عن أَنَسٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵇ قَالَ: «إذَا أَخْصَبَتِ الْأَرْضُ فَانْزِلُوا عَنْ ظَهْرِكُمْ فَأَعْطُوهُ حَقَّهُ مِنَ الْكَلَإِ، وَإِذَا أَجْدَبَتِ الْأَرْضُ فَامْضُوا عَلَيْهَا بِنِقْيِهَا، وَعَلَيْكُمْ بِالدُّلْجَةِ فَإِنَّ الْأَرْضَ تُطْوَى بِاللَّيْلِ» (^١).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا سَافَرْتُمْ فِي الْخِصْبِ، فَأَعْطُوا الْإِبِلَ حَظَّهَا مِنَ الْأَرْضِ، وَإِذَا سَافَرْتُمْ فِي السَّنَةِ، فَأَسْرِعُوا عَلَيْهَا السَّيْرَ، وَإِذَا عَرَّسْتُمْ بِاللَّيْلِ، فَاجْتَنِبُوا الطَّرِيقَ، فَإِنَّهَا مَأْوَى الْهَوَامِّ بِاللَّيْلِ» (^٢).
معاني الكلمات (^٣):
الكلمة … معناها
أخصبت الأرض … الخصبُ: هو كثرةُ العشبِ والمرعى وهو ضدُّ الجدب.
فأعطوه حقَّه من الكلأ … وفي حديث أبي هريرة ﵁: «من الأرض»، أي: فأعطوا الإبل حقها من العشب والماء والراحة.
_________________
(١) أخرجه أبو يعلى الموصلي في مسنده برقم (٣٦١٨)، والبزار في مسنده برقم (٦٣١٥)، والبيهقي في السنن الكبرى برقم (١٠٣٤٣)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار برقم (١١٣ - ١١٤). وصححه الألباني كما في السلسلة الصحيحة برقم (٦٨٢).
(٢) أخرجه مسلم برقم (١٩٢٦).
(٣) ينظر: المنتقى شرح الموطأ للباجي (٧/ ٣٠٥)، ومطالع الأنوار لابن قرقول (٤/ ١٢٧)، والتنوير شرح الجامع الصغير للصنعاني (٢/ ٧٥).
[ ٣١٩ ]
فامضوا عليها بنِقْيِها … أي: أسرعوا عليها السير ما دامت قوية عليه قبل الهزال والضعف، فإنكم إِنْ أبطأتم عَلَيْهَا فِي أَرض الجدب ضعفت وهزلت. والنِّقْيُ: بكسر النون: المخ، ثم يقال للشحم: نِقْيٌ. قال مالك: هو شحمُها وقوَّتها.
وعليكم بالدُّلْجة … وهي سير الليل، يقال: أدلج بالتخفيف؛ إذا سار من أول الليل. ودلج بالتشديد: إذا سار من آخره. والاسم منهما: الدلجة، والإدلاج: السير في ظلمة أول الليل.
السَّنة … القحط والجدب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٠]، أي: بالقحوط.
عرَّستم بالليل … نزلتم عن دوابكم بالليل للنوم والراحة.
الهوام … الحيات، وكل ذي سُمٍّ يقتل.
التعليق:
هذان الحديثان فيهما بعض التوجيهات النبوية للمسافرين، وذلك للتخفيف من مشقة السفر سواء على المسافرين، أو على الدواب التي تحملهم، وكذلك للحفاظ على سلامتهم من الدواب والحشرات أثناء الراحة والنوم.
قال أبو جعفر الطحاوي ﵀ (^١) عن الحديث الأول: (فتأملنا هذا الحديث فوجدنا فيه أمر رسول الله ﵇ في حال الخصب بالنزول عن الظهرِ، ليأخذ حاجتَه من الكلإ، وأمره في حال الجدب بالمُضِيِّ عليه بنِقْيِه، وهو مخيَّرٌ، وأمرهم مع ذلك أن يكون مسيرُهم عليه في الليل، لأن الأرض تُطوى فيه، فتكون المسافات فيه على الظهر دون المسافات في غير الليل).
