عَنِ الأَغَرِّ الْمُزَنِىِّ ﵁ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ-، أن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قال: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِى، وَإِنِّى لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ» (^١). رواه مسلم.
معاني الكلمات (^٢):
الكلمة … معناها
يغان على قلبي … يُغطَّى ويلبَّس على قلبي، وأصله من الغين: وهو الغطاء، وكل حائل بينك وبين شيء فهو غين، ولذلك قيل للغيم: غين، فالغيمُ والغَين وَاحِد.
التعليق:
تنوعت أقوال العلماء في معنى الغين الذي كان يغشى قلب النبي ﷺ سعيًا منهم إلى تنزيه مقام النبوة عن الغفلة المذمومة.
قال أبو حاتم ﵀ (^٣): (قوله ﷺ: «إنه ليغان على قلبي»، يريد به: يرِدُ عليه الكربُ من ضيق الصدر، مما كان يتفكر فيه ﷺ بأمر اشتغاله كان بطاعة عن طاعة، أو اهتمامه بما لم يعلمْ من الأحكام قبل نزولها، كأنه كان يعدُّ ﷺ عدم علمه بمكةَ بما في سورة البقرة من الأحكام قبل
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (٢٧٠٢).
(٢) ينظر: معالم السنن للخطابي (١/ ٢٩٥)، والمعلم بفوائد مسلم للمازري (٣/ ٣٣٠)، وإكمال المعلم للقاضي عياض (٨/ ١٩٧).
(٣) ينظر: صحيح ابن حبان (٣/ ٢١١)، تعليقًا على حديث برقم (٩٣١).
[ ٣٦ ]
إنزال الله إياها بالمدينة ذنبًا، فكان يغان على قلبه لذلك حتى كان يستغفر الله كل يوم مئة مرة، لا أنه كان يغان على قلبه من ذنب يذنبه كأمته ﷺ.
وقال النووي ﵀ (^١): (قال أهل اللغة: الغين بالغين المعجمة، والغيم بمعنى، والمراد هنا: ما يتغشى القلب. قال القاضي: قيل: المراد الفترات والغفلات عن الذكر الذي كان شأنُه الدوامَ عليه، فإذا فتر عنه أو غفل عدَّ ذلك ذنبًا واستغفر منه.
قال: وقيل: هو همُّه بسبب أمته، وما اطلع عليه من أحوالها بعده، فيستغفر لهم. وقيل سببه: اشتغاله بالنظر في مصالح أمته وأمورهم ومحاربة العدو ومداراته وتأليف المؤلفة ونحو ذلك، فيشتغل بذلك من عظيم مقامه، فيراه ذنبًا بالنسبة إلى عظيم منزلته، وإن كانت هذه الأمور من أعظم الطاعات وأفضل الأعمال، فهي نزول عن عالي درجته ورفيع مقامه؛ من حضوره مع الله تعالى، ومشاهدته ومراقبته، وفراغه مما سواه، فيستغفر لذلك.
وقيل: يحتمل أن هذا الغين هو السكينة التي تغشى قلبه؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾، ويكون استغفاره إظهارًا للعبودية والافتقار وملازمة الخشوع، وشكرًا لما أولاه، وقد قال المحاشي: خوف الأنبياء والملائكة خوف إعظام، وإن كانوا آمنين عذاب الله تعالى.
وقيل: يحتمل أن هذا الغين حال خشية وإعظام يغشى القلب، ويكون استغفاره شكرًا كما سبق. وقيل: هو شيء يعتري القلوب الصافية مما تتحدث به النفس فهو منها. والله أعلم).
_________________
(١) ينظر: شرح النووي على مسلم (١٧/ ٢٣).
[ ٣٧ ]
وقال ابن الجوزي ﵀ (^١): (قلت: ويحتمل معنيين: أحدهما أن معرفة الله ﷿ عند العارف كل لحظة تزيد لما يستفيده من العلم به سبحانه، فهو في صعود دائم، فكأن النبي ﷺ كان كلما ارتقى عن مقام بما يستفيده من العلم بالله ﷿ حين قال له: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] يرى ذلك الذي كان فيه نقصًا وغطاء، فيستغفر من الحالة الأولى.
ومن هذا المعنى قيل: حسنات الأبرار ذنوب المقربين؛ هذا واقع وقع لي.
ثم رأيت ابن عقيل قد ذكر مثل ذلك فقال: كان يترقى من حال إلى حال، فتصير الحالة الأولى بالإضافة إلى الثانية من التقصير كالذنب فيقع الاستغفار لما يبدو له من عظمة الرب، وتتلاشى الحال الأولى بما يتجدد من الحال الثانية.
والمعنى الثاني: أن التغطية على قلبه كانت لتقوية الطبع على ما يلاقي، فيصير بمثابة النوم الذي تستريح فيه الأعضاء من تعب اليقظة، وذلك أن الطاعة على الحقائق ومواصلة الوحي تضعف قلبه وتوهن بدنه، وقد أشار ﷿ إلى هذا في قوله: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]، وقوله: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١]، فلولا أنه كان يتعاهد بالغفلة لما عاش بدنه لثقل ما يعرض له.
وشاهد هذا ما يلحقه من البرحاء والعرق عند الوحي، وقد كان ﵇ يتعرض لهذه التغطية بأسباب يلطف فيها طبعه كالمزاح ومسابقة عائشة ﵂، وتخير المستحسنات، وكل ذلك ليعادل عنده من قوة اليقظة.
فإن قيل: على هذا فكيف يتعرض بشيء ثم يستغفر منه؟ قلنا: لأنه يرى
_________________
(١) ينظر: كشف المشكل لابن الجوزي (٤/ ٢٣١).
