عَنْ ثَوْبَانَ ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا وَقَالَ: «اللهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» قَالَ الْوَلِيدُ: فَقُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ: كَيْفَ الْاسْتِغْفَارُ؟ قَالَ: تَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ، أَسْتَغْفِرُ اللهَ (^١). رواه مسلم.
معاني الكلمات (^٢):
الكلمة … معناها
السلام … من أسمائه تعالى، ومعناه: المتنزه عن النقائص والعيوب.
ومنك السلام … يرجى ويطلب منك لا من غيرك، وذلك أن كل مخلوق يفتقر إلى السلامة من شرور الدارين، ولا يكون ذلك إلا منه تعالى، فهو السالم عن كل نقص وعيب المرجوة منه السلامة.
تباركت … من البركة، وهي الكثرة والنماء، ومعناه: تعاظمت إذ كثرت صفات جلالك وكمالك. قال النووي ﵀: قوله: «تباركت»، أي: استحققت الثناء، وقيل: ثبت الخير عندك. وقال ابن الأنباري: تبارك العباد بتوحيدك، والله أعلم.
يا ذا الجلال … الذي يجله كل مخلوق ويعظمه ويمجده، والجلال: الغنى المطلق.
والإكرام … الفضل التام، فهو سبحانه الذي يُكرم بعبادته كل مخلوق.
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (٥٩١).
(٢) ينظر: شرح النووي على مسلم (٦/ ٥٩)، والتنوير شرح الجامع الصغير للصنعاني (٨/ ٣٥١).
[ ٣٥٥ ]
التعليق:
بين النبي ﷺ أن وصفه سبحانه بالسلام لا يشبه أوصاف المخلوقين، فإنهم بصدد الافتقار، وهو المتعالى عن ذلك، فهو السلام الذي يعطي السلامة ويمنعها، ويبسطها ويقبضها، لا تبدأ إلا منه، ولا تعود إلا إليه (^١).
قال الصنعاني ﵀ (^٢): (وإنما استغفر بعد أداء الفريضة؛ لأن العبد يقصر عن القيام بحق مولاه في أداء فرائضه وإن بالغ في ذلك، فهو مفتقر إلى عفو الله.
ثم لما كانت الصلاةُ بها النجاة من شرور الدارين والسلامة، والعبدُ قاصرٌ عن الوفاء بحقها لنقصه وقصوره، ناسب أن يأتي بعد الإتيان بها بوصف الرب بالسلامة، وطلبها منه، والإقرار بتعالاه واتصافه بالجلال والإكرام، للإعلام بأنه غنيٌّ عن العبد وعبادتِه).
وقال ابن القيم ﵀ (^٣): (وأرباب العزائم والبصائر أشد ما يكونون استغفارًا عقيب الطاعات، لشهودهم تقصيرهم فيها، وترك القيام لله بها كما يليق بجلاله وكبريائه، وأنه لولا الأمر لما أقدم أحدهم على مثل هذه العبودية، ولا رضيها لسيده.
وقد أمر الله تعالى وفده وحجاج بيته بأن يستغفروه عقيب إفاضتهم من عرفات، وهو أجل المواقف وأفضلها، فقال: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
_________________
(١) ينظر: شرح مشكاة المصابيح للطيبي (٣/ ١٠٥٧).
(٢) ينظر: التنوير شرح الجامع الصغير للصنعاني (٨/ ٣٥١).
(٣) ينظر: مدارج السالكين لابن القيم (١/ ١٩٢).
[ ٣٥٦ ]
رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٨ - ١٩٩]، وقال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]، قال الحسن: (مدُّوا الصلاة إلى السحر، ثم جلسوا يستغفرون الله ﷿ (^١).
وفي الصحيح أن النبي ﷺ كان إذا سلم من الصلاة استغفر ثلاثًا، ثم قال: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام» (^٢).
وأمره الله تعالى بالاستغفار بعد أداء الرسالة، والقيام بما عليه من أعبائها، وقضاء فرض الحج، واقتراب أجله، فقال في آخر سورة أنزلت عليه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ١ - ٣].
ومن هاهنا فهم عمر، وابن عباس ﵃ أن هذا أجل رسول الله ﷺ أعلمه به، فأمره أن يستغفره عقيب أداء ما كان عليه، فكأنه إعلام بأنك قد أديت ما عليك، ولم يبق عليك شيء، فاجعل خاتمتَه الاستغفار، كما كان خاتمة الصلاة والحج وقيام الليل، وخاتمة الوضوء أيضًا أن يقول بعد فراغه: «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين» (^٣).
_________________
(١) ينظر: تفسير البغوي (٢/ ١٧)، واللباب في علوم الكتاب (٥/ ٨٩).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) اللفظ المشهور من هذا الحديث ليس فيه: «أستغفرك وأتوب إليك»، وهو الذي أخرجه الترمذي برقم (٥٥)، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ، فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابِ الجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ». وأما ما فيه الاستغفار فقد أخرجه البيهقي في الدعوات الكبير برقم (٥٩)، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوَضُوءَ، ثُمَّ قَالَ عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنْ وَضُوئِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، خُتِمَ عَلَيْهَا بِخَاتَمٍ فَوُضِعَتْ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَلَمْ تُكْسَرْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
[ ٣٥٧ ]
فهذا شأن من عرف ما ينبغي لله، ويليق بجلاله من حقوق العبودية وشرائطها، لا جهل أصحاب الدعاوى وشطحاتهم.
