عن ابن مسعود ﵄، عن النبي ﷺ قال: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إِذا لم تَسْتَح فَاصْنَعْ مَا شِئْت» (^١).
معاني الكلمات (^٢):
الكلمة … معناها
الحياء … خُلُقٌ يبعث على ترك القبائح، ويمنع من التفريط في حقِّ صاحب الحق.
من كلام النبوة الأولى … أَنْ الْحيَاء لم يزل ممدوحًا على ألسن الْأَنْبِيَاء الْأَوَّلين، منذ آدم فما بعده، وهو مأمورٌ بِهِ لم يُنْسَخ فِي شرع، أي: تتواصي به الأمم، وينقله الأبناء عن الآباء لعظم مقدار صفة الحياء عند العقلاء.
التعليق:
لا شك أن الحياء كلَّه خير، وقد جاء في الحديث عن عمران بن حصين ﵁، قال ﷺ: «الحياء كله خير» (^٣).
وعن ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ سمع رجلًا يعظُ أخاه في الحياء (^٤)، فقال: «الحياءُ من الإيمان» (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٦١٢٠).
(٢) ينظر: معالم السنن للخطابي (٤/ ١٠٩)، وكشف المشكل لابن الجوزي (٢/ ٢٠٣)، والتنوير شرح الجامع الصغير للصنعاني (١/ ١٩٢)، ومدارج السالكين لابن القيم (٢/ ٢٤٩).
(٣) أخرجه مسلم برقم (٣٧).
(٤) يعظ أخاه في الحياء: يعاتبه على كثرة حيائه.
(٥) أخرجه البخاري برقم (٢٤)، ومسلم برقم (٣٦) واللفظ له، ولفظ البخاري: «دعه، فإن الحياء من الإيمان».
[ ٨١ ]
قال ابن القيم ﵀ (^١): (والحياء من الحياة، ومنه الحيا للمطر، لكنه مقصور، وعلى حسب حياة القلب يكون فيه قوة خلق الحياء، وقلة الحياء من موت القلب والروح، فكلما كان القلب أحيى كان الحياء أتمّ، قال الجنيد: الحياء رؤية الآلاء، ورؤية التقصير، فيتولد بينهما حالة تسمى الحياء).
وقال الصنعاني ﵀ (^٢): (قوله: «فاصنع ما شئت»: فيه معنيان مشهوران:
الأول: أي: إذا لم تستح من العيب ولم تخش العار مما تفعله، فافعل ما تحدثك به نفسك من إعراضها حسنًا كان أو قبيحًا، فلفظه: أمر، ومعناه تهديد وتوبيخ.
وفي معناه قيل:
إذا لم تصُن عِرْضًا ولم تَخْشَ خالقًا … وتستحْيِ مخْلوقًا فما شئتَ فاصنعِ
والثاني: أن معناه: إذا لم يكن فيما تأتيه عيب ولا نكارة تستحي من إتيانه فاصنعه، فجعل الحياء معيارًا وميزانًا لما يباح للإنسان فعله، وقيل: معناه الإخبار أن من لم يستح فهو يصنع ما يشاء).
ومثَّل ابن الجوزي ﵀ لكل وجهٍ بمثال فقال (^٣): (وَفِي قَوْله: «إِذا لم تَسْتَح فَاصْنَعْ مَا شِئْت» ثَلَاثَة أوجه:
أَحدهَا: أَنه بِمَعْنى الْخَبَر، وَإِنْ كَانَ لَفظه لفظ الْأَمر، كَقَوْلِه: «فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار» (^٤)، فَيكون المَعْنى: إِذا لم يمنعك الحيَاء صنعت مَا شِئْت، وَهَذَا على جِهَة الذَّم لترك الحيَاء، وَهَذَا قَول أبي عبيد.
_________________
(١) ينظر: مدارج السالكين لابن القيم (٢/ ٢٤٩).
(٢) ينظر: التنوير شرح الجامع الصغير للصنعاني (١/ ١٩٢).
(٣) ينظر: كشف المشكل لابن الجوزي (٢/ ٢٠٣)، ومعالم السنن للخطابي (٤/ ١١٠).
(٤) أخرجه البخاري برقم (١٢٩١)، ومسلم برقم (٤)، عن المغيرة ﵁، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إن كذبَّا علي ليس ككذب على أحد، من كذب علي متعمدًا، فليتبوأ مقعده من النار».
