عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ: يَا عبد الله هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ»، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ كُلِّهَا، قَالَ: «نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ» (^١). متفق عليه.
معاني الكلمات (^٢):
الكلمة … معناها
زوجين … الزوج في اللغة: كل شيء كان له قرين من جنسه، فهو اسم يقع على كل واحد من المقترنين، يقال: لفلان زوجان من حمام، أي: ذكر وأنثى.
قال الهروي في تفسير هذا الحديث: (قيل: وما زوجان؟ قال: فرسان، أو عبدان، أو بعيران).
وقال ابن عرفة: (كل شيء قُرن بصاحبه فهو زوج، يقال: زوجت بين الإبل إذا قرنت بعيرًا ببعير).
دعي من باب الريان … أي: باب الرواء، جزاء لما قاساه الصائم من عطش.
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (١٨٩٧)، ومسلم برقم (١٠٢٧).
(٢) ينظر: كشف المشكل لابن الجوزي (٣/ ٣٩٠)، وشرح النووي على مسلم (٧/ ١١٦).
[ ٤١٥ ]
التعليق:
هذا الحديث يتعلق بفضائل بعض أعمال البر العظيمة كالصلاة والصيام والصدقة والجهاد، وأن لكل عمل من هذه الأعمال باب من أبواب الجنة يدخل منه المكثر من هذا العمل.
قال ابن عبد البر ﵀ (^١): (وفي هذا الحديث من الفقه والفضائل: الحضُّ على الإنفاق في سبيل الخير، والحرص على الصوم، وفيه أن أعمال البر لا يفتح في الأغلب للإنسان الواحد في جميعها، وأن من فتح له في شيء منها حُرم غيرها في الأغلب، وأنه قد تفتح في جميعها للقليل من الناس، وأن أبا بكر الصديق ﵁ من ذلك القليل.
وفيه أن من أكثر من شيء عرف به ونسب إليه، ألا ترى إلى قوله: «فمن كان من أهل الصلاة»: يريد من أكثر منها فنسب إليها، لأن الجميع من أهل الصلاة، وكذلك من أكثر من الجهاد ومن الصيام على هذا المعنى ونسب إليه، دعي من بابه ذلك والله أعلم.
ومما يشبه ما ذكرنا ما جاوب به مالكٌ ﵀ العمريَّ العابد وذلك أن عبد الله بن عبد العزيز العمريَّ العابد كتب إلى مالك يحضُّه إلى الانفراد والعمل، ويرغب به عن الاجتماع إليه في العلم، فكتب إليه مالك: إن الله ﷿ قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرب رجل فتح له في الصلاة، ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الصدقة، ولم يفتح له في الصيام، وآخر فتح له في الجهاد، ولم يفتح له في الصلاة.
_________________
(١) ينظر: التمهيد لابن عبد البر (٧/ ١٨٤).
[ ٤١٦ ]
وَنَشْرُ العلم وتعليمه من أفضل أعمال البر، وقد رضيت بما فتح الله لي فيه من ذلك، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير، ويجب على كل واحد منا أن يرضى بما قُسم له والسلام.
هذا معنى كلام مالك لأني كتبته من حفظي، وسقط عني في حين كتابتي أصلي منه.
وأما قوله: «من أنفق زوجين»، معناه عند أهل العلم: من أنفق شيئين من نوع واحد، نحو درهمين، أو دينارين، أو فرسين، أو قميصين، وكذلك من صلى ركعتين، ومشى في سبيل الله خطوتين، أو صام يومين ونحو ذلك كله، وإنما أراد والله أعلم أقل التكرار وأقل وجوه المداومة على العمل من أعمال البر لأن الاثنين أقل الجمع).
وقوله: «في سبيل الله»: قيل: يحتمل العموم في جميع وجوه الخير، وقيل: الخصوص في الجهاد، والأول أظهر.
