عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُول: «قَالَ اللَّهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي، غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي، غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً». رواه الترمذي (^١).
معاني الكلمات (^٢):
الكلمة … معناها
آدم … قيل: هو أعجمي لا اشتقاق له، وقيل: هو عربي مشتق من أديم الأرض، لأنه خلق منه، وهو لا ينصرف للعَلَمية ووزن الفعل، إذ وزنه أفعل مثل أحمد.
ما دعوتني ورجوتني … أي: ما دمت تدعوني، وترجو مغفرتي، ولا تقنط من رحمتي، فإني أغفر لك، ولا يعظم عليَّ مغفرتك وإن كانت ذنوبك كثيرة.
وأما معنى الدعاء والرجاء: فالدعاء سؤال النفع والصلاح. والرجاء: تأميل الخير، وهو اعتقاد قرب وقوعه.
_________________
(١) أخرجه الترمذي برقم (٣٥٤٠) وقال: حسن غريب، وصححه الألباني. وأخرجه أحمد في المسند بنحوه، عن أبي ذر ﵁ برقم (٢١٤٧٢).
(٢) ينظر: شرح مشكاة المصابيح للطيبي (٦/ ١٨٤٥)، والتعيين في شرح الأربعين للصرصري (١/ ٣٣٤).
[ ٢٨٨ ]
ولا أبالي … كأنه قال: لا يشتغل بالي بهذا الأمر، لأنه سبحانه لا يسأل عما يفعل، والمعنى: ولا أتعظَّم على مغفرتك، وإن كانت ذنوبُك كثيرةً.
عنان السماء … العنان: السحاب، أي: ما ظهر منها، أو ما عنَّ لك فيها.
بقراب الأرض … ما يقارب مِلْأَها، وقيل: ملؤها وهو أشبه، لأن الكلام في سياق المبالغة، ومثله طباقُها وطلاعُها.
التعليق:
تضمن هذا الحديث العظيم ثلاثة أسباب للمغفرة:
السبب الأول: الدعاء مع الرجاء.
السبب الثاني: الاستغفار.
السبب الثالث: التوحيد والبراءة من الشرك.
قال ابن رجب ﵀ (^١): (فقد تضمن حديث أنس المبدوء بذكره أن هذه الأسباب الثلاثة يحصل بها المغفرة:
أحدها: الدعاء مع الرجاء:
فإن الدعاء مأمور به، وموعود عليه بالإجابة، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].
وفي السنن الأربعة عن النعمان بن بشير ﵁، عن النبي ﷺ، قال: «إن الدعاء هو العبادة» (^٢)، ثم تلا هذه الآية.
_________________
(١) ينظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب (٢/ ٤٠٢ - ٤١٨) باختصار.
(٢) أخرجه أبو داود برقم (١٤٧٩)، والترمذي برقم (٢٩٦٩)، وابن ماجه برقم (٣٨٢٨)، وأحمد في المسند برقم (١٨٣٥٢) عن النعمان بن بشير ﵁، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
[ ٢٨٩ ]
أسباب الإجابة:
لكن الدعاء سبب مقتض للإجابة مع استكمال شرائطه، وانتفاء موانعه، وقد تتخلف إجابته، لانتفاء بعض شروطه، أو وجود بعض موانعه.
ومن أعظم شرائطه: حضور القلب، ورجاء الإجابة من الله تعالى، كما خرجه الترمذي من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ، قال: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فإن الله لا يقبل دعاء من قلب غافلٍ لاهٍ» (^١).
ولهذا نهي العبد أن يقول في دعائه: اللهم اغفر لي إن شئت، ولكن ليعزم المسألة، فإن الله لا مكره له (^٢).
ونهي أن يستعجل، ويترك الدعاء لاستبطاء الإجابة (^٣)، وجعل ذلك من موانع الإجابة حتى لا يقطع العبد رجاءه من إجابة دعائه ولو طالت المدة، فإنه سبحانه يحب الملِحِّين في الدعاء.
وقال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]).
_________________
(١) أخرجه الترمذي برقم (٣٤٧٩)، وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وحسنه الألباني لشواهده. وأخرج نحوه أحمد في المسند برقم (٦٦٥٥)، عن عبد الله بن عمرو ﵄ بسند فيه ابن لهيعة، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٤٨)، وقال: رواه أحمد، وإسناده حسن، وحسنه المنذري في الترغيب والترهيب (٢/ ٤٩١ - ٤٩٢).
