عن سلمة بن عبيد الله بن مِحْصَنٍ الخطْميِّ، عن أبيه، وكانت له صحبة، قال: قال رسول الله ﷺ: «من أصبح منكم معافًى في بدنه، آمنًا في سربه، عنده قوت يومه؛ فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها» (^١).
معاني الكلمات (^٢):
الكلمة … معناها
آمنًا في سِربه … بكسر السين على الأشهر، أي: في نفسه، وقيل: في نفسه وأهله، وروي بفتحها؛ أي: في طريقه ومسلكه، وقيل: بفتحتين (سَرَبه)؛ أي: في بيته.
فكأنما حيزت له الدنيا … أي: ضُمَّت وجمعت.
بحذافيرها … بجوانبها، إذ ليس مع من نال الدنيا بجوانبها سوى هذه الثلاث.
التعليق:
في هذا الحديث إشارة إلى أصول النعم الدنيوية وهي:
أولًا: نعمة الصحة والعافية.
ثانيًا: نعمة الأمن.
_________________
(١) أخرجه الترمذي برقم (٢٣٤٦)، وابن ماجه برقم (٤١٤١). قال الترمذي: حسن غريب، وحسنه الشيخ الألباني.
(٢) ينظر: التنوير شرح الجامع الصغير للصنعاني (١٠/ ١١٠)، والتيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي (٢/ ٣٩٩)، وشرح مصابيح السنة لابن الملك (٥/ ٤٠٢).
[ ١٦٦ ]
ثالثًا: نعمة المال والاستغناء عن الناس.
فمن جمع الله له بين عافية بدنه، وأمن قلبه ونفسه حيث توجه، وكفاف عيشه بقوت يومه، وسلامة أهله، فقد جمع الله له جميع النعم التي من ملك الدنيا لم يحصل على غيرها، فينبغي أنلا يستقبل يومه ذلك إلا بشكرها؛ بأن يصرفها طاعة المنعم لا في معصية، ولا يفتر عن ذكره، قال نفطويْه:
إذا ما كساك الدهرُ ثوب مَصَحَّةٍ … ولم يخل من قوتٍ يُحَلَّى ويعذُب
فلا تغبطنَّ المترفين فإنه … على حسب ما يعطيهم الدهرُ يسلبُ
وفيه حجة لمن فضل الفقر على الغنى (^١).
أما نعمة الصحة فهي نعمة عظيمة ينبغي أن يستثمرها الإنسان في طاعة الله ورضوانه، ولذلك قال النبي ﷺ: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس؛ الصحة والفراغ» (^٢).
فهذه النعمة مما يسأل الإنسان عن شكرها يوم القيامة، ويطالب بها، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨].
وخرج الترمذي وابن حبان من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، قال: «إن أول ما يسأل العبد عنه يوم القيامة من النعيم، فيقول له: ألم نُصِح لك جسمَك، ونَرْويك من الماء البارد؟» (^٣).
_________________
(١) ينظر: فيض القدير للمناوي (٦/ ٦٨).
(٢) أخرجه البخاري برقم (٦٤١٢) عن ابن عباس ﵄.
(٣) أخرجه الترمذي برقم (٣٣٥٨)، والحاكم في المستدرك برقم (٧٢٠٢)، وابن حبان في صحيحه برقم (٧٣٦٤)، والطبراني في الأوسط برقم (٦٢). وقال الترمذي: غريب، وقال الحاكم: صحيح على شرطهما، وصححه الألباني.
[ ١٦٧ ]
وقال ابن مسعود ﵄: (النعيم: الأمن والصحة) (^١)، وروي عنه مرفوعًا (^٢).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قال: (النعيم: صحة الأبدان والأسماع والأبصار، يسأل الله العباد: فيما استعملوها؟ وهو أعلم بذلك منهم، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] (^٣) (^٤).
وأما نعمة الأمن، فمن أعظم أسباب تحقيقها هو الإيمان بالله تعالى ومتابعة نبيه ﷺ، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]، وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥].
فهذا وعد من الله ﷾ لأهل الإيمان بالأمن التام الذي ليس بعده خوف، وهذا إنما يكون يوم القيامة، أما في الدنيا فقد يتحقق الأمن لأهل الإيمان وقد يتخلف عنهم، وقد يتحقق في وقت دون وقت، وفي قوم دون قوم، وكلما
_________________
(١) ينظر: تفسير الطبري (٢٤/ ٦٠٣)، وتفسير ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٤٦٠).
(٢) ينظر: أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (١٠/ ٣٤٦٢)، ورواه عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد برقم (٨٥٧، ٢٣١١).
(٣) ينظر: تفسير الطبري (٢٤/ ٦٠٤)، وزاد المسير لابن الجوزي (٤/ ٤٨٦)، وتفسير ابن كثير (٨/ ١٧٧).
