عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَرَأَيْتَ الحَمْوَ؟ قَالَ: «الحَمْوُ المَوْتُ». متفق عليه (^١).
معاني الكلمات (^٢):
الكلمة … معناها
إياكم … تحذير بالغ، أي: احذروا غاية الحذر.
الدخول على النساء … أي: الأجنبيات، على وجه الخلوة بهن.
الحمو … أخو الزوج أو قريبه.
الحمو الموت … أي: دخوله على زوجة أخيه يشبه الموت في الاستقباح والمفسدة، فهو محرم شديد التحريم، وهذا نحو قولهم: الأسد الموت، أي: أنه يفضي لقاؤه إلى الموت، والمراد موت الدين.
وإنما بالغ بهذا التشبيه لتساهل الناس في ذلك حتى كأنه ليس بأجنبي، وقد بالغ مالك في هذا الباب حتى منع خلوة المرأة بابن زوجها وإن كانت جائزة؛ لأن موقع ذلك من الرجل ليس كموقعه من أمه؛ لأن ذلك قد استحكمت فيه النفرة العادية.
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٥٢٣٢)، ومسلم برقم (٢١٧٢).
(٢) ينظر: التنوير شرح الجامع الصغير للصنعاني (٤/ ٣٩٥).
[ ١٠٢ ]
التعليق:
اهتم الإسلام بالمحافظة على الأعراض والأنساب، فسد الذرائع التي تفضي إلى انتهاك الأعراض واختلاط الأنساب، ولذلك منع النبي ﷺ من دخول الرجال على النساء الأجنبيات على وجه الخلوة بهن، لأن فيه من المفاسد ما هو معلوم مشاهد لكل أحد، وقد وقعت كثير من جرائم الزنا، وانتهاك الأعراض، وتلويث الشرف والسمعة، بسبب التساهل في هذا الهدي النبوي الشريف، وفي الحديث: «ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان» (^١).
قال الحافظ العراقي ﵀ (^٢): (قوله: «إياكم والدخول»: هو بالنصب على التحذير، وهو تنبيه المخاطب على محذور يجب الاحتراز عنه فقوله: «إياكم»: مفعول بفعل واجب الإضمار تقديره: اتقوا ونحوه.
واستعمال مثل هذا اللفظ هنا يدل على تحذير شديد ونهي أكيد، وهو كقول العرب: إياك والأسد وإياك والشر.
ثانيًا: فيه تحريم الدخول على النساء، وله شرطان:
أحدهما: أن لا يكون الداخل زوجًا للمدخول عليها ولا محرمًا، ويدل له ما في صحيح مسلم (^٣) عن جابر ﵁ مرفوعًا: «لا يبيتن رجل عند امرأة ثيب إلا أن يكون ناكحًا، أو ذا محرم»، وإنما خص فيه الثيب بالذكر؛ لأنها التي يدخل عليها غالبًا، وأما البكر فمصونة في العادة، فهي أولى بذلك.
_________________
(١) أخرجه الترمذي برقم (٢١٦٥)، وأحمد في المسند برقم (١١٤ - ١٧٧) عن عمر بن الخطاب ﵁، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب، وصححه الألباني.
(٢) ينظر: طرح التثريب للحافظ العراقي (٧/ ٤٠).
(٣) أخرجه مسلم برقم (٢١٧١).
[ ١٠٣ ]
ثانيهما: أن يتضمن الدخول الخلوة، ويدل له ما في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: «لا يخلُوَنَّ رجل بامرأة، إلا مع ذي محرم»، وهذا لفظ البخاري (^١)، ولفظ مسلم (^٢): «إلا ومعها ذو محرم».
وما في صحيح مسلم (^٣) أيضًا من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ مرفوعًا: «ألا لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان»؛ على أن هذا مشكل على المشهور عند أصحابنا أنه تحرم خلوة الرجل بامرأتين فما فوقهما.
قال النووي ﵀ (^٤): (فيتأول الحديث على جماعة يبعد وقوع المواطأة منهم على الفاحشة؛ لصلاحهم أو مروءتهم أو غير ذلك، وقد أشار القاضي عياض ﵀ إلى هذا التأويل). انتهى.
فلو دخل بحضور الزوج جاز ذلك، وإليه أشار بقوله في الرواية الأخرى: «على المغيبات» (^٥): وهن اللاتي غاب عنهن أزواجهن، ولو كانت غيبتهن في البلد أيضًا من غير سفر، ويدل له قوله ﵊ في حديث الإفك: «وذكروا رجلًا صالحًا ما كان يدخل على أهلي إلا معي» (^٦)، ولا يكفي إذنه من غير حضوره، ولا حضور محرم.
