عن عبد الله بن مسعود ﵄، قال: حدَّثنا رسول اللَّه ﷺ وهو الصَّادق المصدوق: «إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِ الْمَلَكَ، أَوْ قَالَ: يُبْعَثُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، فَيَكْتُبُ رِزْقَهُ، وَعَمَلَهُ، وَأَجَلَهُ، وَشَقِيٌّ، أَوْ سَعِيدٌ. قال: وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا غَيْرُ ذِرَاعٍ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ يَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلٍ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا غَيْرُ ذِرَاعٍ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَدْخُلُهَا» (^١).
معاني الكلمات (^٢):
الكلمة … معناها
الصادق المصدوق … الصادق في قوله، المصدوق فيما يأتي من الوحي الكريم.
يُجْمَعُ … يُضَمّ وتُحْفَظُ مَادةُ خَلْقه، وهو الماء الذي علق منه.
النطفة … الماء القليل، ومنه النطفة للمني لقلته، وهي قطرة المني.
العلقة … هي قطعة الدم الغليظ.
المضغة … هي قطعة لحم بقدر ما يمضغه الإنسان.
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٣٣٣٢)، ومسلم برقم (٢٦٤٣).
(٢) ينظر: شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٩٠)، والكوثر الجاري للكوراني (١/ ٤٧٢)، وشرح الأربعين النووية لابن عثيمين (ص ٨٤).
[ ٢١ ]
التعليق:
هذا حديث عظيم، يتعلق بمبتدأ الخلق ونهايته، وأحكام القدر في المبدأ والمعاد، جليلٌ حفيل (^١).
والمراد: أن المني يقع في الرحم حين انزعاجه بالقوة الشهوانية الدافعة مبثوثًا متفرقًا، فيجمعه الله في محل الولادة من الرحم (^٢).
قال ابن رجب ﵀ (^٣): (فهذا الحديث يدل على أنه يتقلب في مائة وعشرين يومًا، في ثلاثة أطوار، في كل أربعين يومًا منها يكون في طور، فيكون في الأربعين الأولى نطفة، ثم في الأربعين الثانية علقة، ثم في الأربعين الثالثة مضغة، ثم بعد المائة وعشرين يومًا ينفخ الملك فيه الروح، ويكتب له هذه الأربع الكلمات.
وقد ذكر الله تعالى في القرآن في مواضع كثيرة تقلب الجنين في هذه الأطوار، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الحج: ٥].
وذكر هذه الأطوار الثلاثة: النطفة والعلقة والمضغة في مواضع متعددة من القرآن، وفي مواضع أخر ذكر زيادة عليها، فقال في سورة المؤمنون: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤].
_________________
(١) ينظر: المعين على تفهم الأربعين لابن الملقن (ص ٤١).
(٢) ذكره ابن حجر في الفتح (١١/ ٤٧٩)، ونسبه للقرطبي في المفهم.
(٣) ينظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب (١/ ١٥٥).
[ ٢٢ ]
فهذه سبع تارات ذكرها الله في هذه الآية لخلق ابن آدم قبل نفخ الروح فيه، وكان ابن عباس ﵄ يقول: خلق ابن آدم من سبع، ثم يتلو هذه الآية).
قال ابن عثيمين ﵀ (^١): («ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ المَلَكُ»: والمرسِل هو الله رب العالمين ﷿، فيرسل المَلك إلى هذا الجنين، وهو واحد الملائكة، والمراد به الجنس لا ملك معين.
«فَيَنْفُخُ فِيْهِ الرُّوْحَ»: الروح ما به يحيا الجسم، وكيفية النفخ الله أعلم بها، ولكنه ينفخ في هذا الجنين الروح ويتقبلها الجسم.
والروح سئل النبي ﷺ عنها فأمره الله أن يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الاسراء: ٨٥]؛ فالروح من أمر الله، أي: من شأنه، فهو الذي يخلقها ﷿.
«وَيُؤْمَرُ»: أي: الملك، «بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ»: والآمر هو الله ﷿، «بِكْتبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيْدٌ».
«رِزْقه»: الرزق هنا: ما ينتفع به الإنسان وهو نوعان: رزق يقوم به البدن، ورزق يقوم به الدين.
فالرزق الذي يقوم به البدن: هو الأكل والشرب واللباس والمسكن والمركوب وما أشبه ذلك.
والرزق الذي يقوم به الدين: هو العلم والإيمان، وكلاهما مراد بهذا الحديث.
«وَأَجَله»: أي: مدة بقائه في هذه الدنيا، واختيار طول الأجل أو قصر الأجل
_________________
(١) ينظر: شرح الأربعين النووية لابن عثيمين (ص ٨٥).