(٤) ينظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب (٢/ ٧١٠).
[ ١٦٨ ]
توافرت الشروط وانتفت الموانع تحقق لهم الأمن، وكلما تخلفت الشروط وتحققت الموانع، فقد الأمن وضاعت الحقوق والمصالح، وحصل القلق والخوف والفوضى، وتسلط الظلمة على الناس، وحصل السلب والنهب، وسفكت الدماء، وانتهكت الأعراض إلى غير ذلك من مظاهر فقد الأمن للمجتمع.
فلا يأمن الإنسان على نفسه وهو في بيته، ولا يأمن على أهله وحرمته، ولا يأمن على ماله، ولا يأمن وهو في الشارع أو في المسجد أو في مكتبه ومحل عمله، لا يأمن في أي مكان إذا زالت نعمة الأمن عن المجتمع.
ولذلك ينبغي شكر هذه النعمة إذا تحققت، والعمل على تثبيتها واستمرارها.
وأما نعمة الاستغناء عن الناس: فهي نعمة عظيمة، فإن سؤال الناس مذلة، وعز المؤمن في استغنائه عن الناس، كما في حديث سهل بن سعد ﵁ قال: جاء جبريل ﵇ إلى النبي ﷺ، فقال: «يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل، وعزه استغناؤه عن الناس» (^١).
وقد أرسى النبي ﷺ قيمة الاستغناء عن الناس، في نفوس أصحابه، فكان يبايعهم على ألا يسأل أحدهم الناس شيئًا؛ فعن عوف بن مالك الأشجعي قال: كنا عند رسول الله ﷺ تسعة أو ثمانية أو سبعة؛ فقال: «ألا تبايعون رسول الله؟» وكنا حديث عهد ببيعة. فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله. ثم قال: «ألا تبايعون رسول الله؟»، فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط برقم (٤٢٧٨)، والحاكم في المستدرك برقم (٧٩٢١)، والقضاعي في مسند الشهاب برقم (٧٤٦)، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (٨٣١).
[ ١٦٩ ]
ثم قال: «ألا تبايعون رسول الله؟» قال: فبسطنا أيدينا وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، فعلام نبايعك؟ قال: «على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، والصلوات الخمس، وتطيعوا -وأَسَرَّ كلمةً خفية- ولا تسألوا الناس شيئًا». قال عوف بن مالك: فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدًا يناوله إياه (^١).
ولا يستطيع الإنسان الاستغناء عن الناس إلا إذا كان يمتلك قوته وقوت عياله، فالمال لا يذم مطلقًا بل قد يمدح، لأنه يغني المرء عن مذلة السؤال، وينفق في طاعة الله وفي مشاريع الخير، ويتصدق به على الفقراء والمساكين، وتستنقذ به رقاب الناس، وقد قال النبي ﷺ لعمرو بن العاص ﵁: «يَا عَمْرُو، نِعْم الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ» (^٢).
قال الحافظ ابن رجب ﵀ (^٣): (والمقصود: أن الله تعالى أنعم على عباده بما لا يحصونه كما قال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]، وطلب منهم الشكر، ورضي به منهم.
قال سليمان التيمي: إن الله أنعم على العباد على قدره، وكلفهم الشكر على قدرهم، حتى رضي منهم من الشكر بالاعتراف بقلوبهم بنعمه، وبالحمد بألسنتهم عليها (^٤)، كما خرجه أبو داود والنسائي من حديث عبد الله بن غنام
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (١٠٤٣).
(٢) أخرجه أحمد في المسند برقم (١٧٧٦٣)، والبخاري في الأدب المفرد برقم (٢٩٩)، وصححه الألباني.
(٣) ينظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب (٢/ ٧١٥).
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في الشكر برقم (٨)، والبيهقي في شعب الإيمان برقم (٤٥٧٨).
[ ١٧٠ ]
﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «من قال حين يصبح: اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك، فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر، فقد أدى شكر ذلك اليوم، ومن قالها حين يمسي أدى شكر ليلته» (^١).
وكتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز ﵀ إليه: إني بأرض قد كثرت فيها النعم، حتى لقد أشفقت على أهلها من ضعف الشكر، فكتب إليه عمر ﵀: إني قد كنت أراك أعلم بالله مما أنت، إن الله لم ينعم على عبد نعمة، فحمد الله عليها، إلا كان حمده أفضل من نعمه، لو كنت لا تعرف ذلك إلا في كتاب الله المنزل، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ١٥]، وقال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ [الزمر: ٧٣]، إلى قوله: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الزمر: ٧٤]، وأي نعمة أفضل من دخول الجنة؟ (^٢).
وقد ذكر ابن أبي الدنيا في كتاب الشكر عن بعض العلماء أنه صوب هذا القول: أعني قول من قال: (إن الحمد أفضل من النعم) (^٣).
