عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا؛ مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة» (^١).
معاني الكلمات (^٢):
الكلمة … معناها
من أحصاها … اختُلف في معنى الإحصاء على أقوال:
الأول: بمعنى: الحفظ، يريد أنه يعدها ليستوفيَها حفظًا، أي: من حفظها دخل الجنة. وفي الحديث عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، قال: «لله تسعة وتسعون اسمًا، من حفظها دخل الجنة، وإن الله وتر، يحب الوتر» (^٣).
والثاني: أن يكون الإحصاء بمعنى: الإطاقة، كقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠]، أي: لن تطيقوا قيام الليل، فمعناه: من أطاق العمل بها.
وبيان العمل بها: أن من أسمائه الحكيم، فالعمل بذلك التحكيم لحكمته حتى لا يوجد من العبد اعتراض على أفعاله.
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٢٧٣٦)، ومسلم برقم (٦/ ٢٦٧٧).
(٢) ينظر: مطالع الأنوار لابن قرقول (٢/ ٤٩٧)، وكشف المشكل لابن الجوزي (٣/ ٤٣٠)، وفتح الباري لابن حجر الباري (١/ ٤٠٦).
(٣) أخرجه البخاري برقم (٦٤١٠)، ومسلم برقم (٢٦٧٧).
[ ٤٢ ]
ومنها السميع، فالعمل بذلك الحياء منه، وكف اللسان عن القبيح لأنه يسمع، وعلى هذا سائر الأسماء. وهذا الوجه اختيار ابن عقيل.
والثالث: أن يكون الإحصاء بمعنى: العقل والمعرفة، فيكون معناه: من عرفها وعقل معناها وآمن بها دخل الجنة، مأخوذ من الحصاة، وهو العقل، قال طرفة:
وإن لسان المرء ما لم يكن له … حصاة على عوراته لدليل
والعرب تقول: فلان ذو حصاة، أي: عقل.
والرابع: أن يكون المراد بالحديث: من قرأ القرآن حتى يختمه، فيستوفي هذه الأسماء في القرآن، حكاه أبو سليمان عن أبي عبد الله الزبيري.
التعليق:
إن أسماء الله تدل على ذاته، وكلها حسنى، وجمهور العلماء على أنه لا حصر لها، أما الحديث الذي سردها فليس في الصحيحين (^١).
والإحصاء: هو أنَّ من عدها وحفظها وعقلها وآمن بمقتضاها وعمل بها دخل الجنة.
قال النووي ﵀ (^٢): (واتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه ﷾، فليس معناه: أنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين،
_________________
(١) وإنما أخرجه الترمذي برقم (٣٥٠٧)، عن أبي هريرة ﵁، وقال: هذا حديث غريب …، ولا نعلم في كبير شيء من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث. وقد روى آدم بن أبي إياس، هذا الحديث بإسناد غير هذا عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ وذكر فيه الأسماء وليس له إسناد صحيح.
(٢) ينظر: شرح النووي على مسلم (١٧/ ٥).
[ ٤٣ ]
وإنما مقصود الحديث أن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها، لا الإخبار بحصر الأسماء، ولهذا جاء في الحديث الآخر: «أسألك بكل اسم سميت به نفسك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك» (^١).
وقد ذكر الحافظ أبو بكر بن العربي المالكي عن بعضهم أنه قال: لله تعالى ألف اسم، قال ابن العربي: وهذا قليل فيها، والله أعلم.
وأما تعيين هذه الأسماء، فقد جاء في الترمذي وغيره، وفي بعض أسمائه خلاف. وقيل: إنها مخفية التعيين كالاسم الأعظم، وليلة القدر ونظائرها).
قال ابن الجوزي ﵀ بعد ذكر هذه الأوجه السابقة في تفسير الإحصاء (^٢): (فلما رأينا في بعض طرق الصحيح أن معنى الإحصاء الحفظ اخترنا ذلك الوجه، وآثرنا ذكر هذه الأسماء لتحفظ.
وقد اختلفت ألفاظ الرواة في عدِّها، وهذا سياق ما ذكره محمد بن إسحاق بن خزيمة، من طريق أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة:
الله، الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي،
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند برقم (٣٧١٢، ٤٣١٨)، عن ابن مسعود ﵁.
(٢) ينظر: كشف المشكل لابن الجوزي (٣/ ٤٣٦).
[ ٤٤ ]
المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الأحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالى، البر، التواب، المنتقم، العفو، الرءوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور.
وقد روي عن عبد العزيز بن الحصين، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا» فذكرها، وعد منها:
الرب، المنان، الكافي، البادئ، الدائم، المولى، النصير، الجميل، الصادق، المحيط، المبين، القريب، الفاطر، العلام، المليك، الأكرم، المدبر، الوتر، ذو المعارج، ذو الطول، ذو الفضل. غير أن عبد العزيز هذا ليس بالقوي في النقل).