[ ٢٣ ]
ليس إلى البشر، وليس لصحة البدن وقوام البدن، إذ قد يحصل الموت بحادث والإنسان أقوى ما يكون وأعز ما يكون، لكن الآجال تقديرها إلى الله ﷿.
«وَعَمَله»: أي: ما يكتسبه من الأعمال القولية والفعلية والقلبية، فمكتوب على الإنسان العمل.
«وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيْدٌ»: هذه النهاية، والسعيد: هو الذي تم له الفرح والسرور، والشقي: بالعكس، فالنهاية إما شقاء وإما سعادة).
قال الداعية العالم محمد سعيد الحلبي: (قوله ﷺ: «وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا غَيْرُ ذِرَاعٍ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُهَا»، يوضحه ما رواه البخاري ومسلم عن سهل بن سعد الساعدي ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ، فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» (^١).
فقوله: «فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ»، تدل على أنه يعمل الخير وهو في شك، وإنما كان عمله مجاراة للناس حسب العادة التي يعملها الجماهير المسلمة.
ثم قال: إن الله -جل وعلا- أعظم وأكرم وأحكم من أن يخذل المخلص المسلم في آخر حياته فيجعله يعمل بعمل أهل النار).
وقد أعجبني تحليله، فجزاه الله أحسن الجزاء.
وقال ابن رجب ﵀ (^٢): (وقوله: «فيما يبدو للناس»؛ إشارة إلى أن باطن
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٢٨٩٨)، ومسلم برقم (١١٢).
(٢) ينظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب (١/ ٥٧).
[ ٢٤ ]
الأمر يكون بخلاف ذلك، وأن خاتمة السوء تكون بسبب دسيسةٍ باطنة للعبد لا يطلع عليها الناس؛ إما من جهة عمل سيئ ونحو ذلك؛ فتلك الخصلة الخفية توجب سوء الخاتمة عند الموت.
وكذلك قد يعمل الرجل عمل أهل النار وفي باطنه خصلةٌ خفيةٌ من خصال الخير، فتغلب عليه تلك الخصلة في آخر عمره؛ فتوجب له حسن الخاتمة).
وذكر مثل ذلك الشيخ ابن عثيمين ﵀ في شرح الأربعين (^١)، ثم قال: (أقول هذا لئلاّ يُظنٌّ بالله ظنَّ السوء: فوالله ما من أحد يقبل على الله بصدقٍ وإخلاص، ويعمل بعمل أهل الجنة إلا لم يخذله الله أبدًا، فالله ﷿ أكرم من عبدِه، لكن لا بد من بلاءٍ في القلب (^٢).
واذكروا قصة الرجل الذي كان مع النبي ﷺ في غزوة من غزواته ﵊، وكان هذا الرجل لا يدع شاذَّة ولا فاذَّةً للعدو إلا قضى عليها، فتعجب الناس منه وقالوا: هذا البطل الذي كسب المعركة، فقال النبي ﷺ: «هُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ».
فعظم ذلك على الصحابة ﵃ كيف يكون هذا الرجل من أهل النار؟
فقال رجل: لألزمنَّه، أي: أتابعه، فتابعه، فأصيب هذا الرجل الشجاع المقدام بسهم من العدو فجزع، فلما جزع سلَّ سيفه والعياذ بالله ثم وضع ذبابة سيفه على صدره ومقبضه على الأرض، ثم اتّكأ عليه حتى خرج من ظهره، فقتل نفسه، فجاء الرجل إلى النبي ﷺ وأخبره، وقال: أشهد أنك رسولُ الله،
_________________
(١) ينظر: شرح الأربعين النووية لابن عثيمين (ص ٨٨).
(٢) أي: أن سبب انتكاس هذا العبد: هو وجود مرض، ودسيسة شر، وشبهة نفاق في قلبه، والعياذ بالله.
[ ٢٥ ]
قال: بِمَ، قال: إن الرجل الذي قلت فيه: إنه من أهل النار، حصل منه كذا وكذا، فقال النبي ﷺ بعد ذلك: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فِيْمَا يَبْدُو للِنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ» (^١).
واذكروا قصة الأصيرم ﵁ من بني عبد الأشهل من الأنصار، كان منابذًا للدعوة الإسلامية عدوًّا لها، ولما خرج الناس إلى غزوة أحد ألقى الله تعالى في قلبه الإيمان، فآمن وخرج في الجهاد وقتل شهيدًا، فجاء الناس بعد المعركة يتفقدون قتلاهم وإذا الرجل، فقالوا: ما الذي جاء بك يا فلان، أجئتَ حدَبًا على قومك، أم رغبةً في الإسلام، قال: بل رغبة في الإسلام، ثم طلب منهم أن يقرؤوا على النبي ﷺ السلام، فصار هذا ختامُه أن قتل شهيدًا مع أنه كان منابذًا للدعوة).