(٢) لحديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة، فإنه لا مكره له». أخرجه البخاري برقم (٦٣٣٩)، ومسلم برقم (٢٦٧٩).
(٣) لحديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي». أخرجه البخاري برقم (٦٣٤٠)، ومسلم برقم (٢٧٣٥).
[ ٢٩٠ ]
فما دام العبد يلح في الدعاء، ويطمع في الإجابة من غير قطع الرجاء، فهو قريب من الإجابة، ومن أدمن قرع الباب، يوشك أن يفتح له.
ومن أهم ما يسأل العبد ربه مغفرة ذنوبه، أو ما يستلزم ذلك كالنجاة من النار، ودخول الجنة، وقد قال النبي ﷺ: «حولها ندندن» (^١)، يعني: حول سؤال الجنة والنجاة من النار.
ومن رحمة الله تعالى بعبده أن العبد يدعوه بحاجة من الدنيا، فيصرفها عنه، ويعوضه خيرًا منها، إما أن يصرف عنه بذلك سوءًا، أو أن يدخرها له في الآخرة، أو يغفر له بها ذنبًا، كما في المسند وصحيح الحاكم عن أبي سعيد ﵁، عن النبي ﷺ، قال: «ما من مسلم يدعو بدعوة ليس له فيها إثم أو قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يكشف عنه من السوء مثلها»، قالوا: إذًا نكثر؟ قال: «الله أكثر» (^٢).
_________________
(١) أخرجه أبو داود برقم (٧٩٢)، وابن ماجه برقم (٩١٠)، وأحمد في المسند برقم (١٥٨٩٨)، ورواية ابن ماجه: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرَجُلٍ: «مَا تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ؟»، قَالَ: أَتَشَهَّدُ، ثُمَّ أَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ، وَأَعُوذُ بِهِ مِنْ النَّارِ، أَمَا وَاللَّهِ مَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ، وَلَا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ! قَالَ: «حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ».
(٢) أخرجه أحمد في المسند برقم (١١١٣٣)، والبخاري في الأدب المفرد برقم (٧١٠)، والحاكم في المستدرك برقم (١٨١٦) وقال: (صحيح الإسناد). وبنحوه أخرجه الترمذي برقم (٣٥٧٣)، عن عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ ﵁، حَدَّثَهُمْ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا عَلَى الأَرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللَّهَ بِدَعْوَةٍ إِلَّا آتَاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا، أَوْ صَرَفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا، مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: إِذًا نُكْثِرُ، قَالَ: «اللَّهُ أَكْثَرُ»، وَقال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وقال الألباني: حسن صحيح.
[ ٢٩١ ]
وبكل حال فالإلحاح بالدعاء بالمغفرة مع رجاء الله تعالى موجب للمغفرة، والله تعالى يقول: «أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء» (^١).
فمن أعظم أسباب المغفرة أن العبد إذا أذنب ذنبًا لم يرج مغفرته من غير ربه، ويعلم أنه لا يغفر الذنوب ويأخذ بها غيره.
وقوله: «إنك ما دعوتني ورجوتني، غفرتُ لك ما كان منك ولا أبالي»:
يعني: على كثرة ذنوبك وخطاياك، ولا يتعاظمني ذلك، ولا أستكثره، وفي الصحيح عن النبي ﷺ، قال: «إذا دعا أحدكم فليُعَظِّم الرغبةَ، فإن الله لا يتعاظمه شيء» (^٢).
فذنوب العبد وإن عظُمت فإن عفو الله ومغفرته أعظم منها وأعظم، فهي صغيرة في جنب عفو الله ومغفرته.
يا رب إن عظمت ذنوني كثرةً … فلقد علمت بأن عفوَك أعظمُ
إن كان لا يرجوك إلا محسنٌ … فمن الذي يرجو ويدعو المجرمُ
ما لي إليك وسيلةٌ إلا الرجا … وجميل عفوك ثم إني مسلم
السبب الثاني للمغفرة: الاستغفار:
ولو عظُمت الذنوب، وبلغت الكثرة عنان السماء، وهو السحاب، وقيل: ما انتهى إليه البصر منها.
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند برقم (١٦٠١٦)، والدارمي برقم (٢٧٧٣)، والحاكم في المستدرك برقم (٧٦٠٣) عن واثلة بن الأسقع، وقال الحاكم: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وقال الذهبي: صحيح وعلى شرط مسلم.