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٥٢٣٣).
(٢) أخرجه مسلم برقم (١٣٤١).
(٣) أخرجه مسلم برقم (٢١٧٣).
(٤) ينظر: شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٥٥).
(٥) يشير إلى حديث عمرو بن العاص ﵁، قال: «نهانا رسول الله ﷺ أن ندخل على المغيبات». أخرجه أحمد في المسند برقم (١٧٧٦١)، وسيأتي من رواية الترمذي.
(٦) أخرجه البخاري برقم (٢٦٦١)، ومسلم برقم (٢٧٧٠)، عن عائشة ﵂.
[ ١٠٤ ]
وأما ما رواه الترمذي (^١) عن عمرو بن العاص ﵁: «أن رسول الله ﷺ نهانا أو نهى أن يدخل على النساء بغير إذن أزواجهن»، فإنه محمول على ما إذا انتفت الخلوة المحرمة، والقصد منه توقف جواز الدخول على إذن الزوج وإن انتفت الخلوة؛ لأن المنزل ملكه، فلا يجوز دخوله إلا بإذنه، والمعنى في تحريم الخلوة بالأجنبية؛ أنه مظنة الوقوع في الفاحشة بتسويل الشيطان.
وروى الترمذي (^٢) عن جابر ﵁ مرفوعًا: «لا تلِجُوا على المغيَّبات؛ فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم».
وروى النسائي (^٣) عن عمر ﵁ مرفوعًا: «لا يخلُوَنَّ رجل بامرأة؛ فإن الشيطان ثالثهما»، وقد حكى النووي وغيره الإجماع على تحريم الخلوة بالأجنبية، وإباحتها بالمحارم.
والمحرم: هي كل من حرم عليه نكاحها على التأبيد بسبب مباح لحرمتها.
فقولنا: على التأبيد؛ احتراز من أخت امرأته وعمتها وخالتها ونحوهن، ومن بنتها قبل الدخول بالأم.
وقولنا: بسبب مباح؛ احتراز من أمِّ الموطوءة بشبهة وبنتها، فإنهما حرام على التأبيد، لكن لا بسبب مباح، فإن وطء الشبهة لا يوصف بحل ولا حرمة ولا غيرهما؛ لأنه ليس فعل مكلف.
_________________
(١) سنن الترمذي برقم (٢٧٧٩)، وأخرجه أحمد في المسند برقم (١٧٨٠٥)، وحسنه الترمذي وصححه الألباني.
(٢) سنن الترمذي برقم (١١٧٢)، وأخرجه أحمد في المسند برقم (١٤٣٢٤)، عن جابر بن عبد الله ﵄، وقال الترمذي: غريب من هذا الوجه، وصححه الألباني لشواهده.
(٣) سنن النسائي الكبرى برقم (٩١٧٥ - ٩١٧٩ - ٩١٨١) عن عمر بن الخطاب ﵁، وأخرجه الترمذي وأحمد كما تقدم عن عمر ﵁.
[ ١٠٥ ]
وقولنا: لحرمتها؛ احتراز عن الملاعنة، فهي حرام على التأبيد، لا لحرمتها؛ بل للتغليظ).
وقال النووي ﵀ (^١): (وأما قوله ﷺ: «الحمو الموت»، فمعناه: أن الخوف منه أكثر من غيره، والشر يتوقع منه والفتنة أكثر؛ لتمكنه من الوصول إلى المرأة، والخلوة من غير أن ينكر عليه، بخلاف الأجنبي.
والمراد بالحمو هنا: أقارب الزوج، غير آبائه وأبنائه، فأما الآباء والأبناء فمحارم لزوجته، تجوز لهم الخلوة بها، ولا يوصفون بالموت، وانما المراد الأخ وابن الأخ، والعم وابنه ونحوهم ممن ليس بمحرم، وعادة الناس المساهلة فيه، ويخلو بامرأة أخيه، فهذا هو الموت، وهو أولى بالمنع من الأجنبي لما ذكرناه، فهذا الذي ذكرته هو صواب معنى الحديث).
من فوائد الحديث:
أولًا: فيه الحرص على سلامة الأعراض والأنساب، ووضع الضوابط التي تمنع انتهاكها.
ثانيًا: فيه دليل على تحريم الخلوة بالأجانب.
ثالثًا: فيه الحذر من تساهل المرأة مع أقرباء زوجها ممن لا تحرم عليهم على التأبيد.
_________________
(١) ينظر: شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٥٤).
[ ١٠٦ ]