عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الفَأْلُ الصَّالِحُ: الكَلِمَةُ الحَسَنَةُ» (^١).
وعنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ يُحَدِّثُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا عَدْوَى»، وَيُحَدِّثُ مَعَ ذَلِكَ: «لَا يُورِدُ الْمُمْرِضُ عَلَى الْمُصِحِّ» (^٢).
معاني الكلمات (^٣):
الكلمة … معناها
لا عدوى … معناه: أنه لا يعدي شيءٌ شيئًا، ولا يعدي سقيمٌ صحيحًا، والله يفعل ما يشاء، لا شيء إلا ما شاء.
ولا طيرة … الطيرة: من التطير: وهو التشاؤم بالشيء تراه أو تسمعه وتتوهم وقوع المكروه به.
الفأل … جَمْعُهُ: فؤول، كفلس وفلوس، وقد فسره النبي ﷺ بالكلمة الصالحة والحسنة والطيبة.
والممرض … الذي إبله مراض، وضده: المصح.
التعليق:
قوله ﷺ: «لا يورد صحيحٌ على ممرض»، لا ينافي ولا يتعارض مع قوله ﷺ: «لا عدوى»؛ لأن المقصود أن مخالطة المريض تهيئ
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٥٧٥٦)، ومسلم برقم (٢٢٢٤).
(٢) أخرجه مسلم برقم (٢٢٢١).
(٣) ينظر: شرح النووي على مسلم (١٤/ ٢١٩)، وكشف المشكل لابن الجوزي (٢/ ٣٧٢).
[ ٢٤٠ ]
فرصة للمرض أن يظهر لمن عنده استعداد وقابلية للمرض، أما النفي فإنه يرجع إلى اعتقاد أن العدوى تحصل بنفسها، وأنه لابد من وقوعها، والواقع ينافي ذلك، فكثير من الناس يخالطون المرضى ولا تحصل لهم أية عدوى، وكثير أيضًا يمرضون بغير مخالطة، وكثير تؤثر فيهم مخالطة المرضى فيمرضون، وكل ذلك بتقدير الله وإرادته، والله تعالى قد يعمل الأسباب ويفعلها ويجعلها مؤثرة، وقد يبطل أثرها وتأثيرها.
قال ابن الجوزي ﵀ (^١): (كانت العرب تتوهم الفعل في الأسباب، كما كانت تتوهم نزول المطر بفعل الأنواء، فأبطل النبي ﷺ ذلك بقوله: «لا عدوى»، وإنما أراد إضافة الأشياء إلى القدر، ولهذا قال في حديث أبي هريرة: «فمن أعدى الأول؟» (^٢)، ونهى عن الورود إلى بلد فيه الطاعون (^٣) لئلا يقف الإنسان مع السبب وينسى المسبب).
وقال النووي ﵀ (^٤): (قال جمهور العلماء: يجب الجمع بين هذين الحديثين، وهما صحيحان، قالوا: وطريق الجمع:
أن حديث: «لا عدوى»: المراد به نفي ما كانت الجاهلية تزعمه وتعتقده؛ أن المرض والعاهة تُعدي بطبعها لا بفعل الله تعالى.
وأما حديث: «لايورد ممرض على مصح»، فأرشد فيه إلى مجانبة ما
_________________
(١) ينظر: كشف المشكل لابن الجوزي (٢/ ٤٧١).
(٢) أخرجه البخاري برقم (٥٧٧٠) ومسلم برقم (٢٢٢٠).
(٣) أخرجه مسلم، كتاب السلام، باب الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها، حديث رقم (٢٢١٨)، عن أسامة بن زيد ﵁.
(٤) ينظر: شرح النووي على مسلم (١٤/ ٢١٣).
[ ٢٤١ ]
يحصل الضرر عنده في العادة بفعل الله تعالى وقدره، فنفى في الحديث الأول العدوى بطبعها، ولم ينف حصول الضرر عند ذلك بقدر الله تعالى وفعله.