وقال بعض العارفين: متى رضيت نفسك وعملك لله، فاعلم أنه غير راض به، ومن عرف أن نفسه مأوى كل عيب وشر، وعمله عرضة لكل آفة ونقص، كيف يرضى لله نفسه وعمله؟
ولله درُّ الشيخ أبي مدين حيث يقول: من تحقق بالعبودية نظر أفعالَه بعين الرياء، وأحوالَه بعين الدعوى، وأقوالَه بعين الافتراء.
وكلما عظم المطلوب في قلبك، صغرت نفسك عندك، وتضاءلت القيمة التي تبذلها في تحصيله، وكلما شهدت حقيقة الربوبية وحقيقة العبودية، وعرفت الله، وعرفت النفس، وتبين لك أن ما معك من البضاعة لا يصلح للملك الحق، ولو جئت بعملِ الثقلين خشيت عاقبتَه، وإنما يقبله بكرمه وجوده وتفضله، ويثيبك عليه أيضا بكرمه وجوده وتفضله).
وقال الصنعاني ﵀ (^١): (والاستغفار إشارة إلى أن العبد لا يقوم بحق عبادة مولاه، لما يعرض له من الوساوس والخواطر، فشرع له الاستغفار تداركًا لذلك، وشرع له أن يصف ربَّه بالسلام كما وصف به نفسه، والمراد ذو السلامة من كل نقص وآفة، مصدر وصف به للمبالغة.
«ومنك السلام»، أي: منك نطلب السلامة من شرور الدنيا والآخرة.
_________________
(١) ينظر: سبل السلام للصنعاني (١/ ٢٩٥). وأخرجه أحمد في المسند برقم (١٧٥٩٦) عن ربيعة بن عامر ﵁، وصححه الألباني.
[ ٣٥٨ ]
والمراد بقوله: «يا ذا الجلال والإكرام»: يا ذا الغنى المطلق، والفضل التام، وقيل: الذي عنده الجلال والإكرام لعباده المخلصين، وهو من عظائم صفاته تعالى؛ ولذا قال ﷺ: «ألِظُّوا بيا ذا الجلال والإكرام» (^١)، ومر برجل يصلي وهو يقول: يا ذا الجلال والإكرام، فقال: «قد استجيب لك» (^٢).
وقال ابن القيم ﵀ في معاني هذا الذكر (^٣): (فتأمل هذه الألفاظ الكريمة كيف جمعت نوعي الثناء؛ أعني ثناء التنزيه والتسبيح، وثناء الحمد والتمجيد، بأبلغ لفظ وأوجزِه، وأتمِّه معنًى.
فأخبر أنه السلام ومنه السلام، فالسلام له وصفًا وملكًا، وقد تقدم بيان هذا في وصفه تعالى بالسلام، وأن صفات كماله ونعوت جلاله وأفعاله وأسمائه كلها سلام، وكذا الحمد كله له وصفًا وملكًا، فهو المحمود في ذاته، وهو الذي يجعل من يشاء من عباده محمودًا، فيهبه حمدًا من عنده، وكذلك العزة كلها له وصفًا وملكًا، وهو العزيز الذي لا شيء أعز منه، ومن عز من عباده فبإعزازه له، وكذلك الرحمة كلها له وصفًا وملكًا، وكذلك البركة، فهو المتبارك في ذاته، الذي يبارك فيمن شاء من خلقه وعليه، فيصير بذلك مباركًا: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٤]، ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزخرف: ٨٥]، وهذا بساط، وإنما غاية معارف العلماء الدنو من أول حواشيه وأطرافه.
_________________
(١) أخرجه الترمذي برقم (٣٥٢٥)، عن أنس ﵁ وقال: غريب. وأخرجه أحمد في المسند برقم (١٧٥٩٦) عن ربيعة بن عامر ﵁، وصححه الألباني.
(٢) أخرجه الترمذي برقم (٣٥٢٧)، وأحمد في المسند برقم (٢٢٠١٧)، عن معاذ بن جبل ﵁، وقال الترمذي: حديث حسن.
(٣) ينظر: بدائع الفوائد لابن القيم (٢/ ١٨٧).
[ ٣٥٩ ]
وأما ما وراء ذلك فكما قال أعلم الخلق بالله، وأقربهم إلى الله، وأعظمهم عنده جاهًا: «لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» (^١)، رواه مسلم، وقال في حديث الشفاعة الطويل: «فأخرُّ ساجدًا لربي، فيفتح علي من محامدِه بما لا أحسنُه الآن» (^٢)، رواه البخاري ومسلم.
وفي دعاء الهم والغم: «أسألك بكل اسم هو لك، سميتَ به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمتَه أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك» (^٣).
فدل على أن لله ﷾ أسماء وصفات، استأثر بها في علم الغيب عنده دون خلقه، لا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل، وحسبنا الإقرار بالعجز، والوقوف عند ما أذن لنا فيه من ذلك، فلا نغلو فيه، ولا نجفو عنه، وبالله التوفيق).
من فوائد الحديث:
أولًا: فيه من الفوائد أن العبد لا يمكنه أن يقوم بحق عبادة مولاه، لما يعرض له من الوساوس والخواطر، فشرع له الاستغفار تداركا لذلك.
ثانيًا: فيه أن من أراد السلامة فليلزم عتبة العبودية، لأنه تعالى هو السلام المتنزه عن النقص والسالم من كل عيب، ومنه يطلب السلام والنجاة والأمن.
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (٤٨٦)، عن عائشة ﵂.
(٢) أخرجه البخاري برقم (٧٤١٠)، ومسلم برقم (١٩٣)، عن أنس بن مالك ﵁.
(٣) أخرجه أحمد في المسند برقم (٣٧١٢)، عن ابن مسعود ﵁.
[ ٣٦٠ ]