من فوائد الحديث:
أولًا: في هذا الحديث: إثبات القدر، وأن جميع ما في الكون من نفع أو ضر بقضاء وقدر (^٢).
قال ابن الجوزي ﵀ (^٣): (والحديث يدل على أن الأمور مقدرة، وقوله: «فيسبق عليه الكتاب»: يعني: ما قضي له).
وقال ابن دقيق العيد ﵀ (^٤): (وفي هذا الحديث إثبات القدر كما هو مذهب أهل السنة، وأن جميع الواقعات بقضاء الله تعالى وقدره خيرها وشرها
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٢٨٩٨)، ومسلم برقم (١١٢)، عن سهل بن سعد الساعدي ﵁.
(٢) ينظر: تطريز رياض الصالحين لفيصل المبارك (١/ ٢٧٠).
(٣) ينظر: كشف المشكل لابن الجوزي (١/ ٢٩١).
(٤) ينظر: شرح الأربعين (ص ٣٩).
[ ٢٦ ]
نفعها وضرها، قال الله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، ولا اعتراض عليه في ملكه يفعل في ملكه ما يشاء. قال الإمام السمعاني: سبيل معرفة هذا الباب: التوفيق من الكتاب والسنة دون محض القياس ومجرد العقول، فمن عدل عن التوفيق منه ضلَّ وتاه في مجال الحيرة، ولم يبلغ شفاء النفس، ولا يصل إلى ما يطمئن به القلب، لأن القدر سرٌّ من أسرار الله تعالى، ضُربت دونه الأستار، واختصَّ سبحانه به، وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم، وقد حجب الله تعالى علم القدر عن العالم، فلا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وقيل: إن سرَّ القدر ينكشف لهم إذا دخلوا الجنة، ولا ينكشف قبل ذلك.
وقد ثبتت الأحاديثُ بالنهي عن ترك العمل اتكالًا على ما سبق من القدر؛ بل تجب الأعمال والتكاليف التي ورد بها الشرع، وكل ميسر لما خلق له، لا يقدر على غيره، فمن كان من أهل السعادة يسَّره الله لعمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة يسَّره الله لعمل أهل الشقاوة كما في الحديث، وقال الله تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ .. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠].
قال العلماء: وكتاب الله تعالى ولوحُه وقلمُه كل ذلك مما يجب الإيمان به، وأما كيفية ذلك وصفته فعلمُه إلى الله تعالى، لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء. والله أعلم).
ثانيًا: مما اتفق عليه العلماء أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر (^١).
قال القاضي عياض ﵀ (^٢): (اختلفت ألفاظ هذا الحديث في مواضع، ولم يختلف أن نفخ الروح فيه بعد مائة وعشرين يومًا، وذلك تمام أربعة أشهر
_________________
(١) ينظر: فتح الباري لابن حجر (١١/ ٤٨٤).
(٢) ينظر: إكمال المعلم للقاضي عياض (٨/ ١٢٣).
[ ٢٧ ]
ودخوله في الخامس، وهذا قد جُرب بالمشاهدة، وعليه يعوَّل فيما يحتاج إليه من الأحكام في الاستلحاق عند التنازع، وفي وجوب النفقات على حمل المطلقات، وذلك لتيقنه بحركة الجنين في الجوف).
حكم الإجهاض:
ومن هذه الجملة في هذا الحديث تكلم العلماء على حكم الإجهاض أو التخلص من النطفة أو العلقة أو المضغة.
فالجنين بعد نفخ الروح فيه لا يجوز إجهاضه بلا خلاف، أما قبل ذلك ففيه خلاف، فجمهور أهل العلم على تحريمه، ومنهم من قال بالكراهة، ومنهم من قال بالجواز لعذر، ومنهم من قال بالجواز مطلقًا، ولعل القول بالجواز في الأربعين الأولى إذا كان هناك عذر ومصلحة هو الراجح.
ومن قرارات هيئة كبار العلماء في هذا الشأن (^١):
١ - لا يجوز إسقاط الحمل في مختلف مراحله إلا لمبرر شرعي وفي حدود ضيقةٍ جدًّا.
