عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عيسى، أخيه، قال: دخلت على عبد الله بن عكيم أبي معبد الجهني، أعودُه وبه حُمْرةٌ، فقلنا: ألا تعلِّق شيئًا؟ قال: الموت أقرب من ذلك، قال النبي ﷺ: «من تعلق شيئًا وُكل إليه» (^١).
معاني الكلمات:
الكلمة … معناها
أعوده … أزوره زيارة مريض.
حُمْرة … مرض جلدي حاد، قال الأَزهري: (الحُمْرَةُ من جنس الطواعين) (^٢).
ألا تعلق شيئًا … أي: من التعاويذ.
من تعلَّق شيئًا … أي: من علق على نفسه شيئًا من التعاويذ والتمائم وأشباهها معتقدًا أنها تجلب إليه نفعًا أو تدفع عنه ضرًّا.
وُكِل إليه … أي: خُلي إلى ذلك الشيء وترك بينه وبينه.
التعليق:
في الحديث النهي عن تعلق شيء من التمائم والحروز رجاء النفع ودفع الضر،
_________________
(١) أخرجه الترمذي برقم (٢٠٧٢)، وأحمد في المسند برقم (١٨٧٨١)، والحاكم في المستدرك برقم (٧٥٠٣)، وحسته الألباني كما في صحيح الترمذي برقم (١٦٩١).
(٢) ينظر: لسان العرب لابن منظور (٤/ ٢٠٨).
[ ١٦١ ]
وفي الحديث عن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من تعلَّق تميمةً فلا أتمَّ الله له، ومن تعلَّق ودَعَةً فلا ودَع اللهُ له» (^١).
قال السيد الشيخ أبو الطيب صديق بن حسن القنوجي ﵀ (^٢): (إن العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، اختلفوا في جواز تعليق التمائم التي من القرآن وأسماء الله تعالى وصفاته.
فقالت طائفة: يجوز ذلك، وهو قول ابن عمرو بن العاص ﵁، وهو ظاهر ما روي عن عائشة ﵂، وبه قال أبو جعفر الباقر وأحمد ﵀ في رواية، وحملوا الحديث يعني حديث ابن مسعود ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الرقى والتمائم التولة شرك» (^٣)؛ على التمائم التي فيها شرك.
وقالت طائفة: لا يجوز ذلك، وبه قال: ابن مسعود ﵄ وابن عباس ﵄ وهو ظاهر قول حذيفة ﵁ وعقبة بن عامر ﵁ وابن عكيم ﵁، وبه قال جماعة من التابعين، منهم: أصحاب ابن مسعود ﵄ وأحمد ﵀ في رواية اختارها كثير من أصحابه.
وجزم به المتأخرون واحتجوا بهذا الحديث وما في معناه.
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند برقم (١٧٤٠٤)، وأبو يعلى في المسند برقم (١٧٥٩)، والطحاوي في شرح معاني الآثار برقم (٧١٧٢)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة برقم (١٢٦٦).
(٢) ينظر: الدين الخالص للقنوجي (٢/ ١٧٢).
(٣) أخرجه أبو داود برقم (٣٨٨٣)، وابن ماجه برقم (٣٥٣٠)، وأحمد في المسند برقم (٣٦١٥)، وابن حبان في صحيحه برقم (٦٠٩٠)، والطبراني في الكبير برقم (٨٨٦٢)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (٣٣١).
[ ١٦٢ ]
قال بعض العلماء: وهذا هو الصحيح لوجوه ثلاثة، تظهر للمتأمل:
الأول: عموم النهي ولا مخصص للعموم.
الثاني: سد الذريعة فإن يفضي إلى تعليق من ليس كذلك.
الثالث: أنه إذا علَّق فلا بد أن يمتهنه المعلِّق؛ بحمله معه في حال قضاء الحاجة والاستنجاء ونحو ذلك.
قال: وتأمل هذه الأحاديث وما كان عليه السلف، يتبين لك بذلك غربة الإسلام، خصوصا إن عرفت عظيم ما وقع فيه الكثير بعد القرون المفضلة؛ من تعظيم القبور، واتخاذها مساجد، والإقبال إليها بالقلب والوجه، وصرف الدعوات والرغبات والرهبات وأنواع العبادات التي هي حقُّ الله تعالى إليها من دونه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٦ - ١٠٧]، ونظائرها في القرآن أكثر من أن تحصر. انتهى.
