عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ» (^١). رواه البخاري.
معاني الكلمات (^٢):
الكلمة … معناها
وَلِيًّا … الولي: هو المؤمن التقي، كما فسره الله بذلك في قوله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣]، فهذا تفسيره تعالى للولي لا يقبل غيره، وأما اصطلاح الصوفية وغلوهم وجعلهم للولي من اتصف بصفات جمعوها، وبلوغهم به إلى فوق رتبة النبوة فمن الهوس والأباطيل.
فقد آذنته بالحرب … أعلمته أني محارب له، وحرب الله لا تنحصر في نوع معين.
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٦٥٠٢).
(٢) ينظر: التنوير شرح الجامع الصغير للصنعاني (٣/ ٣١٣)، وفتح الباري لابن حجر (١١/ ٣٤٧).
[ ٣١١ ]
افترضت عليه … الفرائض الظاهرة فعلًا؛ كالصلاة والزكاة وغيرهما من العبادات، وتركًا؛ كالزنا والقتل وغيرهما من المحرمات، والباطنة؛ كالعلم بالله والحب له، والتوكل عليه والخوف منه وغير ذلك، وهي تنقسم أيضًا إلى أفعال وتروك (^١).
التعليق:
ذكر ابن الجوزي ﵀ (^٢) أن هذا الحديث فيه عدة إشكالات (^٣):
أحدها: أن يقال: كيف يعادي الإنسان الأولياء، والأولياء قد تركوا الدنيا وانفردوا عن الخلق، فإن جهل عليهم جاهل حلموا، والعداوة إنما تكون عن خصومة؟
والإشكال الثاني: قوله: «فقد آذنته بالحرب»، وكيف يتصور الحرب بين الخالق والمخلوق؟ والمحارب مناظر، وهذا المخلوق في أسر قبضة الخالق.
والإشكال الثالث: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه»، والعادة قد جرت بأن التقرب يكون بما لا يجب، كالهدايا إلى الملوك دون أداء الخراج، فإن مؤدي اللازم لا يكاد يحمد، وإنما يشكر من فعل ما لا يجب.
والرابع: أن يقال: فإذا كانت الفرائض أفضل القربات، فكيف أثمرت النوافل المحبة ولم تثمرها الفرائض؟
والخامس: قوله: «كنت سمعه وبصره ويده»، فما صورة هذا؟
_________________
(١) ينظر: فتح الباري لابن حجر (١١/ ٣٤٧).
(٢) ينظر: كشف المشكل لابن الجوزي (٣/ ٥٢٥)
(٣) ذكر ﵀ ستة إشكالات وأجاب عنها، وقد اكتفينا هنا بخمسة فقط، لأنه مشى في السادس على طريقة الخلف في تأويل الصفات.
[ ٣١٢ ]
والسادس: قوله: «ولئن سألني لأعطينه»، وكم قد رأينا من عابد وصالح يدعو ويبالغ ولا يرى إجابة.
والجواب:
أما الإشكال الأول: فإن معاداة الأولياء يقع من أربعة أوجه:
أحدها: أن يعاديهم الإنسان عصبية لغيرهم، كما يعادي الرافضي أبا بكر وعمر.
والثاني: مخالفة لمذهبهم، كما يعادي أهل البدع أحمد ابن حنبل.
والثالث: احتقارًا لهم، فيكون الفعل بهم فعل الأعداء، كما كان بعض الجهال يحصب أويسًا القرني.
والرابع: أنه قد يكون بين الولي وبين الناس معاملات وخصومات وليس كل الأولياء ينفردون في الزوايا، فربَّ وليٍّ في السوق!
وأما الإشكال الثاني: فإن الإنسان إنما خوطب بما يعقل، ونهاية العداوة الحرب، ومحاربة الله ﷿ للإنسان أن يهلكه، وتقدير الكلام: فقد تعرض لإهلاكي إياه.
وأما الإشكال الثالث: فإن في أداء الواجبات احترامًا للأمر وتعظيما للأمر، وبذلك الانقياد تظهر عظمة الربوبية، ويبين ذل العبودية.
وأما الإشكال الرابع: فإنه لما أدى المؤمن جميع الواجبات، ثم زاد بالتنفل وقعت المحبة لقصد التقرب، لأن مؤدي الفرض ربما فعله خوفًا من العقاب، والمتقرب بالنفل لا يفعله إلا إيثارًا للخدمة والقرب، فيثمر له ذلك مقصوده.
وأما الإشكال الخامس: فإن قوله: «كنت سمعه وبصره»، مثلٌ، وله أربعة أوجه:
[ ٣١٣ ]
أحدهما: كنت كسمعه وبصره في إيثاره أمري، فهو يحب طاعتي ويؤثر خدمتي كما يحبُّ هذه الجوارح.