(٢) أخرجه مسلم برقم (٢٦٧٩) عن أبي هريرة ﵁.
[ ٢٩٢ ]
والاستغفار: طلب المغفرة، والمغفرة: هي وقاية شر الذنوب مع سترها.
وقد كثر في القرآن ذكر الاستغفار:
فتارة يؤمر به، كقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩]، وقوله: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣].
وتارة يمدح أهله، كقوله: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥].
وتارة يذكر أن الله يغفر لمن استغفره، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠].
وكثيرًا ما يقرن الاستغفار بذكر التوبة، فيكون الاستغفار حينئذ عبارة عن طلب المغفرة باللسان، والتوبة عبارة عن الإقلاع من الذنوب بالقلوب والجوارح.
وتارة يفرد الاستغفار، ويرتب عليه المغفرة، كما ذكر في هذا الحديث وما أشبهه، فقد قيل: إنه أريد به الاستغفار المقترن بالتوبة، وقيل: إن نصوص الاستغفار المفردة كلها مطلقة تقيَّد بما ذكر في آية «آل عمران» من عدم الإصرار؛ فإن الله وعد فيها بالمغفرة لمن استغفره من ذنوبه ولم يُصِرّ على فعله، فتحمل النصوص المطلقة في الاستغفار كلها على هذا المقيد.
ومجرد قول القائل: اللهم اغفر لي، طلب منه للمغفرة ودعاء بها، فيكون حكمه حكم سائر الدعاء، فإن شاء الله أجابه وغفر لصاحبه، لا سيما إذا خرج عن قلب منكسر بالذنب، أو صادف ساعة من ساعات الإجابة؛ كالأسحار وأدبار الصلوات.
[ ٢٩٣ ]
ويروى عن لقمان ﵇ أنه قال لابنه: «يا بني عود لسانك: اللهم اغفر لي، فإن لله ساعات لا يرد فيها سائلًا».
وقال الحسن: أكثروا من الاستغفار في بيوتكم، وعلى موائدكم، وفي طرقكم، وفي أسواقكم، وفي مجالسكم أينما كنتم، فإنكم ما تدرون متى تنزل المغفرة.
وعن مغيث بن سميّ، قال: بينما رجل خبيث، فتذكر يوما، فقال: اللهم غفرانك، اللهم غفرانك، اللهم غفرانك، ثم مات فغفر له.
ويشهد لهذا ما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ: «أن عبدًا أذنب ذنبًا، فقال: رب أذنبت ذنبا فاغفر لي، قال الله تعالى: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ به، غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنبًا آخر» (^١)، فذكر مثل الأول مرتين أخريين.
وفي رواية لمسلم أنه قال في الثالثة: «قد غفرت لعبدي، فليعمل ما شاء» (^٢)، والمعنى: ما دام على هذا الحال كلما أذنب استغفر، والظاهر أن مراده الاستغفار المقرون بعدم الإصرار.
ولهذا في حديث أبي بكر الصديق ﵁، عن النبي ﷺ، قال: «ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة». خرجه أبو داود والترمذي (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٧٥٠٧)، ومسلم برقم (٢٧٥٨).
(٢) أخرجه مسلم برقم (٢٧٥٨/ ٢٩)، وفي رواية البخاري السابقة: «غفرت لعبدي ثلاثًا، فليعمل ما شاء».
(٣) أخرجه أبو داود برقم (١٥١٤)، والترمذي برقم (٣٥٥٩) وقال: غريب، وليس إسناده بالقوي. وهذا الحديث حسنه ابن كثير في تفسيره (٢/ ١٢٥)، وقال: وجهالة مولى أبي بكر لا تضر، لأنه تابعي كبير، ويكفيه نسبته إلى أبي بكر.
[ ٢٩٤ ]
وأما استغفار اللسان مع إصرار القلب على الذنب، فهو دعاء مجرد إن شاء الله أجابه، وإن شاء رده.
وقد يكون الإصرار مانعا من الإجابة، وفي المسند من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا: «ويل للذين يصرون على ما فعلوا وهم يعملون» (^١).
وقول القائل: أستغفر الله، معناه: أطلب مغفرته، فهو كقوله: اللهم اغفر لي، فالاستغفار التام الموجب للمغفرة: هو ما قارن عدم الإصرار، كما مدح الله أهله، ووعدهم بالمغفرة.
قال بعض العارفين: من لم يكن ثمرة استغفاره تصحيح توبته، فهو كاذب في استغفاره.
