عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُرِيدُ سَفَرًا فَزَوِّدْنِي، قَالَ: «زَوَّدَكَ اللَّهُ التَّقْوَى»، قَالَ: زِدْنِي، قَالَ: «وَغَفَرَ ذَنْبَكَ»، قَالَ: زِدْنِي بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، قَالَ: «وَيَسَّرَ لَكَ الخَيْرَ حَيْثُمَا كُنْتَ» (^١). رواه الترمذي.
معاني الكلمات (^٢):
الكلمة … معناها
فزودني … من التزويد، وهو إعطاءُ الزاد، يعني به: ادعُ لي، ودعاؤُك خيرُ الزاد.
زودك الله التقوى … بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي، والاستغناء عن المخلوق.
بأبي أنت وأمي … أي: أفديك بهما، وأجعلهما فداءك، فضلًا عن غيرهما.
التعليق:
نِعْمَ الزاد هذه الدعوات.
في هذا الحديث ما يدل على أن طلب المسلم الدعاء من أخيه المسلم جائز لا حرج فيه؛ للأدلة المتكاثرة الواردة في الكتاب والسنة النبوية، وهي تدل على
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٤٤٤)، وابن خزيمة في صحيحه برقم (٢٥٣٢)، والحاكم في المستدرك برقم (٢٤٧٧)، والبزار في مسنده برقم (٦٩٣٣)، وقال الترمذي: حسن غريب، وصححه الألباني.
(٢) ينظر: شرح مشكاة المصابيح للطيبي (٦/ ١٩٠٢)، ومرقاة المفاتيح للهروي (٤/ ١٦٩١).
[ ٤١١ ]
جواز طلب الدعاء من الآخرين، خاصة إذا كان طلب الدعاء ممن هو مشهور بالخير والصلاح، ومن الأدلة على ذلك:
١ - قول الله ﷿ عن إخوة يوسف: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٩٧].
٢ - حديث أويس القرني ﵁ الطويل، أن النبي ﷺ قال لعمر ﵁: «يَأْتِي عَلَيْكُم أُوَيْسُ بنُ عَامِرٍ فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ»، فَأَتَى أُوَيْسًا ﵁ فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي (^١).
٣ - عن صفوان ﵁ وهو ابن عبد الله بن صفوان-، وكانت تحته الدرداء ﵂، قال: قدمت الشام، فأتيت أبا الدرداء ﵁ في منزله، فلم أجده ووجدت أم الدرداء، فقالت: أتريد الحج العام، فقلت: نعم، قالت: فادع الله لنا بخير، فإن النبي ﷺ كان يقول: «دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملَكٌ موكل كلما دعا لأخيه بخير، قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل» (^٢).
٤ - عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: استأذنت النبيَّ ﷺ في العمرَة، فأَذِنَ لي وقال: «لا تَنسَنَا يا أخي مِنْ دُعائك»، فقال كلمةَ ما يَسُرُّني أن لي بها الدُّنيا، قال شعبةُ: ثم لقيت عاصمًا بعد بالمدينة فحدثَنيه، وقال: «أشْرِكنا يا أُخَي في دُعائِكَ» (^٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (٢٥٤٢) عن عمر بن الخطاب ﵁.
(٢) أخرجه مسلم برقم (٢٧٣٣).
(٣) أخرجه أبو داود برقم (١٤٩٨)، والترمذي برقم (٣٥٦٢)، وابن ماجه برقم (٢٨٩٤)، وأحمد في المسند برقم (١٩٥)، وقال الترمذي: حسن صحيح، وضعفه الألباني وغيره.
[ ٤١٢ ]
وأما الأحاديث التي فيها طلب الصحابة الدعاء والاستغفار من النبي ﷺ فهي كثيرة جدًّا.
وقد قرر جواز طلب المسلم الدعاء من أخيه المسلم كثير من أهل العلم، حتى نقل الإمام النووي ﵀ الإجماع عليه، حيث يقول (^١): (باب استحباب طلب الدعاء من أهل الفضل، وإن كان الطالب أفضل من المطلوب منه، والدعاء في المواضع الشريفة، اعلم أن الأحاديث في هذا الباب أكثر من أن تحصر، وهو مجمع عليه).
كما قرر حكم الجواز أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقال (^٢): (طلب الدعاء مشروع من كل مؤمن لكل مؤمن …؛ فلهذا كان طلب الدعاء جائزًا كما يطلب منه الإعانة بما يقدر عليه، والأفعال التي يقدر عليها).
ويقول أيضًا (^٣): (ويشرع للمسلم أن يطلب الدعاء ممن هو فوقه وممن هو دونه).
وقال ابن رجب ﵀ (^٤): (ينبغي للمنقطعين طلب الدعاء من الواصلين لتحصل المشاركة).
ويقول الصاوي المالكي ﵀ (^٥): (يندب للعائد طلب الدعاء منه -أي: من المريض-).
_________________
(١) ينظر: الأذكار (ص ٦٤٣).
(٢) ينظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (١/ ٣٢٦ - ٣٢٩).
(٣) المصدر السابق (٢٧/ ٦٩).
(٤) ينظر: لطائف المعارف (ص ٢٣٧).
(٥) ينظر: حاشية الصاوي على الشرح الصغير (٤/ ٧٦٣).
[ ٤١٣ ]
ويقول الشيخ ابن باز ﵀ (^١): (طلب الدعاء من الأخ في الله أو الأخت في الله لا حرج فيه).
من فوائد الحديث:
أولًا: فيه استحباب مجيء المسافر للصالحين من أصحابه، وسؤالهم الدعاء (^٢).
ثانيًا: يندب لكلِّ من ودع مسافرًا أن يقول هذا الدعاء له، ويحصل أصل السنة بقوله: زودك الله التقوى، والأكمل الإتيان بما ذكر كله (^٣).
ثالثًا: قوله: «زودك الله التقوى»، أي: زادك أن تتقي محارم الله، وتتجنب معاصيه.
رابعًا: وفيه أن خير ما يتزود به الإنسان تقوى الله ﷿، وقد قال الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧].
_________________
(١) باختصار من فتاوى نور على الدرب (٢/ ١٤٣) جمع الشويعر، ينظر: موقع الإسلام سؤال وجواب على شبكة الإنترنت بإشراف الشيخ محمد المنجد. https:// islamqa.info/ ar/ answers/ ١٦٣٦٣٢
(٢) ينظر: دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين للبكري (٥/ ٢٠٣).
(٣) ينظر: فيض القدير للمناوي (٤/ ٦٦).
[ ٤١٤ ]