وعن ابن عيينة أنه خطأ قائله، قال: (ولا يكون فعل العبد أفضل من فعل الرب ﷿ (^٤).
ولكن الصواب قول من صوبه، فإن المراد بالنعم: النعم الدنيوية، كالعافية
_________________
(١) أخرجه أبو داود برقم (٥٠٧٣)، والنسائي في السنن الكبرى برقم (٩٧٥٠)، وفي اليوم والليلة برقم (٧).
(٢) ينظر: تفسير ابن أبي حاتم (٩/ ٢٨٥٤)، وحلية الأولياء لأبي نعيم (٥/ ٢٩٣).
(٣) ينظر: الشكر لابن أبي الدنيا (ص ٤٠) برقم (١١١).
(٤) ينظر: المصدر السابق.
[ ١٧١ ]
والرزق والصحة، ودفع المكروه، ونحو ذلك، والحمد هو من النعم الدينية، وكلاهما نعمة من الله، لكن نعمة الله على عبده بهدايته لشكر نعمه بالحمد عليها أفضل من نعمه الدنيوية على عبده، فإن النعم الدنيوية إن لم يقترن بها الشكر، كانت بلية، كما قال أبو حازم: (كل نعمة لا تقرب من الله فهي بلية) (^١).
فإذا وفق الله عبده للشكر على نعمه الدنيوية بالحمد أو غيره من أنواع الشكر، كانت هذه النعمة خيرًا من تلك النعم وأحب إلى الله ﷿ منها، فإن الله يحب المحامد، ويرضى عن عبده أن يأكل الأكلة، فيحمده عليها، ويشرب الشربة، فيحمده عليها (^٢).
والثناء بالنعم والحمد عليها وشكرها عند أهل الجود والكرم أحب إليهم من أموالهم، فهم يبذلونها طلبا للثناء، والله ﷿ أكرم الأكرمين، وأجود الأجودين، فهو يبذل نعمه لعباده، ويطلب منهم الثناء بها، وذكرها، والحمد عليها، ويرضى منهم بذلك شكرا عليها، وإن كان ذلك كله من فضله عليهم، وهو غير محتاج إلى شكرهم، لكنه يحب ذلك من عباده، حيث كان صلاح العبد وفلاحه وكماله فيه.
ومن فضله أنه نسب الحمد والشكر إليهم، وإن كان من أعظم نعمه عليهم، وهذا كما أنه أعطاهم ما أعطاهم من الأموال، ثم استقرض منهم بعضَه، ومدحهم بإعطائه، والكل ملكُه، ومن فضله، ولكن كرمه اقتضى ذلك، ومن هنا
_________________
(١) ينظر: الشكر لابن أبي الدنيا (ص ١١) برقم (٢٠)، وحلية الأولياء لأبي نعيم (٣/ ٢٣٠)، وشعب الإيمان برقم (٤٢١٧)، والمجالسة وجواهر العلم للدينوري برقم (٤/ ١٩).
(٢) أخرجه مسلم برقم (٢٧٣٤)، عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها».
[ ١٧٢ ]
يعلم معنى الأثر الذي جاء مرفوعًا وموقوفًا: «الحمد لله حمدًا يوافي نعمَه، ويكافئُ مَزيدَه» (^١).
من فوائد الحديث:
أولًا: في الحديث فضل الصحة والمعافاة في الأبدان، وأنها من أعظم النعم.
ثانيًا: فيه فضل الأمن والاستقرار وعدم الخوف وأن ذلك من أعظم النعم.
ثالثًا: فيه فضل الاستغناء عن الناس ولو بالقليل، وأنه من أعظم النعم.
رابعًا: فيه أن نعم الدنيا وملذاتها لا تخرج عن هذه الثلاثة.
خامسًا: فيه حث على النظر والتأمل في النعم التي يتمتع بها الإنسان وقد لا يشعر بها لاعتياده عليها، فإذا فقدها علم قدرها، وفي هذا الزمان رأينا ذلك رأي العين بعد أن ضرب العالم وباء كورونا، فأدركنا كثيرًا من النعم التي حرمنا منها بسبب هذا الوباء، منها نعمة المساجد وصلاة الجماعة متلاصقين لا يخشى أحدنا من الآخر، ونعمة لقاء الناس والجلوس معهم، بل ونعمة الزحام الذي كنا نشكو منه في الحج والعمرة، وغير ذلك من النعم التي ما كنا نعدها شيئًا، فلما فقدناها علمنا قدرها.
_________________
(١) أخرجه موقوفًا عن أبي صالح أبو الشيخ في العظمة (٥/ ١٥٧٦)، والمرفوع منه لا يصح، ينظر: التلخيص الحبير لابن حجر (٤/ ٤٤٠)، وضعيف الترغيب والترهيب برقم (٩٦٢).
[ ١٧٣ ]