وقوله: «نودى هذا خير»: فيه وجهان؛ أي: هنالك خير وثواب وغبطة، والآخر هذا الباب خير من غيره من الأبواب لك، لكثرة ثوابه، ونعيمه (^١).
قوله: «ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان»: خصَّ الريان بأهل الصائم لما كان في الصوم من الصبر على ألم العطش؛ لأن قوله: (باب الريان) أي: باب الرواء، وإن كانت تلك كلها فيها الرواء، غير أن باب الريان أروى) (^٢).
وقول أبي بكر الصديق ﵁: ما على من يدعى من هذه الأبواب من
_________________
(١) ينظر: إكمال المعلم للقاضي عياض (٣/ ٥٥٥).
(٢) ينظر: المسالك شرح موطأ مالك لأبي بكر بن العربي (٥/ ١٢٤).
[ ٤١٧ ]
ضرورة، فقوله: (من ضرورة)، أي: من ضرر، أي: ليس على المدعو من كل الأبواب مضرة، أي: قد سعد من دعي من أبوابها جميعًا.
ويقال معناه: ما على من دعي من تلك الأبواب من لم يكن إلا من أهل خصلة واحدة ودعي من بابها، فإنه لا ضرر عليه، لأن الغاية المطلوبة دخول الجنة من أيها أراد، لاستحالة الدخول من الكل معًا.
قال البدر العيني ﵀ (^١): (قال الكرماني: أقول: يحتمل أن تكون الجنة كالقلعة لها أسوار محيط بعضُها ببعض، وعلى كل سور باب، فمنهم من يدعى من الباب الأول فقط، ومنهم من يتجاوز عنه إلى الباب الداخل وهلم جرًّا. قلت: هذا الذي ذكره لا يستبعده العقل، ولكن معرفة كيفية الجنة وكيفية أبوابها وغير ذلك موقوفة على السماع من الشارع).
من فوائد الحديث:
أولًا: فيه استحباب تكرار أعمال الطاعة والعبادة، حتى تكون سجية لصاحبها.
ثانيًا: فيه فضل الصلاة والصيام والإنفاق والجهاد.
ثالثًا: فيه فضل الإخلاص في العمل، وأن يكون المراد منه وجه الله تعالى.
رابعًا: فيه فضيلة الصديق ﵁، لأن قوله: «وأرجو أن تكون منهم»، خطاب لأبي بكر ﵁، والرجاء من النبي ﷺ واجب، نبه عليه ابن التين، فدل هذا على فضيلة أبي بكر ﵁، وعلى أنه من أهل هذه الأعمال كلها (^٢).
_________________
(١) ينظر: عمدة القاري للعيني (١٠/ ٢٦٥).
(٢) ينظر: عمدة القاري للعيني (١٠/ ٢٦٥).
[ ٤١٨ ]
خامسًا: فيه الحث على اغتنام الأوقات في الطاعة والاستكثار من أفعال البر ليكون دخوله من جميع أبواب الجنة أو من أغلبها، أو من أحدها، فقد فاز في كل الأحوال.
قال القاضي ابن العربي ﵀ (^١): (قول أبي بكر الصديق ﵁: (ما على من يدعى من هذه الأبواب من ضرورة)، يقول: ما على من يدعى من باب واحد من كل هذه الأبواب من ضرورة، وقد فاز ونجا.
وهذا لا يكون -والله أعلم- إلا لمن جاهد في سبيله، وأنفق ذلك في مرضاته، ولزم الثغر للرباط، والحرس للمسلمين والحوطة عليهم، وكان عبد الله بن المبارك ينشد في ذلك:
كل عيش قد أراه نكدًا … غير ركن الرمح في ظلِّ الفرس
وقيامٌ في ليالي الدُّجى … حارسًا للناس في أقصى الحرس
أرفع الصوتَ بتكبير بلا … صخب فيه ولا صوت جرس
_________________
(١) ينظر: المسالك شرح موطأ مالك لأبي بكر بن العربي (٥/ ١٢٥).
[ ٤١٩ ]