والثاني: أن كُلِّيَّتَه مشغولةٌ، فلا يُصغي بسمعه إلا إلى ما يرضيني، ولا يبصر إلا عن أمري.
والثالث: أن المعنى: أني أحصل له مقاصده كما يناله بسمعه وبصره.
والرابع: كنت له في العون والنصرة كبصره ويده اللذين يعاونانه على عدوه.
وأما الإشكال السادس: فإنه ما سئل ولي قط إلا وأجيب، وإلا أنه قد تؤخر الإجابة لمصلحة، وقد يسأل ما يظن فيه مصلحة ولا يكون فيه مصلحة، فيعوض سواه.
لا يوصف الله تعالى بالتردُّد المطلق:
سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ (^١): (ورد في حديث: «من عادى لي وليًّا»، في نهاية الحديث يقول الله ﷿: «وما ترددت في شيء أنا فاعله كترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن»، فهل في هذا إثبات صفة التردد لله ﷿؟ أو كيف التوفيق في هذا الأمر؟
فأجاب: إثبات التردد لله ﷿ على وجه الإطلاق لا يجوز؛ لأن الله تعالى ذكر التردد في هذه المسألة: «وما ترددت في شيء أنا فاعله كترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن»، وليس هذا التردد من أجل الشك في المصلحة، ولا من أجل الشك في القدرة على فعل الشيء، بل هو من أجل الرحمة بهذا العبد المؤمن، ولهذا قال في نفس الحديث: «يكره الموت وأكره مساءتَه، ولا بد
_________________
(١) ينظر: لقاء الباب المفتوح (٥٩/ ١٢).
[ ٣١٤ ]
منه»، وهذا لا يعني: أن الله ﷿ موصوف بالتردد في قدرته أو في علمه، بخلاف الآدمي فهو إذا أراد أن يفعل الشيء يتردد؛ إما لشكه في نتائجه ومصلحته، وإما لشكه في قدرته عليه؛ أي: هل يقدر أو لا يقدر، أما الربُّ ﷿ فلا).
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن معنى تردد الله في هذا الحديث؟ (^١).
فأجاب: (هذا حديث شريف، قد رواه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁، وهو أشرف حديث روي في صفة الأولياء، وقد ردَّ هذا الكلام طائفة، وقالوا: إنَّ الله لا يوصف بالتردد، وإنما يتردد من لا يعلم عواقب الأمور، والله أعلم بالعواقب، وربما قال بعضهم: إنَّ الله يعامل معاملة المتردد.
والتحقيق: أنَّ كلام رسوله ﷺ حقٌّ، وليس أحد أعلم بالله من رسوله ﷺ، ولا أنصح للأمة منه، ولا أفصح ولا أحسن بيانًا منه، فإذا كان كذلك؛ كان المتحذْلِقُ والمنكر عليه من أضلَّ الناس وأجهلِهم وأسوئِهم أدبًا، بل يجب تأديبه وتعزيره، ويجب أن يصان كلام رسول الله ﷺ عن الظنون الباطلة، والاعتقادات الفاسدة، ولكن المتردِّد منا، وإن كان تردده في الأمر لأجل كونه لا يعلم عاقبة الأمور؛ لا يكون ما وصف الله به نفسه بمنْزلة ما يوصف به الواحد منا؛ فإن الله ليس كمثله شيء؛ لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ثم هذا باطل؛ فإن الواحد منا يتردَّد تارة لعدم العلم بالعواقب، وتارة لما في الفعلين من المصالح والمفاسد، فيريد الفعل لما فيه من المصلحة، ويكرهه لما فيه من المفسدة، لا لجهل منه بالشيء الواحد الذي يحَبُّ من وجه ويكره من وجه؛ كما قيل:
الشَّيْبُ كُرْهٌ وكُرْهٌ أَنْ أفَارِقَهُ … فاعْجَبْ لِشَيْءٍ عَلى البغضاءِ محبوبُ
_________________
(١) ينظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (١٨/ ١٢٩) باختصار.
[ ٣١٥ ]
وهذا مثل إرادة المريض لدوائه الكريه، بل جميع ما يريده العبد من الأعمال الصالحة التي تكرهها النفس هو من هذا الباب، وفي الصحيح: «حُفَّت النارُ بالشهوات، وحُفَّت الجنةُ بالمكاره» (^١)، وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] الآية.
ومن هذا الباب يظهر معنى التردد المذكور في هذا الحديث؛ فإنه قال: «لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبَّه»؛ فإن العبد الذي هذا حاله صار محبوبًا للحق محبًّا له، يتقرب إليه أولًا بالفرائض وهو يحبها، ثم اجتهد في النوافل التي يحبُّها ويحبُّ فاعلها، فأتى بكل ما يقدر عليه من محبوب الحقِّ، فأحبه الحق. والرب يكره أن يسوء عبده ومحبوبه.