_________________
(١) ينظر: شرح مشكل الآثار للطحاوي (١/ ١٠٦).
[ ٣٢٠ ]
وقال ابن عبد البر ﵀ (^١): (وأمر المسافر في الخصب بأن يمشي رويدًا ومهلًا، ويكثر النزول لترعى دابته، وتأكل من الكلأ وتنال من الحشيش والماء، هذا كله إذا كانت الأرض مخصَبةً، والسفر بعيدًا، ولم تضم صاحبه ضرورة إلى أن يجدَّ في السير، فإذا كان عام السَّنة، وأجدبت الأرض، فالسُّنة للمسافر أن يسرع السير، ويسعى في الخروج عنها، وبدابته شيء من الشحم والقوة إلى أرض الخصب.
والنِّقْيُ في كلام العرب: الشحمُ والودك.
وأما قوله: «فإن الأرض تطوى بالليل»: فمعناه والله أعلم: إن الدابة بالليل أقوى على المشي، إذا كانت قد نالت قوتها واستراحت نهارها تضاعف مشيُها، ولهذا ندب إلى سير الليل، والله أعلم بما أراد لا شريك له).
وقال النووي ﵀ في شرح الحديث الثاني (^٢): (ومعنى الحديث الحث على الرفق بالدواب ومراعاة مصلحتها، فإن سافروا في الخصب قلَّلوا السير وتركوها ترعى في بعض النهار وفي أثناء السير، فتأخذ حظها من الأرض بما ترعاه منها، وإن سافروا في القحط عجَّلوا السير ليصلوا المقصدَ وفيها بقيةٌ من قوتها، ولا يقللوا السير فيلحقها الضرر، لأنها لا تجد ما ترعى فتضعف ويذهب نقيُها، وربما كلت ووقفت.
وقد جاء في أول هذا الحديث في رواية مالك في الموطأ: «أن الله رفيقٌ يحبُّ الرفق (^٣).
_________________
(١) ينظر: التمهيد لابن عبد البر (٢٤/ ١٥٧).
(٢) ينظر: شرح النووي على مسلم (١٩/ ٦٩).
(٣) أخرجه مالك في الموطأ برقم (٢٠٦٢).
[ ٣٢١ ]
قوله ﷺ: «وإذا عرستم فاجتنبوا الطريق، فإنها طرق الدواب ومأوى الهوام بالليل»:
قال أهل اللغة: التعريس: النزول في أواخر الليل للنوم والراحة؛ هذا قول الخليل والأكثرين.
وقال أبو زيد: هو النزول أي وقت كان من ليل أو نهار، والمراد بهذا الحديث هو الأول، وهذا أدب من آداب السير والنزول، أرشد إليه ﷺ، لأنَّ الحشرات ودواب الأرض من ذوات السموم والسباع تمشي في الليل على الطرق لسهولتها، ولأنها تلتقط منها ما يسقط من مأكول ونحوه، وما تجد فيها من رمَّةٍ ونحوها، فإذا عرَّس الإنسان في الطريق، ربما مرَّ به منها ما يؤذيه، فينبغي أن يتباعد عن الطريق).
من فوائد الحديث:
الأول: فيه شفقة النبي ﷺ ورحمته بالناس والدواب.
الثاني: فيه استحباب المسير ليلًا؛ لأن الأرض تطوى للمسافر ليلًا.
الثالث: وفي حديث أبي هريرة ﵁ استحباب تعجيل السير عند القحط حتى لا تضعف الدابة عن مواصلة السير.
الرابع: فيه اجتناب الطريق عند النزول للنوم والاستراحة ليلًا لئلا يصاب بأذى من دواب الأرض وغيرها من الحشرات والزواحف وذوات السموم.
[ ٣٢٢ ]