[ ٣٨ ]
تلك الحالة بالإضافة إلى الجد تقصيرًا، إلا أن الحاجة تدعو إليها، فتكون بمثابة زمن الأكل والنوم والغائط).
وفي حوار أجراه الشيخ الدريعي مع أحد المشايخ، ومما قاله الشيخ في تعليقه على هذا الحديث: (إنه ﷺ ينشغل بأمور الدعوة والتخطيط لعز الإسلام، وأحيانًا تستغرق هذه كثيرًا من وقته فتشغله عن ذكر الله والتلاوة والصلاة فيكون قد انشغل قلبه في أمور فاضلة عن الأمور التي هي أفضل).
وهذا الكلام حسن وجيد، وإن كنت لم أقتنع به قناعة تامة؛ لأن الدعوة ولوازمها من المكمِّلات لها هي رسالَتُه ومهمَّتُهُ التي بُعث من أجلها؛ فانشغاله بها هي ذكر لله تعالى، ولكن لعله كان يستغفر لما في الانشغال بهذه الأمور من كثرة ملاقاة الخلق ومنهم الكفار والمنافقون وأهل الجفاء والغلظة، ومداراتهم، فعدَّ ذلك مما يستغفر منه.
الأنبياء معصومون:
قال الحافظ ابن حجر ﵀ (^١): (وقد استشكل وقوع الاستغفار من النبي ﷺ وهو معصوم، والاستغفار يستدعي وقوع معصية، وأجيب بعدة أجوبة، منها ما تقدم في تفسير الغين.
ومنها قول ابن الجوزي: هفوات الطباع البشرية لا يسلم منها أحد، والأنبياء وإن عُصموا من الكبائر فلم يعصموا من الصغائر، كذا قال، وهو مفرع على خلاف المختار، والراجح عصمتهم من الصغائر أيضًا.
ومنها قول ابن بطال: الأنبياء أشد الناس اجتهادًا في العبادة لما أعطاهم الله تعالى من المعرفة، فهم دائبون في شكره معترفون له بالتقصير. انتهى.
_________________
(١) ينظر: فتح الباري لابن حجر (١١/ ١٠١).
[ ٣٩ ]
ومحصل جوابه: أن الاستغفار من التقصير في أداء الحق الذي يجب لله تعالى.
ويحتمل أن يكون لاشتغاله بالأمور المباحة من أكل أو شرب أو جماع أو نوم أو راحة، أو لمخاطبة الناس والنظر في مصالحهم، ومحاربة عدوهم تارة ومداراته أخرى، وتأليف المؤلفة وغير ذلك، مما يحجبه عن الاشتغال بذكر الله والتضرع إليه ومشاهدته ومراقبته، فيرى ذلك ذنبًا بالنسبة إلى المقام العلي وهو الحضور في حظيرة القدس.
ومنها: أن استغفاره تشريع لأمته أو من ذنوب الأمة، فهو كالشفاعة لهم).
من فوائد الحديث:
أولًا: أهمية القلب، فهو ملك الأعضاء، والمعوَّل عليه في صلاح الإنسان وفساده، كما قال النبي ﷺ: «ألا وإن في الجسد مضغة: إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (^١).
ثانيًا: عدم الاغترار بالطاعة، وإنما ينبغي على المرء أن يشعر دائمًا بالتقصير، فإذا كان النبي ﷺ وهو سيد الخلق وحبيب الحق يغان على قلبه، فكيف بمن دونه، نسأل الله أن يعصمنا من الزلل.
ثالثًا: كثرة الاستغفار تجلو القلب وتنيره، وتمحو السيئات.
قال ابن القيم ﵀ (^٢): (وقلت لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- يومًا: سئل بعض أهل العلم: أيهما أنفع للعبد التسبيح أو الاستغفار؟ فقال: إذا كان الثوب نقيًّا فالبخور وماء الورد أنفع له، وإذا كان دنسًا فالصابون والماء الحار أنفع له. فقال لي -رحمه الله تعالى-: فكيف والثياب لا تزال دنسة؟).
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٥٢)، ومسلم برقم (١٥٩٩)، عن النعمان بن بشير ﵁.
(٢) ينظر: الوابل الصيب لابن القيم (ص ٩٢).
[ ٤٠ ]
يريد أن الاستغفار أصلح لمن كان واقعًا في المعاصي والسيئات.
رابعًا: ذكر التوبة مع الاستغفار أفضل، لحديث أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» (^١).
قال الحافظ ابن حجر ﵀ (^٢): (ظاهره أنه يطلب المغفرة ويعزم على التوبة، ويحتمل أن يكون المراد يقول هذا اللفظ بعينه.
ويرجِّح الثاني ما أخرجه النسائي بسند جيد من طريق مجاهد عن ابن عمر، أنه سمع النبي ﷺ يقول: «أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه في المجلس قبل أن يقوم مائة مرة» (^٣).
وله من رواية محمد بن سوقة، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، بلفظ: إنْ كنا لنعدُّ لرسول الله ﷺ في المجلس: «رب اغفر لي، وتب علي، إنك أنت التواب الغفور مائة مرة» (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٦٣٠٧).
(٢) ينظر: فتح الباري لابن حجر (١١/ ١٠١).
(٣) لعله يريد ما أخرجه النسائي في الكبرى، برقم (١٠٢٢٠)، وفي اليوم والليلة برقم (٤٥٩)، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: كنت عند رسول الله ﷺ جالسًا، فسمعته استغفر مائة مرة يقول: «اللهم اغفر لي، وارحمني، وتب علي، إنك أنت التواب الغفور».
(٤) أخرجه أحمد في المسند برقم (٤٧٢٦)، والترمذي برقم (٣٤٣٤)، وابن ماجه برقم (٣٨١٤). قال الترمذي: حسن صحيح غريب، وصححه الألباني.
[ ٤١ ]