والله ﷾ قد قضى بالموت، فكل ما قضى به؛ فهو يريده، ولا بد منه؛ فالرب مريدٌ لموته لما سبق به قضاؤه، وهو مع ذلك كارهٌ لمساءَة عبده، وهي المساءةُ التي تحصل له بالموت، فصار الموت مرادًا للحق من وجه، مكروهًا له من وجه، وهذا حقيقة التردد، وهو أن يكون الشيء الواحد مرادًا من وجه مكروهًا من وجه، وإن كان لابد من ترجح أحد الجانبين، كما ترجح إرادةُ الموت، لكن مع وجود كراهة مساءة عبده، وليس إرادته لموت المؤمن الذي يحبه ويكره مساءته كإرادته لموت الكافر الذي يبغضه ويريد مساءته).
من فوائد الحديث:
أولًا: في الحديث بيان تحريم معاداة أولياء الله تعالى من المؤمنين الطائعين، وأن من عاداهم فقد تعرض لما لا قبل له به من إهلاك الله له وانتقامه منه؛ فإن الحرب تنشأ عن العداوة والعداوة تنشأ عن المخالفة، وغاية الحرب
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (٢٨٢٢)، عن أنس ﵁.
[ ٣١٦ ]
الهلاك، والله لا يغلبه غالب، فكأن المعنى فقد تعرض لإهلاكي إياه، فأطلق الحرب وأراد لازمه، أي: أعمل به ما يعمله العدو المحارب (^١).
ثانيًا: قال ابن هبيرة: ويستفاد من هذا الحديث تقديم الإعذار على الإنذار، وهو واضح قوله: «فقد آذنته»، أي: أعلمتُه والإيذان الإعلام (^٢).
ثالثًا: وفيه أن فعل الواجبات أحب إليه تعالى مما سواها.
قال الطوفي: الأمر بالفرائض جازم ويقع بتركها المعاقبة بخلاف النفل في الأمرين وإن اشترك مع الفرائض في تحصيل الثواب فكانت الفرائض أكمل؛ فلهذا كانت أحب إلى الله تعالى وأشد تقريبًا، وأيضًا فالفرض كالأصل والأس، والنفل كالفرع والبناء، وفي الإتيان بالفرائض على الوجه المأمور به امتثال الأمر واحترام الآمر وتعظيمه بالانقياد إليه وإظهار عظمة الربوبية وذل العبودية؛ فكان التقرب بذلك أعظم (^٣).
رابعًا: وفيه أن التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض، مما يزيد من محبة الله للعبد.
خامسًا: وفيه أن الله يتولى أولياءه وهم عباده الصالحون بالحفظ والرعاية والدفع والنصر والمدد والغوث في جميع حركاتهم وسكناتهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا
_________________
(١) ينظر: فتح الباري لابن حجر (١١/ ٣٤٢).
(٢) ينظر: المرجع السابق (١١/ ٣٤٢).
(٣) ينظر: المرجع السابق (١١/ ٣٤٣).
[ ٣١٧ ]
يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر: ٦١]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦]، وغير ذلك من الآيات.
سادسًا: في قوله: «كنت سمعه الذي يسمع به»، وقوله: «وبصره الذي يبصر به» .. إلخ، أي: أنه يسدده في جوارحه وفي أقواله وأفعاله؛ فحينئذ: لا ينطق العبد الا بذكره، ولا يتحرك إلا بأمره، فإن نطق نطق بالله، وإن سمع سمع به، وإن نظر نظر به، وإن بطش بطش به (^١).
سابعًا: وفيه أن الإيمان والتقوى وسيلة كل خير، ومن ذلك إجابة الدعاء، والإعاذة من كل مكروه، كما قال: «وإن سألني لأعطينه» مطلوبه «ولإن استعاذني لأُعِيذَنَّه» من كل مكروه (^٢).
ثامنًا: ويؤخذ من هذا الحديث: ألَّا يحكم لإنسان آذى وليًّا، ثم لم يعاجل بمصيبة في نفسه أو ماله أو ولده بأنه سلم من انتقام الله؛ فقد تكون مصيبته في غير ذلك مما هو أشد عليه؛ كالمصيبة في الدين مثلًا (^٣).
_________________
(١) ينظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب (٢/ ٣٤٧).
(٢) ينظر: التنوير شرح الجامع الصغير للصنعاني (٣/ ٣١٤).
(٣) ينظر: فتح الباري لابن حجر (١١/ ٣٤٦).
[ ٣١٨ ]