وكان بعضهم يقول: استغفارنا هذا يحتاج إلى استغفار كثير، وفي ذلك يقول بعضهم:
أستغفر الله من أستغفر الله … من لفظة بدرت خالفتُ معناها
وكيف أرجو إجابات الدعاء وقد … سددتُ بالذنب عند الله مجراها
فأفضل الاستغفار ما اقتُرن به ترك الإصرار، وهو حينئذ توبة نصوح، وإن قال بلسانه: أستغفر الله وهو غير مقلع بقلبه، فهو داع لله بالمغفرة، كما يقول: اللهم اغفر لي، وهو حسن وقد يرجى له الإجابة.
وأما من قال: توبة الكذابين، فمراده أنه ليس بتوبة، كما يعتقده بعض الناس، وهذا حق، فإن التوبة لا تكون مع الإصرار.
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند برقم (٦٥٤١)، والبخاري في الأدب المفرد برقم (٣٨٠)، وصححه الألباني، ينظر: السلسلة الصحيحة برقم (٤٨٢).
[ ٢٩٥ ]
أفضل أنواع الاستغفار:
وأفضل أنواع الاستغفار: أن يبدأ العبد بالثناء على ربه، ثم يثني بالاعتراف بذنبه، ثم يسأل الله المغفرة، كما في حديث شداد بن أوس ﵁ عن النبي ﷺ، قال: «سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت». أخرجه البخاري (^١).
وفي الصحيحين (^٢) عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن أبا بكر الصديق ﵁ قال: يا رسول الله، علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: «قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم».
ومن أنواع الاستغفار أن يقول العبد: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه.
وقد روي عن النبي ﷺ أن من قاله غفر له وإن كان فرَّ من الزحف؛ أخرجه أبو داود والترمذي (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٦٣٠٦).
(٢) أخرجه البخاري برقم (٨٣٤)، ومسلم برقم (٢٧٠٥).
(٣) أخرجه أبو داود برقم (١٥١٧)، والترمذي برقم (٣٥٧٧) عن زيد أبو يسار، وهو غير زيد بن حارثة ﵄، قال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وصححه الألباني.
[ ٢٩٦ ]
وفي السنن الأربعة (^١) عن ابن عمر ﵄، قال: إن كنا لنعد لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد مائة مرة يقول: «رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور».
وفي صحيح البخاري (^٢) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ، قال: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة».
وفي صحيح مسلم (^٣) عن الأغرِّ المُزَني ﵁، عن النبي ﷺ، قال: «إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة».
وفي سنن أبي داود (^٤) عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ، قال: «من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب».
قال أبو هريرة ﵁: «إني لأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم ألف مرة، وذلك على قدر ديتي».
وقالت عائشة ﵂: (طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا).
قال أبو المنهال: ما جاور عبد في قبره من جار أحب إليه من استغفار كثير. وبالجملة، فدواء الذنوب الاستغفار.
_________________
(١) أخرجه الترمذي برقم (٣٤٣٤)، وأبو داود برقم (١٥١٦)، وابن ماجه برقم (٣٨١٤)، وأحمد في المسند برقم (٤٧٢٦)، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه الألباني.
(٢) أخرجه البخاري برقم (٦٣٠٧).
(٣) أخرجه مسلم برقم (٢٧٠٢).
(٤) سنن أبي داود برقم (١٥١٨)، وأخرجه ابن ماجه برقم (٣٨١٩)، وأحمد في المسند برقم (٢٢٣٤).
[ ٢٩٧ ]
قال قتادة: إن هذا القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم، فأما داؤكم: فالذنوب، وأما دواؤكم: فالاستغفار.
ومن زاد اهتمامه بذنوبه، فربما تعلق بأذيال من قلت ذنوبه، فالتمس منه الاستغفار.
وكان عمر ﵁ يطلب من الصبيان الاستغفار، ويقول إنكم لم تذنبوا، وكان أبو هريرة ﵁ يقول لغلمان الكتاب: قولوا: اللهم اغفر لأبي هريرة ﵁، فيؤمِّن على دعائهم.
ومن كثرت ذنوبه وسيئاته حتى فاقت العدد والإحصاء، فليستغفر الله مما علم الله، فإن الله قد علم كل شيء وأحصاه، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦].
وفي حديث شداد بن أوس ﵁، عن النبي ﷺ: «أسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب» (^١).
