عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: «خالفوا المشركين: وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب» (^١).
معاني الكلمات (^٢):
الكلمة … معناها
وفِّروا اللِّحى … أي: اتركوها موفَّرةً.
أحفُوا الشوارب … قال الخطابيُّ: ويكون بمعنى الاستقصاء. يقال: أحفى شاربه ورأسه، وقال ابنُ دريد: يقال: حفَا شاربَه يحفوه حفوًا: إذا استأصل أخذ شعره.
التعليق:
كان النبي ﷺ يحبُّ مخالفةَ المشركين، ويخشى على أمته من التشبه بهم، واتباعهم في مظهرهم ومخبرهم.
قال ابن عبد البر ﵀ (^٣): (وكان ﷺ يحب مخالفة أهل الكتاب وسائر الكفار، وكان يخاف على أمته اتباعهم، ألا ترى إلى قوله ﷺ على جهة التعيير والتوبيخ: «لتتبعن سنن الذين كانوا قبلكم حذو النعل بالنعل، حتى إن أحدَهم لو دخل جُحر ضبٍّ لدخلتموه») (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٥٨٩٢)، ومسلم برقم (٢٥٩).
(٢) ينظر: إكمال المعلم للقاضي عياض (٢/ ٦٢)
(٣) ينظر: التمهيد لابن عبد البر (٥/ ٤٥).
(٤) أخرجه البخاري برقم (٧٣٢٠)، ومسلم برقم (٢٦٦٩)، عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «لتتبعن سنن الذين من قبلكم، شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم»، قلنا: يا رسول الله آليهود والنصارى؟ قال: «فمن».
[ ١٨٧ ]
ومن ذلك الأمر بإعفاء اللحى وجزُّ الشوارب مخالفة للمشركين، وفي حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «جزُّوا الشواربَ، وأرْخوا اللحى خالفوا المجوس» (^١).
لأن المجوس كانوا يقصرون لحاهم، ومنهم من كان يحلقها (^٢).
أما حكم حلق اللحية فقد قال السفاريني ﵀ (^٣): (وحاصل ما ذهب إليه إمامنا وعلماؤنا: تحريم حلق اللحية.
وقال أبو شامة من الشافعية: وقد حدَث قومٌ يحلقون لحاهم، وهو أشد مما نقل عن المجوس أنهم كانوا يقصُّونها.
وقال الإمام النووي (^٤): يستثنى من الأمر بإعفاء اللحى: ما لو نبت للمرأة لحية، فإنه يستحب لها حلقُها، وكذا لو نبت لها شارب أو عنفقة).
وأما الأخذ من اللحية فقد ذهب أكثر العلماء إلى جواز الأخذ غير الفاحش من طولها وعرضها إذا كانت تطول عن العادة (^٥).
وقد اختلف السلف هل لذلك حدٌّ؛ فمنهم من لم يحدد شيئًا في ذلك، إلا
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (٢٦٠).
(٢) ينظر: عمدة القاري للعيني (٢٢/ ٤٦).
(٣) ينظر: كشف اللثام للسفاريني (١/ ٣٧٤).
(٤) ينظر: شرح النووي على مسلم (٣/ ١٤٩).
(٥) ينظر: الاستذكار لابن عبد البر (٨/ ٤٢٩)، وشرح النووي على مسلم (٣/ ١٥١)، وفتح الباري لابن حجر (١٠/ ٣٥٠)، وعمدة القاري للعيني (٢٢/ ٤٧).
[ ١٨٨ ]
أنه لا يتركها لحد الشهرة ويأخذ منها، وكره مالك طولها جدًّا، ومنهم من حدد بما زاد على القبضة فيزال، ومنهم من كره الأخذ منها إلا في حج أو عمرة (^١).
قال ابن حجر ﵀ (^٢): (الذي يظهر أن ابن عمر كان لا يخصُّ هذا التخصيص بالنسك، بل كان يحمل الأمر بالإعفاء على غير الحالة التي تتشوه فيها الصورة، بإفراط طول شعر اللحية أو عرضه).
وأما إحفاء الشوارب؛ فمن العلماء من فهم منه الحلق أو الاستقصاء في الأخذ، ومنهم من فهم منه القص، للحديث الوارد في سنن الفطرة، ومنها قصُّ الشوارب (^٣).