شرح معاني بعض الأسماء الحسنى (^١):
وللفائدة فإني أنقل هنا شرح مختصر لبعض أسماء الله الحسنى، فأقول:
* فأما الله: فروي عن الخليل روايتان: إحداهما: أنه ليس بمشتق، والثانية: أنه مشتق.
وقال بعض من رآه مشتقًّا: إنه من الوَلَهِ؛ لأن القلوب تولَه نحوه.
وقال قوم: ألِه يألَه بمعنى: عبد يعبد.
قال ابن هبيرة ﵀ (^٢): (وهذا اسم علم لم يتسَمَّ به غيرُه ﷻ.
_________________
(١) ينظر: الإفصاح عن معاني الصحاح لابن هبيرة (٦/ ٣١٦)، وكشف المشكل لابن الجوزي (٣/ ٤٣٧)، ومرعاة المفاتيح للمباركفوري (٧/ ٤٢٧).
(٢) ينظر: الإفصاح عن معاني الصحاح لابن هبيرة (٦/ ٣١٦).
[ ٤٥ ]
وقال أهل العربية فيه أقوالًا، رأيت أن مجموع معانيها في النطق الذي يخلص عن سوء الأدب فيها: هو أن يقال: إن الله اسمٌ يستنبط منه استحقاقُه العبودية، وأنه محبوب القلوب التي لا تزال تتوله إليه، وأنه الرفيع والمعبود، فسمى الله سبحانه نفسه هذا الاسم الذي يتجلى عن هذه المعاني كلها، قبل أن يخلق خلقه، وقبل أن ينطق بشر اللسان العربي، لعلمه سبحانه أنه سيخلق بشرًا منهم العرب؛ الذي ينتهي الأمر إليهم، وتقوم الساعة عليهم، فيستدلون من لغتهم على معاني هذا الاسم العظيم).
* وأما الرحمن: فهو الذي عظمت رحمته.
* والرحيم: أرق من الرحمن وأبلغ في اللطف، كما أن الرحمن أبلغ في الكثرة.
* والرب: المالك، ولا يطلق الرب إلا على الله ﷿؛ فأما إذا ذكر لغيره، ذكر مقيدًا؛ كقولهم: ربُّ الدار.
* والقدوس: الطاهر من العيوب، المنزه عن كل نقص.
* والسلام: الذي سلم من كل عيب ونقص.
* والمؤمن: الذي آمن المؤمنين من عذابه، والذي يصدق ما وعد.
* والمهيمن: أصله: المؤتمن، وقيل: الشهيد.
* والعزيز: المنيع.
* والجبار: فعَّال من الجبر، أي: يجبر الكسر.
* والخالق: الفاطر المبتدئ.
* والمصور: مرتِّبُ الأشكال والصور.
* والحليم: الذي لا يعجل.
[ ٤٦ ]
* والعليم: فعيل من العلم، بمعنى: عالم.
* والسميع: فعيل من السمع، بمعنى: سامع.
* وكذلك البصير.
* والحي: الدائم الحياة.
* والقيوم: فعول من القيام بالقسط للمبالغة.
* والواسع: الغني، على أنه واسع العفو والغفران.
* والخبير: المطلع على دقائق الأمور.
* والحنان: الذي يحنو على عباده.
* والفتاح: الحاكم.
* والحكم: الحاكم أيضًا.
* والعدل: الذي لا يجور.
* واللطيف: البر بعباده الذي يلطف بهم من حيث لا يعلمون، ويسبب لهم مصالحهم، وهو المحيط بكل دقيق من الأمور، كما يحيط بكل جليل.
* والشكور: الذي يشكر اليسير من الطاعة فيثيب عليه.
* والشاكر: فهو سبحانه يشكر على ما هو المنعم به.
* والحفيظ: الحافظ.
* والمقيت: المقتدر.
* والحسيب: الكافي.
* والجليل: العظيم.
* والرقيب: الحافظ.
[ ٤٧ ]
* والودود: فيه وجهان: أحدهما: أن يكون (فعولًا) في محل (مفعول)، كما يقال: هيوب بمعنى: مهيب، فهو سبحانه مودود في قلوب أوليائه.
والثاني: أن يكون بمعنى الواد، أي: أنه يودُّ عباده الصالحين، بمعنى: أنه يحبهم ويرضى عنهم، وهو الذي كلما قُطع وصل، وكلما عُصي رزق.
* والمجيد: الواسع الكرم.
* والوكيل: الكافي.
* والمتين: الشديد القوة.
* والولي: الناصر.
* والحميد: المحمود.
* والقيوم: القائم الدائم بلا زوال.
* والواجد: الغني.
* والماجد بمعنى المجيد.