[ ٨٢ ]
وَالثَّانِي: أَنه وَعِيد على ترك الحيَاء، وَالمعْنَى: إِذا لم تَسْتَحِ فافعل مَا تُرِيدُ فستجازى، كَقَوْلِه: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، قَالَه ثَعْلَب.
وَالثَّالِث: أَنْ الْمَعْنى: مَا لم تَسْتَح مِنْهُ إِذا ظهر فافعله، فَهُوَ فِي معنى قَوْله: «الْإِثْم حوًّاز الْقُلُوب» (^١)، قَالَه أَبُو مُوسَى المروزِي الشَّافِعِي).
والحياء لا ينبغي أن يمنع صاحبه من الفضائل، وإلا لم يكن حياء ممدوحًا، كالذي يمنعه الحياء من طلب العلم أو طلب الرزق، أو طلب الحق الذي له عند غيره، أو القيام بالنصيحة عند وجود موجبها، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغيره.
وَمن كَلَام بعض العلمَاء: (لا ينال العلم مستحي وَلَا متكبر، هَذَا يمنعهُ حياؤه من التَّعَلُّم، وَهَذَا يمنعهُ كبره).
وَمن كَلَام الْحسن ﵁: «من استتر عَنْ طلب العلم بِالحَيَاءِ لبس للجَهْل سرباله؛ فَقَطِّعُوا سرابيل الحَيَاءِ فانه من رقَّ وَجهُه رقَّ علمُه» (^٢).
ومما نقل عن بعض السلف في الحياء غير الممدوح قول أمير المؤمنين الإمام علي ابن أبي طالب ﵁: «قُرنت الهيبة بالخيبة، والحياء بالحرمان» (^٣).
وقال معاوية بن أبي سفيان ﵁: «الحياء يمنع الرزق».
_________________
(١) من كلام ابن مسعود ﵁، أخرجه الطبراني في الكبير برقم (٨٧٤٨)، وأبو داود في الزهد برقم (١٢٥)، والبغوي في شرح السنة (١٣/ ٧٧)، وقال: يعني: (ما حز في صدرك وحاك، ولم يطمئن عليه القلب، فاجتنبه، فإنه الإثم). وقال ابن عمر ﵁: (لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك في الصدر).
(٢) ينظر: مفتاح دار السعادة لابن القيم (١/ ٤٨٠).
(٣) ينظر: عيون الأخبار لابن قتيبة (٢/ ١٢٣)، والعقد الفريد لابن عبد ربه (٢/ ٢٥٤)، وتاريخ دمشق لابن عساكر (٥١/ ٢٦٤)، ومفتاح دار السعادة لابن القيم (١/ ٤٨٠).
[ ٨٣ ]
وقال الشاعر (^١):
ارفع حياءَكَ فيما جئتَ طالبَه … إنَّ الحياءَ مع الحرمانِ مَقرونُ
يعني: إن حاجات النفس المشروعة من: علم، أو تعلم، أو طلب حق، أو أداء واجب، ونصح من يستحق، فينبغي ألَّا يمنعه من ذلك الحياء، فالحياء نعمة وجمال وخير، لكن لا حياء في أداء الواجب، أو طلب العلم، ونصح المسلمين ونحو ذلك.
وعلى هذا: فالحياء ذو حدين، إذا أعددنا غير المشروع نوعًا من الحياء، وكلّه خير إذا حجب عن المحرمات والوقاحة، كما قيل (^٢):
وَرُبَّ قَبِيحَةٍ مَا حَالَ بَيْنِي … وبينَ ركوِبها إِلا الحَياءُ
فكان هو الدواءُ لها ولكن … إذا ذهب الحياءُ فلا دواء
أنواع الحياء:
قال الماوردي ﵀ (^٣): (واعلم أن الحياء في الإنسان قد يكون من ثلاثة أوجه:
أحدها: حياؤه من الله تعالى.
والثاني: حياؤه من الناس.
والثالث: حياؤه من نفسه.
- فأما حياؤه من الله تعالى فيكون بامتثال أوامره والكف عن زواجره.
_________________
(١) ينظر: العقد الفريد لابن عبد ربه (٢/ ٢٥٤).
(٢) ينظر: روضة العقلاء للدارمي (ص ٥٨)، وأدب الدنيا والدين للماوردي (ص ٢٢٠).
(٣) ينظر: أدب الدنيا والدين للماوردي (ص ٢٤٨).
[ ٨٤ ]
- وأما حياؤه من الناس فيكون بكفِّ الأذى وترك المجاهرة بالقبيح.
