عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ: «أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الفَقْرَ، وَتَأْمُلُ الغِنَى، وَلَا تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ» (^١).
معاني الكلمات (^٢):
الكلمة … معناها
شحيح … الشح: بخل مع حرص؛ فهو أبلغ منه.
تأمل الغنى … تطمع فيه.
بلغت الحلقوم … الحلقوم: مجرى النفس، والمعنى: اقترب خروج الروح.
قلت لفلان: كذا … أي: قلت لورثتك: أوصي لفلان بكذا.
ولفلان كذا … أي: لغيره كذا من المال بالوصية، والتكرير يفيد التكثير.
وقد كان لفلان … قيل: جملة حالية، أي: وقد صار المال الذي تتصرف فيه في هذه الحالة، ثلثاه حقًّا للوارث، وأنت تتصدق بجميعه فكيف يقبل منك؟
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (١٤١٩)، ومسلم برقم (١٠٣٢).
(٢) ينظر: التنوير شرح الجامع الصغير للصنعاني (٢/ ٥٥٨)، ومرقاة المفاتيح للهروي (٤/ ١٣٢٢)، والأدب النبوي لمحمد عبد العزيز الخولي (ص ٢٢٨).
[ ٢١٤ ]
وقال الطيبي ﵀: (قيل: إشارة إلى المنع عن الوصية لتعلق حقِّ الوارث).
ويمكن أن يقال: معناه وكان، أي: عندكم لفلان كذا من المال، فيكون الذم على الإمهال إلى تلك الحال، فإن فعل الخير في حال الصحة عمل أرباب الكمال، ورد الحقوق لا ينبغي فيه الإهمال، لأن الخطر كثير في المال ويدل عليه صدر هذا الحديث.
التعليق:
كان أصحاب الرسول ﷺ يتحرون أفضل أنواع الطاعات وأعظمها عند الله أجرًا؛ ولا يأبون أن يسألوا الرسول عنها ليتقربوا بها إلى الله، وينالوا الدرجات العلا.
فسأله أحدهم عن أكثر الصدقات أجرًا، فقال له ﷺ: «أن تتصدّق وأنت صحيح الجسم معافى في بدنك لم ينقطع أملك من الحياة، ولم تقف بك القدم على حافة القبر، إذ المرض يقصر يدَ المالك عن ملكه، وسخاوته بالمال إذ ذاك لا تمحو عنه سمةَ البخل ولا تدل على طيب نفسه بالعطاء، لأنه يكون قد ملَّ الحياة، وسئم العيشَ، ورأى ماله قد صار لغيره، بخلاف ما إذا كان صحيحًا يكون للمال مكانٌ في قلبه وحبٌّ من نفسه، لما يأمل من البقاء ويخشى من الفقر، فالشح به غالب، والسماح به حينئذ أصدق في الإخلاص وأعظم في المثوبة».
وكذا إذا تصدق وهو حريص على جمع المال، قد توافرت لديه أسباب إدخاره، كان ذلك دالًّا على الرغبة في الخير، وابتغاء ما عند الله.
[ ٢١٥ ]
ولا يتأخر بالتصدق حتى يكون الموت منه قاب قوسين، لأنه يكون مغلولًا عن التصرف في كل ماله، إذ إن المريض لا يجوز له أن يتبرع إلا بثلث ماله فقط، وما زاد على ذلك يكون من حق الورثة، إن شاؤا أجازوا تصرفه، وإن شاؤا لم يجيزوه.
ويدل الحديث على أن تنجيز وفاء الدّين والصدقة في حال الصحة أفضل منه في حال المرض، لأنه في الأولى يصعب عليه إخراج المال غالبا؛ لما يخوفه الشيطان من الفقر، ويزين له من إمكان طول العمر والحاجة إلى المال، كما قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة: ٢٦٨]، وقال: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المنافقون: ١٠] (^١).
قال ابن الجوزي ﵀ (^٢): (اعلم أن المتصدق مخرج لمحبوبه عن يده، وهذا المحبوب معدٌّ للإنفاق في الأغراض، ومعظم الأغراض تكون في الصحة، فإذا كان أخرجه في المرض فقد بدت أمارات الاستغناء عن المال، فلا يلحق بدرجة المعطي في الصحة).
وقال ابن بطال ﵀ (^٣): (فيه: أن أعمال البر كلما صعبت كان أجرها أعظم، لأن الصحيح الشحيح إذا خشي الفقر، وأمِل الغنى صعُبت عليه النفقة، وسوَّل له الشيطان طول العمر، وحلول الفقر به، فمن تصدق في هذه الحال، فهو مؤثرٌ لثواب الله على هوى نفسه، وأما إذا تصدق عند خروج نفسه فيُخشى عليه الضرار بميراثه، والجور في فعله، ولذلك قال ميمون بن مهران حين قيل له: إن
_________________
(١) ينظر: الأدب النبوي لمحمد عبد العزيز الخولي (ص ١٢٨).
(٢) ينظر: كشف المشكل لابن الجوزي (٣/ ٤٧٥).
(٣) ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (٣/ ٤١٨).
[ ٢١٦ ]
رقية امرأة هشام ماتت، وأعتقت كل مملوك لها، فقال ميمون: يعصون الله في أموالهم مرتين، يبخلون بها، وهي في أيديهم، فإذا صارت لغيرهم أسرفوا فيها).
من فوائد الحديث:
أولًا: فيه حرص الصحابة وتحريهم أفضل العبادات وأعظمها أجرًا ليتقربوا بها إلى الله ﷿.
ثانيًا: فيه أن الصدقة من أفضل أنواع البر والمعروف، والصدقات تتفاوت في الفضل.
ثالثًا: فيه أن أفضل الصدقة ما كان عن صحة وحاجة، وإقبال من الدنيا.
رابعًا: فيه الحث على الوصية والصدقة والهبة والوقف وبقية أنواع البر قبل اقتراب الأجل.
[ ٢١٧ ]