قلت: غربة الإسلام شيء، وحكم المسألة شيء آخر، والوجه الثالث المتقدم لمنع التعليق ضعيف جدًّا، لأنه لا مانع من نزع التمائم عند قضاء الحاجة ونحوها لساعة، ثم يعلقها (^١).
والراجح في الباب: أن ترك التعليق أفضل في كل حال، بالنسبة إلى التعليق الذي جوزه بعض أهل العلم، بناء على أن يكون بما ثبت لا بما لم يثبت، لأن التقوى لها مراتب، وكذا في الإخلاص، وفوق كل رتبة في الدين رتبة أخرى، والمحصِّلون لها أقلّ.
_________________
(١) المشاهد أن معظم من يتعلق مثل هذه الحروز لا يخلعونها عند دخول الخلاء، نسيانًا تارة وخوفًا من السرقة تارة أخرى، وبخاصة إذا كانت ثمينة من الذهب أو غيره، وبهذا يتضح قوة الوجه الثالث الذي اعترض عليه العلامة صديق حسن خان.
[ ١٦٣ ]
ولهذا ورد في الحديث في حق السبعين ألفًا، يدخلون الجنة بغير حساب أنهم: «هم الذين لا يرقون، ولا يسترقون» (^١)؛ مع أن الرُّقى جائزة وردت بها الأخبار والآثار والله أعلم بالصواب، والمتقي من يترك ما ليس به بأس خوفًا مما فيه بأس). انتهى كلامه بلفظه.
قال أبو الحسن المباركفوري ﵀ (^٢): (وزاد بعضهم وجهًا رابعًا: وهو إن فعل ذلك استهزاء بآيات الله ومناقضة لما جاءت به، فإن الله أنزل القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان وشفاء لما في الصدور، ولا يزيد الظالمين إلا خسارًا، وإنه لتذكرة للمتقين، ولم ينزل القرآنُ ليتخذ حجُبًا وتمائم، ولا ليتلاعب به المتأكِّلون به، الذين يشترون به ثمنًا قليلًا، والذين يقرؤونه على المقابر وأمثال ذلك مما ذهب بحرمة القرآن وجرَّأ رؤساء المسلمين على ترك الحكم به).
أما من تعلق شيئًا، واعتقد أن الشفاء من هذا الشيء لا من الله تعالى فلا شك أن هذا محرم، لأنه نوع من الشرك.
قال الحسين بن محمود المظهري ﵀ (^٣): (قوله: «مَنْ تعلَّق شيئًا وُكِلَ إليه»؛ يعني: مَنْ تمسَّك بشيءٍ من المداواة، واعتقد أن الشفاءَ منه لا من الله تعالى لم يَشفِه الله، بل وُكِلَ شفاؤُه إلى ذلك الشيء، وحينَئذٍ لا يحصل شفاؤُه؛ لأن الأشياءَ لا تنفعُ ولا تضرُّ بغير أمر الله تعالى، ولذلك مَنْ اعتقد حصولَ الرزق أو دفعَ البلاء أو تحصيلَ مطلوبٍ من شيءٍ بغير أمر الله تعالى فهو داخلٌ في هذا الحديث).
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٥٧٥٢)، ومسلم برقم (٢٢٠) عن ابن عباس ﵄.
(٢) ينظر: مرعاة المفاتيح للمباركفوري (٨/ ٢٤٠).
(٣) ينظر: المفاتيح في شرح المصابيح للمظهري (٥/ ٨٤).
[ ١٦٤ ]
من فوائد الحديث:
الأول: في الحديث التزام السلف بما حث عليه النبي ﷺ من فضائل، ومن ذلك عيادة المرضى، فقد قال النبي ﷺ: «من عاد مريضًا لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع»، قيل: يا رسول الله وما خرفة الجنة؟ قال: «جناها» (^١).
الثاني: في الحديث تفاوت السلف في العلم، وأن بعض المسائل المهمة كانت تخفى على بعضهم، فإذا عرفوها عملوا بها.
الثالث: فيه النهي عن التعالاق وكراهتهم لما نهى عنه النبي ﷺ وأن الموت أحب إليهم من اقترافه.
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (٢٥٦٨) عن ثوبان ﵁.
[ ١٦٥ ]