وأرشد في الثاني إلى الاحتراز مما يحصل عنده الضرر بفعل الله وإرادته وقدره، فهذا الذي ذكرناه من تصحيح الحديثين والجمع بينهما، هو الصواب الذي عليه جمهور العلماء، ويتعين المصير إليه).
وقوله: «ولا طيرة»:
قال ابن عبد البر ﵀ (^١): (أصل التطير واشتقاقه عند أهل العلم باللغة والسير والأخبار، هو مأخوذ من زجر الطير ومروره، سانحًا أو بارحًا (^٢)، منه اشتقوا التطير، ثم استعملوا ذلك في كل شيء من الحيوان وغير الحيوان، فتطيروا من الأعور والأعضب والأبتر، وكذلك إذا رأوا الغراب أو غيره من الطير يتفلى أو ينتف.
ولإيمان العرب بالطيرة عقدوا الرتائم (^٣) واستعملوا القداح بالآمر والناهي والمتربص، وهي غير قداح الأيسار، وكانوا يشتقون الأسماء الكريهة مما يكرهون، وربما قلبوا ذلك إلى الفأل الحسن فرارًا من الطيرة، ولذلك سموا اللديغ سليمًا، والقفر مفازة، وكنوا الأعمى أبا البصير ونحو هذا.
فمن تطير جعل الغراب من الاغتراب والغربة، وجعل غصن البان من
_________________
(١) ينظر: التمهيد لابن عبد البر (٩/ ٢٨٢).
(٢) قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: (السنوح: ما جاء على اليسار. والبروح: ما جاء من قبل اليمين). ينظر: الاستذكار لابن عبد البر (٤/ ٣٧٨).
(٣) الرتائم: جمع رتيمة، وهي: خيط يشد في الأصبع لتستذكر به الحاجة. ينظر: النهاية لابن الأثير (٢/ ١٩٤).
[ ٢٤٢ ]
البينونة، والحَمام من الحِمام ومن الحميم ومن الحُمَّى، وربما جعلوا الحبل من الوصال، والهدهد من الهدى، وغصن البان من بيان الطريق، والعُقاب من عقبى خير، ومثل هذا كثير عنهم، إذا غلب عليهم الإشفاق تطيروا وتشاءموا، وإذا غلب عليهم الرجاء والسرور تفاءلوا، وذلك مستعمل عندهم فيما يرون من الأشخاص، ويسمعون من الكلام، فقال لهم رسول الله ﷺ: «لا طيرة»، ولا شؤم، فعرفهم أن ذلك إنما هو شيء من طريق الاتفاق، ليرفع عن المتوقع ما يتوقعه من ذلك كله، ويعلمه أن ذلك ليس يناله منه إلا ما كتب له).
وقوله: «ويعجبني الفأل الصالح: الكلمة الحسنة»:
قال ابن الجوزي ﵀ (^١): (هذا مثل أن يكون مريضًا فيسمع: يا سالم، فيتفاءل بالشفاء، وباغيًا شيئا فيسمع: يا واجد، فيتفاءل بوجوده. وقال الأزهري: الفأل فيما يحسن ظاهره ويرجى وقوعه بالخير. والطيرة لا تكون إلا فيما يسوء.
واعلم أنه إنما صار الفأل خير أنواع هذا الباب لأنه يصدر عن نطق وبيان، فكأنه خيرٌ جاء من غيب.
فأما سنوح الطير وبروحها فتكلُّفٌ من المتطير ما لا أصل له في البيان، إذ ليس هناك نطق فيستدل به على معنى فيه).
وقال الخطابي ﵀ (^٢): (قد أعلم النبيُّ ﷺ أن الفأل إنما هو أن يسمع الإنسانُ الكلمة الحسنة فيفأل بها، أي: يتبرك بها ويتأولها على المعنى الذي يطابق اسمَها، وأن الطيرة بخلافها، وإنما أخذت من اسم الطير، وذلك أن العرب كانت تتشاءم ببروح الطير، إذا كانوا في سفر أو مسير، ومنهم من كان
_________________
(١) ينظر: كشف المشكل لابن الجوزي (٣/ ٣٧٧).