قال ابن دقيق العيد ﵀ (^٤): (وقص الشارب مطلق، ينطلق على إحفائه، وعلى ما دون ذلك، واستحب بعض العلماء إزالة ما زاد على الشفة، وفسروا به قوله ﷺ: «وأحفوا الشوارب» (^٥)، وقوم يرون إنهاكَها، وزوال شعرها، ويفسرون به الإحفاء، فإن اللفظ يدل على الاستقصاء، ومنه: إحفاء المسألة، وقد ورد في بعض الروايات: «انهكوا الشواربَ» (^٦).
_________________
(١) ينظر: شرح النووي على مسلم (٣/ ١٥١).
(٢) ينظر: فتح الباري (١٠/ ٣٥٠).
(٣) وهو حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط». أخرجه البخاري برقم (٥٨٩١) ومسلم برقم (٢٥٧).
(٤) بنظر: إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد (١/ ١٢٤).
(٥) تقدم تخريجه.
(٦) روى هذه اللفظة البخاري برقم (٥٨٩٣) عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «انْهَكوا الشواربَ، وأعفوا اللِّحى».
[ ١٨٩ ]
والأصل في قص الشوارب وإحفائها وجهان:
أحدهما: مخالفة زي الأعاجم، وقد وردت هذه العلة منصوصة في الصحيح، حيث قال: «خالفوا المجوس» (^١).
والثاني: أن زوالها عن مدخل الطعام والشراب أبلغ في النظافة، وأنزه من وضر الطعام).
وقال الشوكاني ﵀ (^٢): (وقد اختلف الناس في حدِّ ما يُقص من الشارب، وقد ذهب كثير من السلف إلى استئصاله وحلقه لظاهر قوله: «أحفوا وانْهَكوا» وهو قول الكوفيين.
وذهب كثير منهم إلى منع الحلق والاستئصال، وإليه ذهب مالك، وكان يرى تأديب من حلقه، وروى عنه ابن القاسم أنه قال: إحفاء الشاربِ مُثْلَةٌ.
قال النووي ﵀: المختار أنه يقص حتى يبدو طرف الشفة ولا يحفيه من أصله، قال: وأما رواية: «أحفوا الشوارب»، فمعناه: أحفوا ما طال عن الشفتين، وكذلك قال مالك في الموطأ (^٣): يؤخذ من الشارب حتى يبدو أطراف الشفة.
قال ابن القيم ﵀ (^٤): وأما أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد، فكان مذهبهم في شعر الرأس والشوارب أن الإحفاء أفضل من التقصير.
وذكر بعض المالكية عن الشافعي أن مذهبه كمذهب أبي حنيفة في حلق الشارب، قال الطحاوي: ولم أجد عن الشافعي شيئا منصوصًا في هذا، وأصحابه
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (٢٦٠) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) ينظر: نيل الأوطار (١/ ١٤٨)، وقوله: مُثْلَةٌ: أي: تشويه.
(٣) ينظر: موطأ الإمام مالك برقم (٣٤٠٩).
(٤) ينظر: زاد المعاد لابن القيم (١/ ١٧٣).
[ ١٩٠ ]
الذين رأيناهم المزني والربيع كانا يحفيان شواربَهما، ويدل ذلك أنهما أخذاه عن الشافعي ﵀ (^١).
وروى الأثرم عن الإمام أحمد ﵀ أنه كان يحفي شاربه إحفاءً شديدًا، وسمعته يسأل عن السنة في إحفاء الشارب فقال: يُحفى (^٢).
وقال حنبل: قيل لأبي عبد الله: ترى للرجل يأخذ شاربه ويحفيه أم كيف يأخذه؟ قال: إن أحفاه فلا بأس، وإن أخذه قصًّا فلا بأس (^٣).
وقال أبو محمد: هو مخير بين أن يحفيه وبين أن يقصه.
وقد روى النووي في شرح مسلم (^٤) عن بعض العلماء أنه ذهب إلى التخيير بين الأمرين الإحفاء وعدمه).
من فوائد الحديث:
أولًا: في الحديث الأمر بمخالفة المشركين في هديهم الظاهر.
ثانيًا: فيه الأمر بإطلاق اللحية والنهي عن حلقها.
ثالثًا: فيه الأمر بإحفاء الشارب على الخلاف في معنى الإحفاء، هل هو القص أم الإزالة.
_________________
(١) ينظر: التمهيد لابن عبد البر (٢١/ ٦٤).
(٢) ينظر: الجامع لعلوم الإمام أحمد (١٣/ ٣٨٢).
(٣) ينظر: الوقوف والترجل في مسائل الإمام أحمد للخلال (ص ١٢٧)، والجامع لعلوم الإمام أحمد (١٣/ ٣٨٢).
(٤) ينظر: شرح النووي على مسلم (٣/ ١٥١).
[ ١٩١ ]