_________________
(١) أخرجه الترمذي برقم (٣٤٠٧)، والنسائي برقم (١٣٠٤)، وأحمد في المسند برقم (١٧١١٤)، ولفظ أحمد عن حسان بن عطية، قال: كان شداد بن أوس ﵁، في سفر، فنزل منزلًا، فقال لغلامه: (ائتنا بالسفرة نعبث بها)، فأنكرت عليه، فقال: ما تكلمت بكلمة منذ أسلمت إلا وأنا أخطمها وأزمها غير كلمتي هذه، فلا تحفظوها علي، واحفظوا مني ما أقول لكم: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا كنز الناس الذهب والفضة، فاكنزوا هؤلاء الكلمات: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وأسألك حسن عبادتك، وأسألك قلبًا سليمًا، وأسألك لسانًا صادقًا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب»، وصححه الحاكم في المستدرك برقم (١٨٧٢).
[ ٢٩٨ ]
وفي مثل هذا يقول بعضهم:
أستغفر الله مما يعلم الله … إن الشقيَّ لمن لا يرحم الله
ما أحلمَ الله عمن لا يراقبُه … كلٌّ مسيءٌ ولكن يحلم الله
فاستغفر الله مما كان من زلل … طوبى لمن كف عما يكره الله
طوبى لمن حسُنت منه سريرتُه … طوبى لمن ينتهي عما نهى الله
السبب الثالث من أسباب المغفرة: التوحيد:
وهو السبب الأعظم، فمن فقده فقد المغفرة، ومن جاء به فقد أتى بأعظم أسباب المغفرة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. فمن جاء مع التوحيد بقراب الأرض -وهو ملؤها أو ما يقارب ملأها- خطايا، لقيه الله بقرابها مغفرة، لكن هذا مع مشيئة الله ﷿، فإن شاء غفر له، وإن شاء أخذه بذنوبه، ثم كان عاقبته ألَّا يخلد في النار، بل يخرج منها، ثم يدخل الجنة.
قال بعضهم: الموحِّد لا يلقى في النار كما يلقى الكفار، ولا يلقى فيها ما يلقى الكفار، ولا يبقى فيها كما يبقى الكفار، فإن كمُل توحيد العبد وإخلاصه لله فيه، وقام بشروطه كلها بقلبه ولسانه وجوارحه، أو بقلبه ولسانه عند الموت، أوجب ذلك مغفرة ما سلف من الذنوب كلها، ومنعه من دخول النار بالكلية.
فمن تحقق بكلمة التوحيد قلبه، أخرجت منه كل ما سوى الله محبةً وتعظيمًا وإجلالًا ومهابة، وخشية، ورجاء وتوكلًا، وحينئذ تُحرق ذنوبه وخطاياه كلها ولو كانت مثلَ زبد البحر، وربما قلبتها حسنات، كما سبق ذكره في تبديل السيئات حسنات، فإن هذا التوحيد هو الإكسير الأعظم، فلو وضع منه
[ ٢٩٩ ]
ذرة على جبال الذنوب والخطايا، لقلبها حسنات كما في المسند وغيره (^١)، عن أم هانئ ﵂، عن النبي ﷺ، قال: «لا إله إلا الله لا تترك ذنبًا، ولا يسبقها عمل».
إذا علقت نار المحبة بالقلب أحرقت منه كلَّ شيء ما سوى الرب ﷿، فطهر القلب حينئذ من الأغيار، وصلح عرشًا للتوحيد).
من فوائد الحديث:
أولًا: في الحديث بيان سعة رحمة الله تعالى، وأنه لا يقنط عباده من رحمته.
ثانيًا: فيه الحث على الدعاء مع الرجاء، وأنه من أسباب المغفرة.
ثالثًا: فيه الحث على الاستغفار وأنه من أسباب المغفرة.
رابعًا: فيه فضيلة الموت على التوحيد، والبراءة من الشرك وأهله.
خامسًا: فيه أن الإيمان شرط في غفران الذنوب التي هي دون الشرك، لأن الإيمان أصل يبنى عليه قبول الطاعات وغفران المعاصي.
أما مع الشرك فلا أصل يبني عليه ذلك: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] (^٢).
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه برقم (٣٧٩٧)، والطبراني في الكبير برقم (١٠٧١)، وفيه ضعف.
(٢) ينظر: التعيين في شرح الأربعين للصرصري (١/ ٣٣٦).
[ ٣٠٠ ]