(٢) ينظر: معالم السنن للخطابي (٣/ ٢٤٥)
[ ٢٤٣ ]
يتطير بسنوحِها فيصدهم ذلك عن المسير ويردُّهم عن بلوغ ما يمَّموه من مقاصدِهم، فأبطل ﷺ أن يكون لشيء منها تأثير في اجتلاب ضرر أو نفع، واستحب الفأل بالكلمة الحسنة يسمعها من ناحية حسن الظن بالله).
من فوائد الحديث:
أولًا: في الحديث بيان أنه لا عدوى تؤثر بذاتها، ولذلك لا ينبغي الجزم بأن فلانا قد انتقلت إليه العدوى من فلان، ولذلك جاء عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: «لا عدوى ولا صَفَر، ولا هامةَ»، فقال أعرابي: يا رسول الله، فما بال الإبل، تكون في الرمل كأنها الظباء، فيخالطها البعير الأجرب فيجربها؟ فقال رسول الله ﷺ: «فمن أعدى الأول».
يقول: إن أول بعير جرِب من الإبل لم يكن قبله بعير أجرب فيعديه، وإنما كان أول ما ظهر الجرب في أول بعير منها بقضاء الله وقدره، فكذلك ما ظهر منه في سائر الإبل بعد (^١).
قال النووي ﵀ (^٢): (معناه أن البعير الأول الذي جرب من أجربه، أي: وأنتم تعملون وتعترفون أن الله تعالى هو الذي أوجد ذلك من غير ملاصقة لبعير أجرب، فاعملوا أن البعير الثاني والثالث وما بعدهما إنما جرب بفعل الله تعالى وإرادته، لا بعدوى تعدي بطبعها.
ولو كان الجرب بالعدوى بالطبائع لم يجرب الأول لعدم المعدي، ففي الحديث بيان الدليل القاطع لإبطال قولهم في العدوى بطبعها).
_________________
(١) ينظر: معالم السنن للخطابي (٤/ ٢٣٣).
(٢) ينظر: شرح النووي على مسلم (١٤/ ٢١٧).
[ ٢٤٤ ]
وهذا فيه إثبات القدر لا نفي الأسباب، قال ابن القيم ﵀ (^١): (ولما قال: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة»، قال له رجل: أرأيت البعير يكون به الجرب فتجرب الإبل، قال: «ذاك القدر، فمن أجرب الأول؟»، ذكره أحمد (^٢).
ولا حجة في هذا لمن أنكر الأسباب، بل فيه إثبات القدر، وردُّ الأسباب كلها إلى الفاعل الأول؛ إذ لو كان كل سبب مستندًا إلى سبب قبله لا إلى غاية لزم التسلسل في الأسباب، وهو ممتنع؛ فقطع النبي ﷺ التسلسل بقوله: «فمن أعدى الأول»، إذ لو كان الأول قد جرب بالعدوى والذي قبله كذلك لا إلى غاية لزم التسلسل الممتنع).
ثانيًا: فيه النهي عن الطيرة.
ثالثًا: فيه استحباب الفأل الحسن وتوقع الخير والثقة في الله ﷾.
رابعًا: فيه الأخذ بأسباب السلامة، بعدم إيراد الممرض على المصح.
وفي الحديث: «وفرَّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد» (^٣).
_________________
(١) ينظر: إعلام الموقعين لابن القيم (٤/ ٣٠٢).
(٢) في المسند برقم (٤٧٧٥)، وأخرجه ابن ماجه برقم (٣٥٨٦) عن ابن عمر ﵄.
(٣) أخرجه البخاري برقم (٥٧٠٧) عن أبي هريرة ﵁.
[ ٢٤٥ ]