عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «تَعِسَ عبد الدِّينَارِ، وَعبد الدِّرْهَمِ، وَعبد الخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ، طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَشْعَثَ رَأْسُهُ، مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ، كَانَ فِي الحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ، إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ». رواه البخاري (^١).
معاني الكلمات (^٢):
الكلمة … معناها
تعِس … ضد سعِد، تقول: تعس فلان، أي: شقي، وقيل: عَثُر فسقط لوجهه، وقيل: تعس: أخطأ حجتَه وبغيته.
وانتكس … أي: عاوده المرض، وقيل: إذا سقط اشتغل بسقطته، حتى يسقط أخرى.
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٢٨٨٧).
(٢) ينظر: كشف المشكل لابن الجوزي (٣/ ٥٣٨)، وفتح الباري لابن حجر (٦/ ٨٢)، ومصابيح الجامع للدماميني (٦/ ٢٧٤)، وشرح مشكاة المصابيح للطيبي (١٠/ ٣٢٧٤).
[ ٣٠١ ]
القطيفة … نوع من الأكسية.
الخميصة … وهي ثوب خز أو صوف معلم، وخُصَّت بالذكر لأن الغالب في لبسها الخيلاء والرعونة والرياء والسمعة، ومن كمال ميل النفس إليها وعدم الطاقة على مفارقتها، فكأنه عبد لها.
وانتكس … قال ابن السكيت: سقط على رأسه، تقول: نكست الشيء: إذا قلبته.
شيك … أي: أصاب الشوك جسده.
فلا انتقش … أي: فلا قدر على إخراجه من بدنه ولا استطاع، يقال: نقشت الشوك: إذا استخرجته بالمنقاش.
طوبى … فُعلى من الطيب، اسم الجنة أو شجرة فيها.
بعنان فرسه … أي: بلجامه.
إن كان في الحراسة، وإن كان في الساقة … المعنى: أنه خامل الذِّكْرِ لا يقصد السمو، فأين اتفق له كان فيه.
التعليق:
يدل هذا الحديث على أن من كان همّه طلب الأموال والزينة الدنيوية من كافة وجوهها، وصار عمله كله في تحصيلها، فهو كالعابد لها، فقد شبهه بالعبد؛ لأنه لانغماسه في محبة الدنيا وشهواتها كالأسير الذي لا يجد خلاصًا، كالعبد الذي لا يخلص من أحكام الرِّقِّيَّة، وليس المذموم مجرد ملك الدينار المنتفع به في حاجاته ومقاصده، فإن ذلك مما يمدح ويحمد، بل قد يجب التملك ليسد به الخلة، وينفق على من يجب عليه الإنفاق (^١).
ولكن المذموم هو التفرغ للزينة وجمع الأموال، بحيث تستولي على القلب بالكلية.
وقد لا يفرق في سبيل ذلك بين الوجوه المباحة والوجوه المحرمة، ولذلك فهو لا يرضى عن الله إلا إذا تحصل عليها، ونال ما يريد منها، وإن لم يعط سخط ما قدَّر له خالقه ويسر له من رزقه، فصح بهذا أنه عبد في طلبها، فوجب الدعاء عليه بالتعس والانتكاس؛ لأنه أوقف عمله على متاع الدنيا الفاني وترك العمل لنعيم الآخرة الباقي.
_________________
(١) ينظر: البدر التمام شرح بلوغ المرام للمغربي (١٠/ ٢٣٨).
[ ٣٠٢ ]
قال الصنعاني ﵀ (^١): (أراد بعبد الدينار والدرهم من استعبدته الدنيا بطلبها، وصار كالعبد لها تتصرف فيه تصرف المالك؛ لينالها وينغمس في شهواتها ومطالبها.
وذكرُ الدينار والقطيفة مجرد مثال، وإلا فكلُّ من استعبدته الدنيا في أي أمر وشغلته عما أمر الله تعالى، وجعل رضاه وسخطه متعلقا بنيل ما يريد أو عدم نيله، فهو عبده، فمن الناس من يستعبده حب الإمارات، ومنهم من يستعبده حب الصور، ومنهم من يستعبده حب الأطيان.
واعلم أن المذموم من الدنيا كل ما يُبعد العبد عن الله تعالى، ويشغله عن واجب طاعته وعبادته، لا ما يعينه على الأعمال الصالحة، فإنه غير مذموم، وقد يتعين طلبه ويجب عليه تحصيله.
وقوله «رضِي»، أي: عن الله بما ناله من حطامها.
«وإن لم يعط لم يرض»، أي عنه تعالى ولا عن نفسه، فصار ساخطًا، فهذا الذي تعس؛ لأنه قصر رضاه على مولاه وسخطه على نيل الدنيا وعدمه.