* والأحد: المنفرد بالمعني الذي لا يشاركه فيه أحد.
* والواحد: المنفرد بالذات.
* والصمد: السيد.
* والظاهر: بالحجج، وهو الذي ظهر فوق كل شيء وعلاه.
وقيل: هو الذي عرف بطرق الاستدلال العقلي؛ بما ظهر لهم من آثار أفعاله وأوصافه.
* والباطن: المحتجب عن أبصار الخلائق وأوهامهم فلا يدركه بصر ولا يحيط به وهم.
[ ٤٨ ]
* والوالي: أي: مالك الأشياء جميعها المتصرف فيها. وقيل: المتولي لجميع أمور خلقه.
* والمتعالى: البالغ في العلو المرتفع عن النقص. وقيل: الذي جلَّ عن إفك المفترين وعلا شأنه. وقيل: الذي جلَّ عن كل وصف وثناء، وهو متفاعل من العلو. وقال الجزري: هو المتنزه عن صفات المخلوقين تعالى أن يوصف بها ﷿.
* والرءوف: فعول من الرأفة. وقيل: الرحيم.
* والمقسط: العادل.
* والغني: المستغني عن كل شيء، لا يحتاج إلى أحد في شيء، وكل أحد يحتاج إليه، وهذا هو الغني المطلق، ولا يشارك الله فيه غيره.
* والمغني: الذي يغني من يشاء من عباده عن غيره، ويعطي من يشاء ما يشاء.
* والمانع: الناصر.
* والنور: أنه بنوره يبصر ذو العماية، لأنه نور كل موجود؛ فمن ذلك حقُّه ودينه وشرعه، كل ذلك ليس في شيء منه خفاء ولا إشكال.
* والبديع: الذي لا نظير له، وله معنيان:
الأول: الذي لا نظير له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولا في مصنوعاته، فهو البديع المطلق، ويمتنع أن يكون له مثيل أزلًا وأبدًا.
والمعنى الثاني: أنه المبدع الذي أبدع الخلق من غير مثال سابق.
* والوارث: الباقي بعد فناء الخلق.
* والرشيد: (فعيل) بمعنى (مفعل)، فمعناه: الذي أرشد الخلق إلى مصالحهم.
[ ٤٩ ]
* والصبور: الذي لا يعاجل العصاة.
* والمنان: الكثير العطاء، الذي يتابع عطاياه.
* والغفور: من الغفران، وهو كثير المغفرة.
* والشكور: فعول من الشكر.
* والمجيد: فعيل من المجد للمبالغة، فهو الذي له المجد العظيم، والمجد هو عظمة الصفات وسعتها، فكلُّ وصف من أوصافه عظيم شأنه.
* والمبدئ: وهو المنشئ لكل خلق.
* والمعيد: لكل ميت؛ ولكل خير بدأ به.
* والأول: هو السابق لكل أول.
* والآخر: هو الباقي بعد فناء كل شيء.
* والمدبر: هو المنفرد بتدبيره في عباده وأرضه وسمائه.
* والمالك: هو الذي يملك كل شيء مالك، وما يملك ذلك المالك.
* والقاهر: الذي يقهر كل جبار وعات ومعاند.
* والهادي: الذي يهدي كل ضال.
* والجميل: هو الجميل الصنع، جميل الستر، جميل الصفح، جميل الأخذ، جميل الذكر، جميل العادة.
* والكفيل: هو الذي تكفل بكل ضائع، وبكل ما وعد على لسان رسله.
* والمبين: البين أمره في الوحدانية.
* والأكرم: الذي لا يوازيه كريم، وقد يكون بمعنى الكريم، كالأعز بمعنى العزيز.
[ ٥٠ ]
* والكريم: الجواد، والكريم: العزيز.
* والرفيع: هو المرتفع عن كل دناءة.
* والشهيد: فهو الذي لا يغيب، ولا يغيب عنه شيء.
* والخلاق: فعال من الخلق، للتكثير.
* والواسع: هو الغني، كما أنه واسع العفو والغفران.
* وذو المعارج: أنه سبحانه تعرج إليه أعمال بني آدم.
* وذو الفضل: ذو الخير الدائم المعروف بالفضل.
* وذو الجلال والإكرام: أنه أهل أن يجل ويكرم.
من فوائد الحديث:
الأول: فيه إشارة إلى عظمة الله تعالى، وذلك لكثرة أسمائه الحسنى التي تدل على كماله وعظمته وجلاله.
الثاني: فيه فضل أسماء الله الحسنى، وفضل إحصائها ومعرفتها.
الثالث: ليس في الحديث ما يدل على حصر أسمائه سبحانه في هذه التسعة والتسعين، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها، لا الإخبار بحصر الأسماء.
الرابع: فيه ما يدل على أن الأعمال الصالحة سبب لدخول الجنة.
[ ٥١ ]