عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: «يَا مُحَمَّدُ، عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ، وَأَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُ اللَّيْلِ، وَعِزَّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ» (^١). رواه الطبراني.
معاني الكلمات (^٢):
الكلمة … معناها
فإنك مفارقه … بموت أو غيره، وما من أحد في الدنيا إلا وهو ضيف، وما بيده عارية، والضيف مرتحل والعارية مؤداة.
شرف المؤمن … علاه ورفعته.
وعزُّه … قوته وغلبته على غيره.
استغناؤه عن الناس … اكتفاؤه بما قسم له، وعدم النظر إلى ما في أيدي الناس، أو سؤالهم إياه.
التعليق:
يرشد هذا الحديث إلى قصر الأمل، وعدم الاغترار بالصحة والقوة، فإن الموت هو نهاية كل حي، وأنه ينبغي إعداد الزاد ليوم المعاد، وذلك بالعمل الصالح الذي ينجي صاحبه يوم القيامة، كقيام الليل، فإنه شرف المؤمن في الدنيا
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٤٢٧٨)، والحاكم في المستدرك (٧٩٢١)، وصححه ووافقه الذهبي، وأورده الألباني في السلسلة الصحيحة (٨٣١)، وحسنه لطرقه.
(٢) ينظر: التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي (١/ ٢١).
[ ٣٥٠ ]
والآخرة، وليس معنى ذلك أن يكون المرء منقطعًا للعبادة، يعيش عالة على غيره، بل عليه أن يعمل في الدنيا ليستغني عن الناس ويكون عزيزًا بينهم.
قال الصنعاني ﵀ (^١): قوله: («أتاني جبريل فقال: يا محمد عش ما شئت»، العيش: الحياة، من: عاش يعيش عيشًا ومعيشة، والمراد بالأمر: قدِّر في نفسك أيَّ غايةٍ تريدها في الحياة، «فإنك ميت»: وإذا كان لا بد من الموت، فطويل الحياة وقصيرها سواء، كما قيل:
كلُّ عمرٍ يكون آخرَه الموتُ … سواءٌ طويلُه والقصير
وليس المراد الإخبار بأن بعد الحياة موتًا، فإنه معلوم، بل المراد الاستعداد لأخذ الزاد، والإرشاد إلى ذلك.
ثم قال: «وأحبب من شئت فإنك مفارقه»:
إرشاد إلى قطعِ العلائق عن محبةِ كلِّ من غايةُ حبِّه الفراق، ودلالة على محبة الإنسان لمن يلازمه، حيث كان في الدنيا في اليقظة والمنام والصحة والسقام، والغنى والإعدام، والشدة والرخاء، والممات والمحيا، فهو معه في لحده وقبره وحشره ونشره، وذلك مولاه الذي أوجده من العدم، وغمره بما لا يحصيه من النعم، وهو الذي ينجيه من كل كرب وهم وغم، وهو الذي يشفيه إن مسَّه السقم، كما قال الخليل ﵇: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٧٩ - ٨٢].
ثم قال: «واعمل ما شئت»: من خير وشر، من باب قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، «فإنك ملاقيه»، أي: ملاق جزاءه إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.
_________________
(١) ينظر: التنوير شرح الجامع الصغير للصنعاني (١/ ٢٨٦).
[ ٣٥١ ]
ثم قال: «واعلم»: الأمر بهذه الصيغة، لا يأتي إلا إذا كان بعده أمر عظيم له شأن وخطر، وهو هنا قوله: «إن شرف المؤمن قيامُه بالليل»:
والشرف: بتحريك فائه وعينه العلو، وهو عند الناس معروف في شرف الدنيا، بمال أو جاء أو نسب، فأخبر ﷺ ونبه بهذه الصيغة على خطأ اعتقاد أن الشرف فيما ذكر، بل هو في قيام الليل، والمراد: شرفه عند الله فإنه الشرف الحقيقي، وقيام الليل مراد به القيام بالعبادة من تلاوة وصلاة وذكر لله.
ثم قال: «وعزه استغناؤه عن الناس»:
العز: القوة والشدة والغلبة كما في النهاية، فأخبر ﷺ أن عزَّ المؤمن غير هذا، بل هو استغناؤه وعدم إنزاله لحاجاته بالناس، ومنه استغن عمن شئت تكن نظيره، فإنه لا يستغنى عنهم إلا من كمُلت ثقته بالله تعالى).