والحديث نظير قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ الآية [الحج: ١١]).
ثم انتقل النبي ﷺ إلى بيان العبودية الشرعية، التي ما خُلق الخلق إلا لأجلها، وهي العبودية لله ﷿، فذكر صفة العابد لله في موطن الجهاد في سبيل الله، فهو ماسك بلجام فرسه في طريقه إلى الجهاد، لا ينظر إلى قطيفة ولا خميصة، ولا إلى أجر دنيوي؛ بل هو أشعث الرأس، مغبر القدمين.
_________________
(١) ينظر: سبل السلام للصنعاني (٢/ ٦٤٤).
[ ٣٠٣ ]
قال الهروي ﵀ (^١): («إن كان في الحراسة»: أي: حماية الجيش ومحافظتهم عن أن يتهجم عليهم عدوهم «كان»، أي: كاملًا «في الحراسة»: غير مقصر فيها بالنوم والغفلة ونحوهما، والحراسة وإن كانت في اللغة أعم لكنها في العرف مختصة بمقدمة العسكر.
ولذا قال: «وإن كان في الساقة»: أي: في مؤخرة الجيش «كان في الساقة»، أي: كاملًا في تلك الحالة أيضًا؛ بأن لا يخاف من الانقطاع، ولا يهتم إلى السبق بل يلازم ما هو لأجله.
وقد تقرر في علم المعاني أن الشرط والجزاء إذا اتحدا يراد بالجزاء الكمال، فالمعنى: إن كان في الحراسة أو الساقة يبذل جهده فيها، ولا يغفل عنها على وجه الكمال. قال التوربشتي ﵀: أراد بالحراسة: حراسته من العدو أن يهجم عليهم، وذلك يكون في مقدمة الجيش، والساقة مؤخرة الجيش، فالمعنى: ائتماره لما أمر، وإقامته حيث أقيم، لا يُفقد من مكانه بحال، وإنما ذكر الحراسة والساقة لأنهما أشد مشقة، وأكثر آفة، الأول عند دخولهم دار الحرب، والآخر عند خروجهم.
وهو مع ذلك: «إن استأذن»، أي: طلب الإذن في دخول محفل، «لم يؤذن له»، أي: لعدم ماله وجاهه «وإن شفع»، أي: لأحد «لم يشفَّع»: بتشديد الفاء المفتوحة، أي: لم تُقبل شفاعته.
وتوضيحه ما قيل: إن فيه إشارة إلى عدم التفاته إلى الدنيا وأربابها بحيث يفنى بكليته في معالجة نفسه، لا يبتغي مالًا ولا جاهًا عند الناس، بل يكون عند الله وجيهًا، ولم يقبل الناس شفاعته، وعند الله يكون شفيعًا مشفعًا).
_________________
(١) ينظر: مرقاة المفاتيح للهروي (٨/ ٣٢٢٩).
[ ٣٠٤ ]
من فوائد الحديث:
أولًا: الإشارة إلى أن من تعلق بشيء تعلقًا تامًّا صار له مثل العبد، ولذلك نجد العشاق يفخرون بأن يوصفوا بأنهم عبيد لمن عشقوهم، كما قال الشاعر:
لا تدْعُني إلا بيا عبدِها … فإنه أشرفُ أسمائي
لأنه يتلذذ بكونه رقيقًا لها.
ثانيًا: أنه ينبغي للإنسان أن يكون رضاه فيما يرضي الله وسخطه فيما يسخط الله، لا أن يكون ذلك تبعًا للدنيا؛ لأن الدنيا فانية.
ثالثًا: وفي هذا الحديث دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يُخْرِجَ الدنيا من قلبه قبل أن تفجأه منيته، حتى لا يكون عبدًا ذليلًا لها (^١).
رابعًا: وفيه ذم التقيد بالزينة الظاهرة مما يتعلق بالثياب الجميلة، لا سيما إذا كانت محرمة أو مكروهة، وعدم التعلق بتخلية الباطن عن الأوصاف الدنية، وتحليتها بالنعوت الرضية، فإن من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، ومن رقَّ ثوبه رقَّ دينُه (^٢).
خامسًا: وفيه فضل الجهاد في سبيل الله على وجه الصدق والإخلاص.
سادسًا: وفيه فضل الحراسة والساقة.
ثامنًا: وفيه فضل الخمول عن طلب الدنيا والزهد فيها.
_________________
(١) ينظر: فتح ذي الجلال والإكرام لابن عثيمين (٦/ ٣٣٢).
(٢) ينظر: مرقاة المفاتيح للهروي (٨/ ٣٢٢٩).
[ ٣٠٥ ]