
الأول: فيه فضل الدعاء، وأنه سبب في دفع الشرور والبلاء عن العبد.
الثاني: أن البر سبب في بركة العمر وزيادته، لأن البر يطيب عيشه فكأنما زيد في عمره، وقيل يزيده حقيقة.
[ ٢١٠ ]