عن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ﵄، وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ يَقُولُ: أَعْطَانِي أَبِي عَطِيَّةً، فَقَالَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ ﵂: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: إِنِّي أَعْطَيْتُ ابْنِي مِنْ عَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ عَطِيَّةً، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «أَعْطَيْتَ سَائِرَ وَلَدِكَ مِثْلَ هَذَا؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَاتَّقُوا اللَّهَ، وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ»، قَالَ: فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ (^١).
التعليق:
هذا الحديث تمسك به الإمام أحمد في وجوب العدل في عطية الأولاد أن تفضيل أحدهم حرام وظلم.
وأجيب: بأن الجور: هو الميل عن الاعتدال، والمكروه أيضًا جور.
وقد زاد مسلم: «أشهد على هذا غيري»، وهو إذن بالإشهاد على ذلك، وحينئذ فامتناعه ﵊ من الشهادة على وجه التنزّه.
واستضعف هذا ابنُ دقيق العيد؛ بأن الصيغة وإن كان ظاهرها الإذن بهذا إلا أنها مُشعِرة بالتنفير الشديد عن ذلك الفعل، حيث امتنع ﵊ من مباشرة هذه الشهادة؛ معلّلًا بأنها جورٌ، فتخرج الصيغة عن ظاهر الإذنِ بهذه القرائن، وقد استعملوا مثل هذا اللفظ في مقصود التنفير (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٢٥٨٧)، ومسلم برقم (١٦٢٣).
(٢) ينظر: إحكام الأحكام لابن دقيق العيد (٢/ ١٥٤).
[ ٣٦٩ ]
قال: «فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم»، قال: «فرجع» بشير من عند النبي ﷺ «فردَّ عطيتَه» التي أعطاها للنعمان (^١).
وسئل سماحة الشيخ ابن باز ﵀ (^٢): ورد في الحديث: «اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم»، فهل المقصود المساواة المطلقة، أم للذكر مثل حظ الأنثيين أسوة في الميراث، فالحديث على ما أظن يقول: «أكلهم أعطيتهم مثل ذلك»، فكلمة مثل إن صحت توحي بالمساواة المطلقة، اللهم إلا إن كان يتكلم عن الذكور فقط، أفيدونا أفادكم الله؟
فأجاب: (الحديث صحيح، رواه الشيخان عن النعمان بن بشير ﵁، أن أباه أعطاه غلامًا، فقالت أمه: لا أرضى حتى يشهد رسول الله ﵊، فذهب بشير بن سعد إلى النبي ﷺ، وأخبره بما فعل، فقال: «أكل ولدك أعطيته مثل ما أعطيت النعمان؟»، فقال: لا؟ فقال الرسول ﷺ: «اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم»، فدل ذلك على أنه لا يجوز تفضيل بعض الأولاد على بعض في العطايا، أو تخصيص بعضهم بها؛ فكلهم ولده، وكلهم يرجى بره، فلا يجوز أن يخص بعضهم بالعطية دون بعض.
واختلف العلماء ﵏، هل يسوى بينهم، ويكون الذكر كالأنثى، أم يفضل الذكر على الأنثى كالميراث، على قولين لأهل العلم، والأرجح أن العطية كالميراث، وأن التسوية تكون بجعل الذكر كالأنثيين، فإن هذا هو
_________________
(١) ينظر: إرشاد الساري للقسطلاني (٤/ ٣٤٥).
(٢) ينظر: مجموع فتاوى ابن باز (٢٠/ ٤٩).
[ ٣٧٠ ]
الذي جعل الله لهم في الميراث، وهو سبحانه الحكم العدل، فيكون المؤمن في عطيته لأولاده كذلك، كما لو خلفه لهم بعد موته، للذكر مثل حظ الأنثيين، هذا هو العدل بالنسبة إليهم، وبالنسبة إلى أمهم وأبيهم، وهذا هو الواجب على الأب والأم، أن يعطوا الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين، وبذلك يحصل العدل والتسوية، كما جعل الله ذلك في الميراث، وهو عدل من أبيهم وأمهم).
من فوائد الحديث:
أولًا: في الحديث الندب إلى التأليف بين الأخوة، وترك ما يوقع بينهم الشحناء، ويورث العقوق للآباء.
ثانيًا: في الحديث كراهة تحمل الشهادة فيما ليس بمباح.
ثالثًا: وفيه مشروعية الإِشهاد في الهبة لإثباتها وتوثيقها وتأكيدها، وأن للإمام الأعظم أن يتحمل الشهادة.
رابعًا: وفيه ورع عمرة زوج بشير ﵄، لأنه لما حاك في صدرها هذه الهبة، أرادت تثبيتها بإشهاد النبي ﷺ عليها إن كانت صحيحة، فلما أبطلها النبي ﷺ ارتفع به جور لم يكن مقصودًا.
خامسًا: وفيه الأمر بالعدل بين الأبناء في العطايا والهبات، وعدم تفضيل بعضهم على بعض.
سادسًا: وفيه أن على الحاكم أو المفتي أن يستفسر عن الأمور التي قد تؤثر في الحكم، كما فعل النبي ﷺ مع بشير.
سابعًا: وفيه: جواز تسمية الهبة صدقة.
ثامنًا: وفيه: أمر الحاكم والمفتي بتقوى الله على كل حال.
تاسعًا: وفيه إشارة إلى طاعة الصحابة للنبي ﷺ ومسارعتهم في تنفيذ أحكامه وقضاياه (^١).
_________________
(١) ينظر هذه الفوائد في: عمدة القاري للعيني (١٣/ ١٤٧)، ومنار القاري (٤/ ١٥).
[ ٣٧١ ]