عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي جَنَازَةٍ، فَأَخَذَ شَيْئًا فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِهِ الأَرْضَ، فَقَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ، وَمَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا، وَنَدَعُ العَمَلَ؟ قَالَ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ٧] الآيَةَ (^١).
معاني الكلمات (^٢):
الكلمة … معناها
ينكت به في الأرض … أي: يضرب الأرض بطرفه، وهو أن يؤثر فيها بطرفه، فعل المفكر المهموم.
أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل … أي: نعتمد على ما قُدِّر علينا، يعني: أنه إذا سبق القضاء لكل واحد منّا بالجنة أو النار، فأيّ فائدة في السعي، فإنه لا يردّ قضاء الله وقدره.
التعليق:
سأل الصحابة ﵃ الرسول ﷺ فقالوا: إذا كانت أعمالنا ومساكننا في الآخرة معروفة ومحددة ومكتوبة ففيم العمل؟ فقال ﷺ:
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٤٩٤٩) واللفظ له، ومسلم برقم (٢٦٤٧).
(٢) ينظر: تحفة الأحوذي للمباركفوري (٦/ ٢٨٤).
[ ٢٣٥ ]
«اعملوا فكلٌّ ميسَّر لما خُلق له»، فنبّه بالجواب عنه أن الله تعالى دبّر الأشياء على ما أراد، وربط بعضها ببعض، وجعلها أسبابًا ومسبّبات، ومن قدّره من أهل الجنّة، قدّر له ما يُقرّبه إليها من الأعمال، ووفقه لذلك، بإقداره، ويُمكّنه منه، ويُحرّضه عليه بالترغيب والترهيب، ومن قدّر أنه من أهل النار قدّر له خلاف ذلك، وخذَلَهُ حتى اتّبع هواه، وترك أمر مولاه.
والحاصل: أنه جعل الأعمال طريقًا إلى نيل ما قدّره له من جنة أو نار، فلا بدّ من المشي في الطريق، وبواسطة التقدير السابق يتيسّر ذلك المشي لكلٍّ في طريقه، ويَسهلُ (^١).
وهذا الحديث أصل في باب القضاء والقدر، وأنه قد سبق قضاء الله تعالى بكون المكلفين فريقين: فريقًا في الجنة وفريقًا في السعير.
قال الخطابي ﵀ (^٢): (فهذا الحديث إذا تأملته أصبتَ منه الشفاء فيما يتخالجُك من أمر القدر، وذلك أن السائلَ رسولَ الله ﷺ والقائلَ له: «أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل»، لم يترك شيئًا مما يدخل في أبواب المطالبات والأسئلة الواقعة في باب التجويز والتعديل، إلا وقد طالب به وسأل عنه، فأعلمه ﷺ أن القياس في هذا الباب متروك، والمطالبة عليه ساقطة، وأنه أمر لا يشبه الأمور المعلومة التي قد عُقلت معانيها، وجرت معاملات البشر فيما بينهم عليها، وأخبر أنه إنما أمرهم بالعمل؛ ليكون أمارة في الحال العاجلة، لما يصيرون إليه في الحال الآجلة، فمن تيسر له العمل الصالح كان مأمولًا له الفوز، ومن تيسر له العمل الخبيث كان مخوفًا عليه الهلاك،
_________________
(١) ينظر: مشارق الأنوار الوهاجة شرح سنن ابن ماجه لمحمد بن علي بن موسى (٢/ ٤٦٧).
(٢) ينظر: معالم السنن للخطابي (٤/ ٣١٨).
[ ٢٣٦ ]
وهذه أمارات من جهة العلم الظاهر وليست بموجبات، فإن الله سبحانه طوى علم الغيب عن خلقه، وحجبهم عن درْكِه، كما أخفى أمر الساعة فلا يعلم أحد متى إبَّانُ قيامِها.
ثم أخبر على لسان رسول الله ﷺ بعض أماراتها وأشراطها فقال: من أشراط الساعة: «أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة يتطاولون في البنيان» (^١)، ومنها: «كيت وكيت …»).
وبعد أن ذكر الإمام النووي ﵀ هذا الحديث وغيره من أحاديث القدر قال (^٢): (وفي هذه الأحاديث كلِّها دلالات ظاهرة لمذهب أهل السنة في إثبات القدر، وأن جميع الواقعات بقضاء الله تعالى وقدره؛ خيرها وشرها نفعها وضرها، وقد سبق في أول كتاب الإيمان قطعة صالحة من هذا.
قال الله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، فهو مِلْكٌ لله تعالى يفعل ما يشاء، ولا اعتراض على المالك في ملكه، ولأن الله تعالى لا علة لأفعاله، قال الإمام أبو المظفر السمعاني: سبيل معرفة هذا الباب التوقيف من الكتاب والسنة، دون محض القياس ومجرد العقول، فمن عدل عن التوقيف فيه ضل وتاه في بحار الحيرة، ولم يبلغ شفاء النفس، ولا يصل إلى ما يطمئن به القلب، لأن القدر سرٌّ من أسرار الله تعالى التي ضربت من دونها الأستار، اختص الله به، وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم؛ لما فيه من الحكمة، وواجبنا أن نقف حيث حدَّ لنا، ولا نتجاوزه.
_________________
(١) جزء من حديث جبريل الطويل أخرجه مسلم بتمامه برقم (٨)، عن عمر بن الخطاب ﵁.
(٢) ينظر: شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٩٦).
[ ٢٣٧ ]
وقد طوى الله تعالى علم القدر على العالم، فلم يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب.
وقيل: إن سر القدر ينكشف لهم إذا دخلوا الجنة، ولا ينكشف قبل دخولها، والله أعلم.
وفي هذه الأحاديث النهي عن ترك العمل والاتكال على ما سبق به القدر، بل تجب الأعمال والتكاليف التي ورد الشرع بها، وكل ميسر لما خلق له، لا يقدر على غيره، ومن كان من أهل السعادة يسره الله لعمل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة يسره الله لعملهم، كما قال: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى … و: لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٧ - ١٠]، وكما صرحت به هذه الأحاديث).
من فوائد الحديث:
أولًا: مشروعية إتباع الجنازة.
ثانيًا: أن متبع الجنازة عليه أن يتذكر الآخرة وأن يظهر عليه أثر ذلك.
ثالثًا: موعظة العالم أصحابه عند القبور.
رابعًا: إثبات القدر، وأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
خامسًا: مراجعة العالم والاستفسار منه عما قد يشكل.
سادسًا: أن السعادة والشقاوة بتقدير الله وقضائه.
سابعًا: الرد على الجبرية؛ لأن التيسير ضد الجبر، لأن الجبر لا يكون إلا عن كره، ولا يأتي الإنسان الشيء بطريق التيسير إلا وهو غير كاره له.
ثامنًا: الرد على القدرية؛ لأن أفعال العباد وإن صدرت عنهم، فقد سبق علم الله بوقوعها بتقديره ﷾.
[ ٢٣٨ ]
تاسعًا: أن العمل الطيب أمارة على الخير، والعكس بالعكس.
عاشرًا: النهي عن ترك العمل والاتكال على ما سبق به القدر، بل تجب الأعمال والتكاليف التي ورد الشرع بها، وكل ميسر لما خلق له.
الحادي عشر: أن السنة تبين القرآن وتوضِّحه وتدل عليه (^١).
_________________
(١) ينظر: عشرون حديثًا من صحيح البخاري، عبد الرزاق البدر (ص ٢٣٥).
[ ٢٣٩ ]