قال الغزالي ﵀ (^١): (القصد بهذا تأديب النفس عن البطر والأشر والفرح بنعيم الدنيا؛ بل بكل ما يزايله بالموت؛ فإنه إذا علم أن من أحب شيئًا يلزمه فراقه ويشقى لا محالة بفراقه شَغَلَ قلبه بحب من لا يفارقه وهو ذكر الله؛ فإن ذلك يصحبه في القبر فلا يفارقه، وكل ذلك يتم بالصبر أيامًا قلائل؛ فالعمر قليل بالإضافة إلى حياة الآخرة، وعند الصباح يحمد القوم السرى؛ فلا بد لكل إنسان من مجاهدة فراق ما يحبه وما فيه فرحه من أسباب الدنيا، وذلك يختلف باختلاف الناس فمن يفرح بمال أو جاه أو بقبول في الوعظ أو بالعز في القضاء والولاية أو بكثرة الاتباع في التدريس والإفادة، يترك أولًا ما به فرحه ثم يراقب الله حتى لا يشتغل إلا بذكر الله والفكر فيه، ويكف عن شهواته ووساوسه حتى يقمعَ مادتَها ويلزم ذلك بقية العمر فليس للجهاد آخر إلا الموت.
_________________
(١) ينظر: فيض القدير للمناوي (١/ ١٠٢)، وفتوح الغيب للطيبي (١١/ ٤٨٠).
[ ٣٥٢ ]
قيل: صاح طِيْطَوى (^١) بحضرة سليمان فقال: تدرون ما يقول؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: يقول: «كل حي ميت، وكل جديد بالٍ» (^٢)، وقال: النسر يقول في صياحه: «يا ابن آدم اعمل ما شئت، آخرك الموت»).
ثم أرشد النبي ﷺ إلى ما يجعل العبد عزيزًا شريفًا عند الله وعند الناس، فقيام الليل يجعله عزيزًا عند الله، والاستغناء عن الناس يجعله عزيزًا عند الناس، ولهذا قال حاتم لأحمد وقد سأله: ما السلامة من الدنيا وأهلها؟ قال: أن تغفر لهم جهلهم، وتمنع جهلك عنهم، وتبذل لهم ما في يدك، وتكون مما في أيديهم آيسًا.
قال الغزالي ﵀ (^٣): (ومن لا يؤثر عزَّ النفس على شهوة البطن فهو ركيك العقل، ناقص الإيمان، ففي القناعة العزُّ والحرية، ولذلك قيل: استغن عمن شئت فأنت نظيره، واحتج إلى من شئت فأنت أسيره، وأحسن إلى من شئت فأنت أميره. وقال بعضهم: الفقر لباس الأحرار، والغنى بالله لباس الأبرار، والقيام انتصاب القامة.
ولما كانت هيئة الانتصاب أكمل هيآت من له القامةُ وأحسنها، استعير ذلك للمحافظة على استعمال الإنسان نفسَه في الصلاة ليلًا، فمعنى قيام الليل: المحافظة على الصلاة فيه، وعدم تعطيله باستغراقه بالنوم أو اللهو. قال الزمخشري ﵀: قام على الأمر: دام وثبت).
_________________
(١) طيطوى: طائر، على وزن نينوى. ينظر: تهذيب اللغة للهروي (١٤/ ٣٩). قيل: لم يَصِحْ للبَيْن مِنْهُم صُرَدٌ … وغرابٌ لَا وَلَكِن طِيطَوَى ينظر: تاج العروس للزبيدي (٣٦/ ٢٣٥).
(٢) ينظر: تفسير البغوي (٦/ ١٤٨)، وتفسير القرطبي (١٣/ ١٦٦).
(٣) ينظر: فيض القدير للمناوي (١/ ١٠٢).
[ ٣٥٣ ]
قال الغزالي ﵀ (^١): (جَمَعَتْ هذه الكلمات حكم الأولين والآخرين وهي كافية للمتأمل فيها طول العمر، إذ لو وقف على معانيها، وغلبت على قلبه غلبة يقين استغرقته، وحالت بينه وبين النظر إلى الدنيا بالكلية، والتلذذ بشهواتها، وقد أوتي المصطفى ﷺ جوامع الكلم وكل كلمة من كلماته بحر من بحور الحكمة).
من فوائد الحديث:
أولًا: تضمن هذا الحديث التنبيه على قصر الأمل، والتذكير بالموت، ومفارقة الأهل والأحباب.
ثانيًا: وفيه اغتنام العمر في العبادة والتحذير من الغفلة.
ثالثًا: وفيه عدم الاغترار بالاجتماع والقوة والشباب، فإن الموت يأتي بغتة.
رابعًا: وفيه الحث على التهجد وعمارة ساعات الليل بالصلاة والذكر والدعاء وتلاوة القرآن.
خامسًا: وفيه بيان جلالة علم جبريل ﵇.
_________________
(١) ينظر: فيض القدير للمناوي (١/ ١٠٢).
[ ٣٥٤ ]