٢ - إذا كان الحمل في الطور الأول، وهي مدة الأربعين يومًا، وكان في إسقاطه مصلحة شرعية، أو دفع ضرر جاز إسقاطه، أما إسقاطه في هذه المدة خشية المشقّة في تربية الأولاد، أو خوفًا من العجز عن تكاليف معيشتهم وتعليمهم، أو من أجل مستقبلهم، أو اكتفاء بما لدى الزوجين من الأولاد فغير جائز.
٣ - لا يجوز إسقاط الحمل إذا كان علقة أو مضغة (وهي الأربعون يومًا الثانية والثالثة) حتى تُقرِّر لجنة طبية موثوقة أن استمراره خطر على سلامة أمِّه،
_________________
(١) ينظر: فتاوى اللجنة الدائمة، هيئة كبار العلماء (٣/ ١٠٥٥)، (٢١/ ٤٥٠).
[ ٢٨ ]
بأن يُخشى عليها الهلاك من استمراره، جاز إسقاطُه بعد استنفاذ كافة الوسائل لتلافي تلك الأخطار.
٤ - بعد الطور الثالث، وبعد إكمال أربعة أشهر لا يحل إسقاطه حتى يقرر جمع من الأطباء المتخصصين الموثوقين من أن بقاء الجنين في بطن أمه يسبب موتها، وذلك بعد استنفاذ كافة الوسائل لإبقاء حياته، وإنما رخص في الإقدام على إسقاطه بهذه الشروط دفعًا لأعظم الضَّررينِ وجلبًا لعظمى المصلحتين).
ويرى الشيخ ابن عثيمين ﵀: أنَّه إذا نُفخت فيه الروح، فإنه لا يجوز إسقاطه بأي حالٍ من الأحوال، وإن كان في بقائه هلاك للأم، لأن قتل نفس لإحياء نفس أخرى لا يجوز (^١).
ثالثًا: في الحديث ذكر المَلَك الذي يبعثه الله إليه بأربع كلمات، والملائكة ﵈ أنواع، لا يحصي عددهم إلا الله تعالى، وساداتهم الأكابر أربعة: جبريل ﵇ وميكائيل ﵇ وعزرائيل ﵇ وإسرافيل ﵇، ومنهم: الروح ﵇، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ [النبأ: ٨٣]، ومنهم: الحفظة ﵈، ومنهم: الملائكة الموكلون بالقطر والنبات والرياح والسحاب، ومنهم: ملائكة القبور، ومنهم: سيَّاحون في الأرض يبتغون مجالس الذكر، ومنهم: كروبيون وروحانيون ومقرَّبون، ومنهم: ملائكة تقذف الشياطين بالشهب، ومنهم: حملةُ العرش، ومنهم: موكَّلون بصخرة بيت المقدس، ومنهم: موكَّلون بالمدينة، ومنهم: موكَّلون بتصوير النطف، ومنهم: ملائكة يبلِّغون السلام إلى النبي ﷺ من أمته، ومنهم: من يشهد الحروب مع
_________________
(١) ينظر: شرح الأربعين النووية لابن عثيمين (ص ٩١).
[ ٢٩ ]
المجاهدين، ومنهم: خُزان أبواب السماء، ومنهم: الموكَّلون بالنار، ومنهم: ملائكة يسمَّوْن الزبانية، ومنهم: من يغرسون أشجار الجنة، ومنهم: من يصوغون حُلِيِّ أهل الجنة، ومنهم: خدمُ أهل الجنة (^١).
رابعًا: يستفاد من ذلك الحديث ترك الالتفات إلى الأعمال والركون إليها والتعويل على كرم الله تعالى ورحمته (^٢).
فقلوب الخلق يصرِّفها كيف يشاء، فالموفق من بدأ عمله بالسعادة وختم بها، والمخذول عكسه، وكذا من بدأ بالخير وختم بالشر لا عكسه.
وأهل الطريق في كل حالهم يخافون سوء الخاتمة -نجانا الله منها-.
وفي الحديث إشارة إلى تعاطي الأسباب للسعادة والشقاوة، وبها يظهر ما جبل عليه من الخير والشر: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، ثم لا ينبغي له مع ذلك أن يعجب بها خوف احتباطِها، ومن لطف الله تعالى أن انقلاب الناس من الخير إلى الشر نادرٌ، والكثير عكسه (^٣): «إن رحمتي سبقت غضبي» (^٤).
_________________
(١) ينظر: عمدة القاري للعيني (١٥/ ١٣٠).
(٢) ينظر: شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد (ص ٣٨).
(٣) ينظر: المعين على تفهم الأربعين لابن الملقن (ص ١٤٩).
(٤) أخرجه البخاري برقم (٧٤٢٢).
[ ٣٠ ]