عن أبي ذر ﵁، أنه سمع النبي ﷺ، يقول: «ليس من رجل ادعى لغير أبيه -وهو يعلمه- إلا كفر، ومن ادعى قومًا ليس له فيهم، فليتبوأ مقعده من النار» (^١).
وفي لفظ في الصحيح: «ليس من رجل ادعى لغير أبيه -وهو يعلمه- إلا كفر، ومن ادعى ما ليس له فليس منا، وليتبوأ مقعده من النار، ومن دعا رجلًا بالكفر، أو قال: عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه» (^٢).
معاني الكلمات (^٣):
الكلمة … معناها
ادعى لغير أبيه … أي: انتسب إليه واتخذه أبًا.
وهو يعلم … قيدٌ لا بُدَّ منه؛ فإنَّ الإثم يتبَع العِلْمَ.
فليتبوأ مقعده من النار … أي: فلينزل منزله منها، أو فليتخذ منزلًا بها، وهو دعاء أو خبر بلفظ الأمر، وهذا أظهر القولين. ومعناه: هذا جزاؤه، فقد يجازى وقد يعفى عنه، وقد يوفق للتوبة فيسقط عنه.
ليس له فيهم … أي: ليس له فيهم نسب.
حار عليه … رجع عليه. والْحَور الرجوع، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الانشقاق: ١٤].
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٣٥٠٨) واللفظ له، ومسلم برقم (٦١) باللفظ الآتي.
(٢) لفظ مسلم برقم (٦١).
(٣) ينظر: شرح النووي على مسلم (٢/ ٥٠)، وفتح الباري لابن حجر (٦/ ٥٤٠)، وإكمال المعلم للقاضي عياض (١/ ٣١٨).
[ ٩٧ ]
التعليق:
من الكبائر انتساب الرجل إلى غير أبيه، قال ابن عباس ﵄: كفر دون كفر أو كفر النعمة، وهو مثل قول فرعون لموسى ﵊: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩]، أي: الكافرين لنعمة فرعون عليه؛ حيث تربَّى في قصره.
قال ابن حجر ﵀ (^١): (وقوله: «ليس من رجل»: مِنْ زائدة، والتعبير بالرجل للغالب، وإلا فالمرأة كذلك حكمها.
وقوله: «ادعى لغير أبيه -وهو يعلمه- إلا كفر بالله» كذا وقع هنا؛ «كفر بالله»، ولم يقع قوله: بالله في غير رواية أبي ذر ولا في رواية مسلم ولا الإسماعيلي وهو أولى. وإن ثبت ذاك، فالمراد: من استحل ذلك مع علمه بالتحريم.
وعلى الرواية المشهورة فالمراد كفر النعمة.
وظاهر اللفظ غير مراد، وإنما ورد على سبيل التغليظ والزجر لفاعل ذلك، أو المراد بإطلاق الكفر أن فاعله فَعَلَ فعلًا شبيها بفعل أهل الكفر).
وقوله: «ومن ادعى قومًا»، أي: ومن انتسب إلى قوم.
وقوله: «ليس له فيهم»، أي: ليس لهذا المدعي في هذا القوم نسب، أي: قرابة، وليس في رواية الكشميهني لفظة: نسب، وفي رواية مسلم: «ومن ادعى ما ليس له فليس منا»، وهذه أعم من رواية البخاري، ولكن يحتاج فيها إلى تقدير، وأولى ما يقدر فيه لفظ: نسب، لوجوده في بعض الروايات (^٢).
_________________
(١) ينظر: فتح الباري (٦/ ٥٤٠).
(٢) ينظر: عمدة القاري للعيني (١٦/ ٨٠)، وفتح الباري لابن حجر (٦/ ٥٤٠).
[ ٩٨ ]
وأما قوله ﷺ: «ومن ادعى ما ليس له فليس منا»: (قال العلماء: معناه ليس على هدينا وجميل طريقتنا، كما يقول الرجل لابنه: لست مني) (^١).
وهذا عامٌّ لأنه يشمل من ادعى أبًا غير أبيه، كما يشمل من ادعى أي شيء له، فيدخل فيه جميع الادعاءات الباطلة، سواء كانت مالًا أو علمًا أو نسبًا أو قوة أو شرفًا أو حالًا أو صلاحًا أو نعمة أو ولاء أو غير ذلك (^٢).