وروي أن حذيفة بن اليمان ﵁ أتى الجمعة، فوجد الناس قد انصرفوا فتنكب الطريق عن الناس، وقال: «لا خير فيمن لا يستحي من الناس، وهذا النوع من الحياء قد يكون من كمال المروءة وحب الثناء».
- وأما حياؤه من نفسه فيكون بالعفة وصيانة الخلوات.
وقال بعض الحكماء: ليكن استحياؤك من نفسك أكثر من استحيائك من غيرك. وقال بعض الأدباء: من عمل في السر عملًا يستحي منه في العلانية فليس لنفسه عنده قدر.
ودعا قوم رجلًا كان يألف عشرتهم، فلم يجبهم، وقال: إني دخلت البارحة في الأربعين وأنا أستحي من سني.
وقال بعض الشعراء:
فسري كإعلاني وتلك خليقتي … وظلمة ليلي مثل ضوء نهاري
وهذا النوع من الحياء قد يكون من فضيلة النفس وحسن السريرة، فمتى كمل حياء الإنسان من وجوهه الثلاثة، فقد كملت فيه أسباب الخير، وانتفت عنه أسباب الشر، وصار بالفضل مشهورًا، وبالجميل مذكورًا.
وقال بعض الشعراء:
وإني ليثنيني عن الجهل والخنى … وعن شتم ذي القربى خلائق أربع
حياء وإسلام وتقوى وطاعة … لربي ومثلي من يضر وينفع
وإن أخلَّ بأحد وجوه الحياء لحقه من النقص بإخلاله بقدر ما كان يلحقه من الفضل بكماله).
[ ٨٥ ]
رؤيا عجيبة:
قال الماوردي ﵀ (^١): (رأيت رسول الله ﷺ في المنام ذات ليلة فقلت: يا رسول الله أوصني: فقال: «استح من الله ﷿ حق الحياء»، ثم قال: تغير الناس، قلت: وكيف ذلك يا رسول الله؟، قال: «كنت أنظر إلى الصبي فأرى من وجهه البشر والحياء، وأنا أنظر إليه اليوم فلا أرى ذلك في وجهه» (^٢).
ثم تكلم بعد ذلك بوصايا وعظات تصورتها، وأذهلني السرور عن حفظها ووددت أني لو حفظتها.
فلم يبدأ ﷺ بشيء قبل الوصية بالحياء من الله ﷿، وجعل ما سلبه الصبيُّ من البِشر والحياءِ سببًا لتغير الناس، وخصَّ الصبي؛ لأن ما يأتيه بالطبع من غير تكلف.
فصلى الله وسلم على من هدى أمته، وتابع إنذارها، وقطع أعذارها، وأوصل تأديبها، وحفظ تهذيبها، وجعل لكل عصر حظًّا من زواجره، ونصيبًا من أوامره. أعاننا الله على قبولها بالعمل، وعلى استدامتها بالتوفيق).
من فوائد الحديث:
الأول: فيه: تعظيم لقدر صفة الحياء، وأنه الخلق الذي يردع من ارتكاب القبيح، وذلك معلوم عند العقلاء، ولذلك قيل (^٣):
إذا لم تخشَ عاقبةَ الليالي … ولم تستحْ فاصنع ما تشاءُ
فلا والله ما في العيشِ خيرٌ … ولا الدنيا إذا ذهب الحياءُ
يعيش المرء ما استحيا بخير … ويبقى العودُ ما بقي اللِّحاء
_________________
(١) ينظر: أدب الدنيا والدين للماوردي (ص ٢٤٩).
(٢) إذا كان هذا في عصر الماوردي المتوفي سنة ٤٥٠ هجرية فكيف بعصرنا هذا؟! نسأل الله السلامة والعافية.
(٣) ينظر: التنوير شرح الجامع الصغير للصنعاني (١/ ١٩٢)، وأدب الدنيا والدين للماوردي (ص ٢٤٨).
[ ٨٦ ]
الثاني: فيه: أن الحياء خلق قديم نادى به الأنبياء جميعًا، وأنه لم ينسخ فيما نسخ من شرائعهم، ولم يبدل فيما بدل منها، وذلك أنه أمر قد علم صوابه، وبان فضله، واتفقت العقول على حسنه، وما كان هذا صفته لم يجز عليه النسخ والتبديل (^١).
_________________
(١) ينظر: معالم السنن للخطابي (٤/ ١٠٩).
[ ٨٧ ]