ومن العقوبات أيضًا: أن المدعي ما ليس له يحصل له نقيض مطلوبه، فمن تظاهر بشيء من الكمال، وتعاطاه وادعاه لنفسه وليس موصوفًا به، لم يحصل له من ذلك إلا نقيض مقصوده وهو النقص، فإن كان المدعى مالًا لم يبارك له فيه، أو علمًا أظهر الله جهله فاحتقره الناس، فقلَّ مقداره عندهم.
وكذلك لو ادعى دينًا أو نسبًا أو غير ذلك فضحه الله وأظهر باطله، فقلَّ مقداره عند الناس، وذلَّ في نفسه فحصل على نقيض قصده، وهذا نحو قوله ﷺ: «من أسر سريرة ألبسه الله تعالى رداءها» (^٣).
ونحو قوله تعالى: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨]، وقوله ﵊: «المتشبع بما لم يُعطَ كلابس ثوبي زور» (^٤)، رواه مسلم (^٥).
_________________
(١) ينظر: شرح النووي على مسلم (٢/ ٥٠).
(٢) ينظر: فتح المنعم شرح صحيح مسلم لموسى شاهين (١/ ٢٣٢).
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير برقم (١٧٠٢)، وضعفه الحافظ ابن كثير في جامع المسانيد والسنن (٢/ ٢١٩).
(٤) أخرجه البخاري برقم (٥٢١٩)، ومسلم برقم (٢١٣٠) عن أسماء بنت أبي بكر ﵄، وأخرجه مسلم برقم (٢١١٩) عن عائشة ﵂.
(٥) ينظر: الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم للهرري (٣/ ١٦١).
[ ٩٩ ]
وأما قوله: «ومن دعا رجلًا بالكفر، أو قال: عدو الله، وليس كذلك؛ إلا حار عليه»:
قال النووي ﵀ (^١): (هذا الحديث مما عده بعض العلماء من المشكلات من حيث إن ظاهره غير مراد، وذلك أن مذهب أهل الحق أنه لا يكفر المسلم بالمعاصي؛ كالقتل والزنا، وكذا قوله لأخيه: كافر من غير اعتقاد بطلان دين الإسلام، وإذا عرف ما ذكرناه فقيل في تأويل الحديث أوجه:
أحدها: أنه محمول على المستحل لذلك، وهذا يكفر، فعلى هذا معنى باء بها، أي: بكلمة الكفر، وكذا حار عليه، وهو معنى رجعت عليه، أي: رجع عليه الكفر، فباء وحار ورجع بمعنى واحد.
والوجه الثاني معناه: رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره.
والثالث: أنه محمول على الخوارج المكفرين للمؤمنين، وهذا الوجه نقله القاضي عياض ﵀ عن الإمام مالك بن أنس، وهو ضعيف، لأن المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون والمحققون أن الخوارج لا يكفرون كسائر أهل البدع.
والوجه الرابع معناه: أن ذلك يؤول به إلى الكفر، وذلك أن المعاصي كما قالوا: بريد الكفر، ويخاف على المكثر منها أن يكون عاقبة شؤمها المصير إلى الكفر.
والوجه الخامس: معناه: فقد رجع عليه تكفيره، فليس الراجع حقيقة الكفر، بل التكفير، لكونه جعل أخاه المؤمن كافرًا، فكأنه كفَّر نفسه؛ إما لأنه كفَّر
_________________
(١) ينظر: شرح النووي على مسلم (٢/ ٥٠).
[ ١٠٠ ]
من هو مثله، وإما لأنه كفَّر من لا يكفره إلا كافر، يعتقد بطلان دين الإسلام، والله أعلم).
من فوائد الحديث:
الأول: فيه تحريم انتساب الرجل إلى غير أبيه واتخاذه أبا.
الثاني: فيه تحريم ادعاء ما ليس له من الفضائل.
الثالث: فيه تحريم تكفير الناس بغير برهان.
الرابع: فيه أن من فعل ذلك رجعت عليه نقيصته لأخيه.
[ ١٠١ ]